الحلقة الثالثة
ولنمر في هذه الحلقة إلى مناقشة الفكرة الرئيسية الثانية عند البليهي المتعلقة بالتمييز الصارم بين حضارة النقل الإسلامية وحضارة العقل الغربية ومن ثم نفي أي دور حقيقي للفلاسفة والعلماء المسلمين في الحضارة الإنسانية. إن هذه الفكرة تطرح إشكالين كبيرين يحيل أولهما إلى مسلمة القطيعة المعرفية بين الحضارتين. ويتعلق ثانيهما بمعيار الفصل أي ثنائية النقل والعقل.
فبخصوص الموضوع الأول ( القطيعة المعرفية بين الحضارتين ) يبدو أن معلومات الأستاذ البليهي لا تتجاوز الانطباعات السريعة والقراءات السطحية. وإلا كيف يجهل أن حضور الثقافة اليونانية بجانبها الفلسفي مكين وتجذر في البيئة العربية، حتى قبل الإسلام. ولا أدل على ذلك أن القرآن الكريم الذي نزل بلسان قريش يتضمن كلمات من أصول يونانية كالسماء والزخرف... وهي أسماء استقرت منذ عهد طويل في المعجم العربي وصارت جزءا منه. وكيف غاب عنه أن العملتين الوحيدتين اللتين عرفهما التاريخ العربي الإسلامي وهما الدرهم والدينار سميتا باسمين يونانيين، مما يرمز لعمق العلاقة بين المجال العربي والعالم اليوناني.
وليس من الصحيح أن التأثير الفلسفي اليوناني لم يتجاوز في الثقافة الإسلامية بعض الوجوه القليلة (كالفارابي وابن سينا وابن رشد )، وقد اعتبرهم البليهي مجرد مقلدين لا إبداع لهم، كما أنهم شاذون محاربون ومعزولون وأشبه بالصعاليك داخل الحضارة الإسلامية.!!!
أما كون أولئك مجرد مقلدين فخطأ بديهي بالنسبة لايقره القارئ النشط فضلا عن المتخصص. فلا أحد يجهل أن نظرية النبؤة لدى الفارابي لم يسبق لها وإن كان استخدم في بنائها عناصر فلسفية متنوعة من أرسطو وأفلوطين، كما أن نظرية الوجود لدى ابن سينا إبداع فلسفي كبير، وكذا شروح ابن رشد لأرسطو ونظريته في التأويل... ولا نطيل في هذا الموضوع الذي يعرفه جيدا المختصون.
من المعروف تاريخيا أن آخر مدرسة فلسفية في أثينا قد أغلقت عام 529 لأسباب دينية، في حين شهدت ترجمة النصوص الفلسفية اليونانية إلى العربية نهضة كبرى منذ القرن الثاني الهجري. وقد ترجمت بالفعل كل نصوص أفلاطون وأرسطو وأفلوطين تقريبا (باستثناءات قليلة).كما أن بعض النصوص اليونانية ضاعت أصولها ولم يبق منها سوى بعض الترجمات العربية كبعض أعمال جالينوس وأفلوطين وبعض الشروح على أرسطو. وتنفرد المصادر الإسلامية بذكر نصوص يونانية، مما يدل على حجم الانتشار الكبير للفكر اليوناني في المجال. ويذكر ابن النديم في فهرسته ما يزيد على 66 مترجما من اليونانية إلى العربية، مما يبين أن مجهود نقل الفلسفة اليونانية كان واسعا وعميقا.
وإذا انتقلنا إلى المضامين، تأكدت لنا تلك الحقيقة. فكيف يمكن القول إن الفلسفة اليونانية كانت معزولة وشاذة في المحيط الإسلامي، والحال أنها تغلغلت بعمق في هذا المحيط حتى ضمن العلوم الشرعية. فلا أحد يجهل أن المنطق الأرسطي الذي هو خلاصة الفلسفة الأرسطية كلها أصبح منذ القرن الرابع الهجري من المرتكزات المنهجية الأساسية لعلمي الكلام والأصول، إلى حد أن الغزالي الذي حارب الفلاسفة وكفرهم كتب بوضوح «أن من لم يتمنطق لا يوثق بعلمه». كما أن نظرية النفس الأفلوطينية التي هيمنت على الفكر اليوناني في مرحلته الأخيرة تبناها المتصوفة وعلماء التربية والفقهاء، مما
لايحتاج لبيان.
والأدق هو القول أن الفكر اليوناني تحول إلى قلب النظام المعرفي الإسلامي وأصبح جزءا لا يتجزأ منه.
وليس صحيحا القول إن الفلاسفة المسلمين حافظوا فقط على التراث اليوناني وسلموه للغرب المحدث دون أن يكون لهم تأثير في تشكل الفلسفة الحديثة.
فمن البديهيات أن حركة الفلسفة والعلم في العالم العربي الإسلامي الوسيط كان لها تأثير حقيقي في حركية النهضة ثم التحديث.
ولنبدأ بعصر النهضة، حيث نلمس أن تيار «الإنسانيين» الذين ظهروا في القرن الرابع عشر رافعين شعار الإصلاح والخروج من قبضة الكنيسة وإعلاء شأن الإنسان، قد استفادوا بتصريح منهم من كتابات الفلاسفة والعلماء المسلمين. ومن أبرز هؤلاء الإيطالي جيوفاني ديلا ميراندولا الذي ألف كتابا بعنوان «في الكرامة الإنسانية» قال فيه بوضوح : «لقد قرأت في كتب العرب أنه ليس ثمة في الكون شيء أكثر روعة من الإنسان».
وهذا أدلير أوف باث (ت 1142م) يقول ملمحا إلى التأثير الثقافي العربي القوي على معاصريه : «إن في جيلنا عيبا متجذرا فيه. إنه يرفض جميع ما يبدو أنه صادر من عند المحدثين. ولذلك فإني أقدمها لهم بصورة تجعلهم يعتقدون أني استقيتها من دراساتي العربية» (نقلا عن الجابري الذي نقل الاستشهاد عن المؤرخ الفرنسي الكبير لوغوف).
أما تأثير الفكر العربي على فلاسفة الأنوار فله شواهد أكيدة. فهذا مندلسون يعترف أنه تأثر بابن ميمون تلميذ ابن رشد. كما أن فلسفة ابن رشد نفسه كانت محور نقاش فلسفي مطول بين الفيلسوفين الألمانيين الكبيرين كانط وهردر.
عندما يتفلسف العم توم: البليهي نموذجا!!
24 يوليو 2009 - 20:22
|
آخر تحديث 24 يوليو 2009 - 20:22
تابع قناة عكاظ على الواتساب