استكمالا لمقال الأمس عن الصكوك والسندات وموقف البعض منها نجد أن هولاء قد رفضوا فتاوى شيوخ العلماء التي تركوا باب الحوار فيها مفتوحا. وتمسكوا بفتاوى زالت حيثياتها والمعطيات التي قامت عليها ثم رموا وراء ظهورهم لوازم تطبيقاتها، فغيروا الألفاظ من غير حقيقة لها ثم كذبوا وكذبوا ولفقوا ولبسوا وخلطوا حتى صدق الناس أنه حقيقة. فقالوا السند قرض والصك ملكية مشاعة وأي ملكية لا يزيد سعرها ولا ينخفض مع الزيادة والنقص في قيمة الأصل! وقالوا فوائد السندات ربا وفوائد الصكوك إجارة وأي إجارة ترتبط بسعر الفائدة لا بسعر الأصل المؤجر! وكذبوا فقالوا ثم لبسوا ثم خلطوا..... وليس المجال مجال ذلك فقد كتبت فيها أكثر من خمسة وعشرين مقالا فليرجع إليها. وبما أن سبب هذا المقال هو الهجوم على هيئة سوق المال بسبب إدراج السندات وبما أن هؤلاء يتشدقون بالصكوك فأقول للقارئ الكريم أرجع إلى بحث الشيخ محمد تقي العثماني الذي قدمه إلى المجمع الفقهي في الشارقة، فقد عرى فيه حقيقة الصكوك في كل نقطة ولم يدع هناك أي فرق حقيقي بين السند والصك الذي يطالب به هؤلاء الذين يقذفون هيئة سوق المال ويتهمونها بمحاربة الله ورسوله لإدراج السندات. وقد وضع الشيخ تقي الدين عثمان شروطا لصحة الصكوك، هي في الواقع قريبة جدا من حقيقة الأسهم الممتازة(preferred stock ). وقد احتال الإرهاب الاقتصادي الجديد، عن طريق وسائل الإعلام، في التضليل عن حقيقة ما قاله الشيخ تقي الدين عثمان فصوروا المسألة على أنها خلاف بسيط في القيمة الأسمية للصك عند انتهاء مدته. ولا عجب فهذا ديدنهم في أحاديثهم كلها، قدوتهم في ذلك أصحاب السبت.
إن الحقيقة الشرعية لمطالب الذين قادوا حملة الهجوم على هيئة سوق المال هي أن ينصبوا أربابا لهيئة سوق المال من دون الله. فالسند عندهم ربا حتى يوقعون عليه ويأخذون عليه أجرهم فيصبح صكا وحبذا لو يكون الأجر الخمس فتطمئن النفس.
المجال هنا لا يتسع للتفصيل في أهمية سوق السندات في تمويل المشاريع وتوفير السيولة والتخفيف من كلفة التمويل ومن أهميتها في ضبط التوازن لسوق العملة وقيمتها وأهمية ذلك خاصة ونحن مقبلون على قيادة وحدة نقدية نرجو من الله أن نحقق بها نصرا اقتصاديا عظيما تسر به قلوب المؤمنين وتغاظ به قلوب الجهلة والحاسدين.
السندات وسوقها هي أهم وسيلة مالية في الاقتصاد المعاصر وليس سوق الأسهم، وبتأصيلها الشرعي الصحيح ستوفر كميات ضخمة من الزكاة التي ضيقوها فجعلوها تنحصر في أموال البسطاء من الناس الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا لاستثمار أموالهم.
إلى متى ونحن لا نتعلم من أخطائنا السابقة؟ إلى متى وأفعالنا هي ردود لما حدث؟ متى يتحول فكرنا إلى فكر استراتيجي فنستبق الأمور قبل حدوثها؟ في الثمانينيات ركضوا مع القطيع في الجهاد الأفغاني، وفي التسعينيات تهاونوا في تثقيف الناس وتوعيتهم في فقه السياسة الشرعية للدول، فترعرعت في ظلام الجهل أفكار ومن ثم حركات أشغلت واستهلكت موارد السياسة الداخلية والخارجية لعقود من الزمن وما زلنا إلى الآن نعاني من ذلك التهاون الذي فرطنا به تحت سياسة تحريم الحوار وتعلم أمور الدين الصحيح. وها نحن الآن نعيد الأمر نفسه. فسلطنا على نواح معينة من اقتصاديتنا أناس لا يدركون أبجديات الاقتصاد والاستثمار علاوة على جهلهم في أصول فقه البيوع جهلا مركبا. فهل سيكتفي هؤلاء بتنصيبهم على قمة هرم قرار الإجازة والمنع في هذه المؤسسات المالية؟ لا، فمن يجعل الضرغام بازا لصيده تصيده الضرغام فيما تصيدا. هؤلاء سيقودون اضرابات اقتصادية تشل من حركة الاقتصاد الوطني في المستقبل باسم الدين الذي وضعوه هم، وأول مؤشرات ذلك كمية التداول في سوق السندات. هؤلاء لن يكتفوا بتدمير وإضاعة أموال البسطاء كما قد اثبتوا ذلك من قبل بل سيتمادون فينقلون الخطر والضرر لينال الأمة في قلب اقتصاديتها ويهدد مستقبل نهوضها لتباري الأمم.
أنا لا أدعو هنا إلى تكميم الأفواه، فتكميمها والله لا يأتي بخير وما نحن فيه إلا بعض من خداع الناس بإيهامهم بعدم جواز تعلمهم لدينهم وأن هذا مختص بالدائرة الشرعية العليا وما هي إلا دعوى فرق الباطنية جميعها من غير استثناء، وسبحان الله كيف انطلت هذه الدعوى على كثير من الناس. وأدعو الغيورين من رجال الدين ومن الإعلاميين ومن المثقفين ومن الصالحين من أفراد الأمة الذين يستطيعون فهم المسألة أن يفهموا المسألة من الوجهة الشرعية ومن ثم شرحها للناس عن طريق الندوات والمقالات والتلفزيون والإذاعة والجامعات والدورات. فقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
بالعلم وحده تتحقق مقاصد الشريعة ومصلحة البلاد والعباد، وبالجهل تضيع الأمة دينا ودنيا.
* شرعي وخبير اقتصادي
hamzaalsalem@gmail.com