لا زالت ذاكرته خضراء مثل اشجار في بستان يتكئ على خاصرة المطر تجلس معه فيعود بك الى تفاصيل تواريخ غير مكتوبة تواريخ اندثرت في رمال ذاكرة الناس.
العم هندي بن هنيدي المجنوني احد اكبر المعمرين الذين سكنوا منطقة الشميسي.. حينما كانت عبارة عن اشجار صحراوية وأودية خاصمها المطر.
في ذلك الضحى وشمس الصيف تنفث الصهد وحرارة القيظ تحاول تحريضه للحديث عن الماضي فيقول: كنت اسكن مع افراد قبيلتي في بادية الخضراء على طريق الساحل بادية في السنين الخوالي كانت خضراء وأوديتها مزهرة وبها الحلال والخيام وتفوح من ثناياها رائحة القهوة العربية ومواويل الغناء الصحراوي العفوي. فقد كانت الحياة بسيطة وغير معقدة وفي احدى السنين هاجرت مع اخي حسين واولادنا الى منطقة الشميسي.
لأن هذه المنطقة الواقعة بين طريق مكة القديم ونظيره السريع غنية بالمياه ولا تشهد «الغبرة» الموسمية كما هو الحال في بادية الخضراء. وضربنا خيامنا في هذه الصحراء واصبحت جزءاً من حياتنا وتعايشنا معها وحفظنا ملامحها لدرجة انني اعرف كل دقائق منطقة الشميسي وخبايا الدروب الوعرة والتضاريس ومواقع المياه.
اول طريق بري
واستطرد ان المنطقة كانت اول موقع يتم فيه انشاء طريق بري في المملكة بين جدة ومكة المكرمة وذلك حينما امر الملك عبدالعزيز -رحمه الله- بإنشاء هذا الطريق لخدمة قوافل الحجاج القادمة عبر ميناء جدة.
تكسير الحجارة
وتابع حينما جئت الى منطقة الشميسي فإن هذا الموقع لم يكن غريباً بالنسبة لي لأنني من الذين عملوا في تعبيد الطريق البري بين مكة المكرمة وجدة كان العمل شاقاً في هذا المشروع واذكر ان نقطة العمل بدأت من منطقة كانت تعرف بالحمراء. وهذه الحمراء الآن في الكيلو 14 على طريق مكة القديم والذي يعبر ببحرة وحداء ثم الشميسي.
وتسأله عن اجرته في اليوم الواحد اثناء انشاء الطريق فقال: عملت بأجر قدره (7) قروش في اليوم وكانت مهمتنا شاقة وتتمثل في تعبيد الطريق الذي لم يكن يتجاوز عرضه (4) امتار بجلب الحجارة من جبال الشميسي القريبة من الموقع ورفعها بشق الانفس عن مستوى الرمال التي كانت تميّز المنطقة الى درجة ان اقدامنا كانت تغوص في الرمال ويصعب علينا التحرك إلا بصعوبة فائقة وكانت الجهة المكلفة ببناء الطريق شركة مصرية لها معداتها وجميع عمالها من «الصعايدة» حيث شاهدت لأول مرة في حياتي آلات ومعدات رصف الطرق والتي كانت عبارة عن ناقلات صغيرة للحجارة اشبه بالقلابات اضافة الى «دكاكات» لتسوية الطريق واذكر ان مهمتي وعدد كبير من الرجال كانت تتمثل في وضع الحجارة فوق الرمل المبلل بالمياه والتي كنا نوفرها من عيون المرشدية وآبار الشميسي ثم نضع فوقها بعد ذلك مادة «الزفت» التي كنا نحملها على اعتاقنا وكانت عبارة عن كتل دائرية صلبة ثم نشعل تحتها النيران لاذابتها ومن ثم وضعها في براميل مخرمة على الطريق الجاهز من اعمال الردم. والدك ولم تكن مادة الاسفلت المستخدمة في الرصف معروفة في ذلك الوقت.
منطقة موحشة
واضاف: ان العمل في المشروع استغرق ثلاث سنوات حيث كنا نقيم في منطقة الشميسي الموحشة آنذاك في خيام وعشش وكنا نشتري اكياس الارز والسكر والدقيق بقيمة (21) قرشاً للكيس الواحد حيث كانت تجلب من جدة بواسطة الابل.
وتابع: لا زلت اذكر زملاء لي عملوا في سفلتة طريق مكة القديمة ومن هؤلاء علي بن مطير ومنور بن مليح ومنصور الرويس ومجحش الرويس ومطير الجابري وبعد الانتهاء من هذا المشروع الذي كان بمثابة الحلم دشن الملك عبدالعزيز هذا الطريق وكنت من حضور تلك المناسبة واذكر انه -طيب الله ثراه- كان قد جلس على صخرة وهو يتأمل الطريق الجديد والذي سارت عليه او سيارتين من نوع «الفورد».
كما لا زلت اذكر ان هذا الطريق شهد اول حادث مروري على اقدم طرق المملكة وذلك في العام 1369هـ حينما داهمت سيارة ثمانية جمال كانت محملة بالبضائع في طريقها الى جدة ونتج عن الحادث وفاة قائد القافلة زاهر بن بخيت المجنوني ونفوق الجمال الثمانية.
وتابع: ان لجنة تحديد حدود مكة المكرمة قد استعانت به لرسم الحدود.
وتابع: ان كلا من الدكتور سعود الثبيتي وحامد الحرازي حضرا اليه للاستفسار عن بعض «الاعلام» التي ذكرت لتحديد حدود مكة المكرمة فدلهم على حدود موقع ام الهشيم ووضعوا بعدها علمين لتحديد حدود حرم ام القرى فيما تمت ازالة علمين آخرين كانا منصوبين عن طريق الخطأ.
ابن هندي شهد أول حادث مروري
رصفت الطريق القديم بالحجارة
27 يوليو 2006 - 18:19
|
آخر تحديث 27 يوليو 2006 - 18:19
رصفت الطريق القديم بالحجارة
تابع قناة عكاظ على الواتساب
هاني اللحياني (مكة المكرمة)