الحلقة الأولى:
من العدالة أن نبارك الاهتمام غير المسبوق بالفلسفة تفكيرا ونصوص+ا في الساحة السعودية، فحديثا وقبل أسابيع،بشرتنا الصحافة بتشكل أول حلقة فلسفية تختص بالمراجعات الفلسفية في النادي الأدبي بالرياض، كما أن المطالبة بتوسيع دائرة الاهتمام بالفلسفة أصبحت المطلب الرئيس للعديد من الكتاب في الإعلام السعودي وهذا جهد يسجل لهم ويشكرون عليه. هذا لايعني أن الثقافة السعودية كانت خالية تماما من الفلسفة. فإذا استثنينا كتب فلاسفة المغرب العربي التي حوصرت في المكتبات التجارية حقبة الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات لأسباب لاتخفى على أحد فإن الكتاب الفلسفي كان حاضرا في المكتبات العامة والتجارية السعودية. ولم يعدم التاريخ الثقافي السعودي ـ على قصر عمره نسبيا ـ أسماء انشغلت بالخطاب الفلسفي.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن كتابات إبراهيم البليهي بعد تحوله من الخطاب الإسلامي الشمولي القطبي إلى الهم الفلسفي مفيدة بل ومن أبرز ما كتب سعودي في هذا المجال. ولقد أثارت مؤخرا «مكاشفاته» في ملحق «الدين والحياة» في صحيفة «عكاظ» ردود فعل واسعة تجاوزت حدود البلاد، مما يدل على تأثيرها الحقيقي الناتج عن كونها لخصت بوضوح لا لبس فيه فكر الرجل وآراءه التي ضمنها كتبه المنشورة.
وأريد أن أقرر أولا أنني وإن لم أكن يوما متخصصا في الفلسفة إلا أنني تابعت كما كثيرين تلك المكاشفات. ولم أستطع مقاومة تسجيل بعض الملاحظات حول فكر البليهي وآرائه الفلسفية، من خارج الحلبة الأيديولوجية. وسأحاول الاكتفاء بتبيين بعض المعطيات التي تنزع ـ في زعمي ـ إلى هم واحد هو الكشف عن مدى التزام الأستاذ البليهي بالمنهج الفلسفي الذي يستند اليه ومعرفة مدى صحة المعلومات التي يقدمها.
ولعل كل من قرأ تلك المكاشفات بل وغيرها من نتاج البليهي يتفق معي أن كل آراء وأفكار البليهي تدور حول ثلاثة أفكار رئيسية هي:
ـ تفوق الحضارة الغربية على الثقافات الأخرى باعتبارها حضارة ممتدة منذ العهد اليوناني قائمة على العقلانية.
ـ التمييز الصارم بين الحضارة الإسلامية في هويتها الدينية المطلقة والحضارة الغربية في هويتها العقلانية، ومن ثم نفي أي دور حقيقي للفلاسفة المسلمين في الحضارة الإنسانية.
ـ أسبقية الفلسفة على العلم، والنظر إلى العلوم كتفريعات عن الفلسفة، وبالتالي ربط أي تنمية حقيقية باستيعاب الفلسفة.
ومن البديهي أن أقرر بداية موافقتي للأستاذ البليهي في رفضه للمنهج التمجيدي للذات السائد في الكتابات العربية، وللأقوال الرائجة حول مركزية الحضارة الإسلامية وأنها اكتشفت كل العلوم وسبقت الغرب الحديث في كل إنجازاته. فتلك رؤية ساذجة لا ندافع عنها.
ومن البديهي أيضا أنني لن أرجع في هذه التعليقات المقتضبة إلا إلى المراجع الرئيسية المعتمدة في الدوائر البحثية والأكاديمية الكبرى. ذلك لأنني لست مختصا بتفريعات العلوم الفلسفية ثم إن الرجوع إلى المراجع الكبرى المعتمدة هو أدعى إلى قبول المحاجة التي أقترحها من قبل صاحب الرأي المخالف وكذلك القارئ على حد سواء.
ولو بدأت بفكرة البليهي الأولى التي تقرر، تفوق الحضارة الغربية على الثقافات الأخرى باعتبارها حضارة ممتدة منذ العهد اليوناني قائمة على العقلانية، فهذه الفكرة تطرح ثلاث إشكاليات متمايزة: أحدها مفهوم الحضارة الغربية، وثانيها احتكارها ـ أي الحضارة الغربية ـ للفلسفة، وآخرها تفوقها العقلاني على الحضارات الأخرى.
فبخصوص الإشكالية الأولى، يرى البليهي أن هذه الحضارة هي نسيج واحد ممتد من المرحلة اليونانية ثم المرحلة الرومانية، انتهاء بالحقبة الحديثة والمعاصرة. يقول حرفيا: «إن حضارة الغرب نتاج ذاتها وليست مدينة لأي حضارة سابقة باستثناء الحضارة اليونانية التي هي امتداد لها وإحياء لفتوحاتها في مجالات الفكر والأدب والسياسة والاجتماع وتمجيد العقل».
ويطرح هذا التعريف مصاعب جمة أفقيا وعموديا، أي بحساب الموقع والزمان، باعتبار أنه ينطلق من مسلمة ضمنية بالقطيعة الجذرية داخل المجال المتوسطي بل وداخل المجال الأوروبي نفسه بين عالمين حضاريين متباينين، فضلا عن افتراض انفصال راديكالي بين العوالم الثلاثة الكبرى التي كانت تتوزع إليها البشرية في التاريخ القديم: العالم الروماني والعالم الفارسي والعالم الصيني.
وليس من الضروري هنا الرجوع للكتابات التاريخية الدقيقة التي بينت علاقات التداخل الكثيفة بين هذه العوالم الثلاثة. ونكتفي بالإشارة إلى أن أهم الاكتشافات الإنسانية الكبرى كالكتابة والزراعة والطباعة والبارود...حدثت الحضارة الغربية.
ففضلا عن موقع بلاد اليونان القديمة جغرافيا وثقافيا (الأصح أنها ظلت دوما جسرا للتواصل بين الشرق والغرب)، فإن الحدث الفكري الهائل الذي ارتبط بها وهو الفلسفة ليس من المسلم انه إنتاج ذاتي وإبداع لا سابق له.
عندما يتفلسف العم توم: البليهي نموذجا!!
10 يوليو 2009 - 22:26
|
آخر تحديث 10 يوليو 2009 - 22:26
تابع قناة عكاظ على الواتساب