الرواية هي المكان أولا وثانيا، وهي ثالثا الزمان، بعد ذلك يأتي الشخوص والأحداث والأفكار، أو أن هذا هو ما اعتقدته دائما وبنيت عليه ذائقتي التي تحكمت في درجات اللهفة ولذة المتابعة، وسواء كانت هذه الأولويات صحيحة ومناسبة أم خاطئة، فهي أولوياتي كقارئ بسيط للرواية أولويات أذكرها، لأن سعود الصاعدي نجح في إرباكها لدرجة استحقت الترحم عليها. في روايته (خارج العالم) أعتذر حتى الإملاء هنا مرتبك وغير دقيق، ولتقرأه بشكل سليم ويفي بالقصد فأنت بحاجة لمرآة تسقطها على (خارج العالم) هذه، ثم تقرأ ما تنتجه المرآة من صورة، لن يكون هذا عملا إضافيا، أو جهدا زائدا، أو ترفا فكريا، فهذه الرواية تعيد دون قصد منها مهابة المثل الشائع: (الكتاب يقرأ من عنوانه)، وقد أحسن الروائي صنعا، وأعفا القارئ من مشقة جلب المرآة فطبع النتيجة النهائية لعملية المرآة على الغلاف، وجعلها عنوانا لثاني مؤلفاته، وأول عمل روائي له. أما لماذا وكيف ارتبكت قناعاتي السابقة، فلأن الرواية تجاهلت الزمان والمكان تماما، فعلت ذلك بترصد مسبق، ونبه الراوي إليه مبكرا في ورقة خاصة قبل بدء الدخول إلى عوالم العمل، لم يفشل فيما أراد، لكنه أراد المستحيل، فلم ينجح تماما بالطبع. بعد قليل تظهر أسماء شخوص تضيق من مساحة الكرة الأرضية على الأقل يمكنك معرفة أن الأحداث في دولة عربية في قارة آسيا، أو أن دولة عربية في قارة آسيا كانت في عقل المؤلف أيضا، ولن تصل إلى منتصف الطريق في الرواية القصيرة والممتعة حتى تقفز لك كلمة (ريال)، فتعرف أنك في المملكة، خاصة أنك ستلتقي بلوحة إرشادية تشير إلى (حي المصيف).
في نهاية العمل الذي أمتعني كقارئ كثيرا، رغم أنه (يبرجل المخ) لدرجة يصعب معها معرفة العاقل من المجنون، الروائي، أم القارئ، أم (صعيقر)، أم (ربيعان الصويلي)، أم (سحيمان)، أم (زويبن الطرقي)، أم الدكتور (وديع الزاهي)، أم غيرهم! فأنت لن تدخل الرواية قبل أن تخرج من (روايتك أنت)، لكنك لن تخرج من الرواية إلا بعد تلقيك أكثر من إشارة تؤكد لك تورطك بالدخول إلى (روايتك أنت). أبسط هذه الإشارات ما رسمه الروائي كلوحة إرشادية تقول لك في البدء: (خروج) وتلتقيها في آخر الرواية الجميلة لتقول لك: (دخول)! فإن لقيت في المنتصف أن المجانين ليسوا سوى حكماء يقولون ما يقترب من الشعر فلا تنس أنهم مجانين من (خارج العالم)، بمعنى أن جنونهم قد لا يكون الجنون الذي كنت تعرفه، وكذلك الأمر بالنسبة للأطباء الذين لن تجد لديهم بالطبع نفس العقل أو طرق العلاج المعروفة (داخل العالم) الذي تعيشه، وكل ما يمكن لهذه الكتابة قوله: إنها ليست قراءة نقدية لعمل روائي، لكنها لوحة إرشادية لتنبيهك: (أمامك مطبات ومنحنيات خطرة فلا تحذر)!
ألم أقل لكم إنها رواية (تبرجل المخ) ؟!