نبيل الأسيدي (صنعاء)
فجعت اليمن يوم الأحد الحادي عشر من يونيو برحيل شخصية وطنية عظيمة وعلم من أعلام اليمن الأفاضل ورموزه المخلصين وهو القاضي عبدالكريم عبدالله العرشي الذي انتقلت روحه الطاهرة إلى بارئها بعد حياة حافلة بالعطاءات العظيمة والمواقف والأحداث الوطنية الهامة التي أسهمت في تغيير مجريات الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في اليمن والتي مازالت حاضرة بقوة في أذهان وذاكرة أجيال متعاقبة في مسيرة نضال وتضحية بحجم اليمن..

صنعاء كانت في ذلك اليوم تنوب عن كل مدن اليمن وهي تتشح بالسواد فيما نعت رئاسة اليمن فقيد الجميع مؤكدة على ان الفاجعة الأليمة لم تصب آل القاضي المناضل عبد الكريم عبدالله العرشي وابناءه واحفاده واقرباءه وذويه واصدقاءه ومحبيه وكل من عرفه وعمل معه وجالسه فحسب بل أصابت اليمن وشعبها كله الذي لفه الحزن العميق وخيمت عليه مشاعر الأسى الشديد وكسا محياه الألم البليغ بفقدان واحد من اعز ابنائه الافاضل واعلامه المناضلين ورجاله الافذاذ جند حياته الطويلة في خدمة الوطن ووظف علمه الذي اشتهر به وذكاءه الذي وصف به وفقهه الذي عرف به في مصلحة الوطن وخير ابنائه الذي كان قريباً جداً منهم وكانوا قريبين جداً منه آمالهم آماله وطموحاتهم طموحاته حمل قضايا الوطن وهموم شعبه في ريعان شبابه وأفنى عمره المديد في بناء اركان نظامه الجمهوري وحماية اهداف ثورته الخالدة وجسد حب الوطن والدفاع عن قضاياه المصيرية في مواقفه البطولية الشجاعة وحكمته القيادية النادرة التي تجلت في العديد من الأحداث السياسية الصعبة وحسمت الامور في العديد من القضايا الوطنية المصيرية الهامة التي شهدها اليمن وعاشها الشعب اليمني منذ انتصار ثورته السبتمبرية الخالدة وما اعقبها من احداث سياسية وأزمات اقتصادية وتداعيات عسكرية حتى اعادة تحقيق الوحدة اليمنية المجيدة التي كان للفقيد -رحمه الله- دور بارز في إعادة تحقيقها والدفاع عنها وانتصارها تلك هي باختصار بعض الملامح الشخصية لفقيد اليمن الكبير فضيلة القاضي عبد الكريم عبدالله العرشي مستشار رئيس الجمهورية.



حياة العطاء

العرشي الذي ينحدر من أسرة آل العرشي إحدى الاسر اليمنية التي اشتهر ابناؤها بالعلم والذكاء والتفقه، ولد في مدينة صنعاء عام 1929م وبدأ تعليمه الأولي في مدارس صنعاء، واكمل دراسته في المدرسة العلمية التي اشتهرت حين ذاك بتخريج علماء الفقه ورجال اللغة والتاريخ، و مارس اعمال الادارة والقضاء في ريعان شبابه مستفيداً في ذلك من حصيلته العلمية وخبرة وتجارب والده في مجال الإدارة والقضاء، ولمع اسمه في الخمسينيات من القرن الماضي حيث شغل خلال سنوات ما قبل الثورةاليمنية العديد من المناصب الادارية والقضائية.. حيث عمل في بادئ الامر في مجال تخطيط الطرق واشرف على تخطيط وتنفيذ طريق صنعاء- صعدة وبعد ذلك عين مديراً (عاملاً)، وحاكماً لناحية (مغرب عنس) لواء ذمار، ثم مديراً (عاملاً) لناحية (ذيبين) بلواء صنعاء، ثم مديراً عاملاً لناحية (جبل راس) لواء الحديدة، ثم مديراً لقضاء زبيد،، بعد ذلك اصبح عضواً في الديوان الأعلى بالعاصمة صنعاء وهو ما يشبه حالياً مكتب رئاسة الجمهورية،، و بعد قيام ثورة سبتمبر 1962م ازداد لمعان نجم القاضي عبد الكريم العرشي توهجا في الاجواء السياسية والقيادية ليمن ما بعد الثورة .. فعين ابان قيام الثورة مديراً لقضاء ذمار، ثم مديراً لقضاء حراز وشارك آنذاك في عدد من الحملات العسكرية والشعبية دفاعاً عن الثورة والجمهورية في المناطق الوسطى والغربية في اليمن، ومن ثم عين بعد ذلك مديراً عاماً لمحافظة الحديدة، ثم وكيلاً لمحافظة الحديدة، ثم شغل منصب مدير عام وزارة الداخلية ثم مديراً عاماً لوزارة الادارة المحلية، ثم رئيساً لمصلحة املاك الدولة، وبعدها عين محافظاً للواء إب وخلال تلك المراحل استطاع بحكمته الادارية وسعة أفقه السياسي وخبرته القضائية وحزمه وصرامته في احقاق الحق وقهر الباطل واستطاع القضاء على الفوضى واسبابها وتمكن من ترسيخ الأمن والاستقرار في كل مواقع المسئولية، كما تقلد منصب وزير المالية لحكومتين متتاليتين، حيث عمل خلال ذلك على تحديث جهاز الوزارة،، وادخل عليها الاساليب المالية والتشريعية المتطورة وانشأ في وزارة المالية المكتب المركزي للميزانية والحساب الختامي الذي يعتبر نواة لوزارة المالية الحالية، ووضع أول ميزانية عامة للدولة وأوجد كذلك حساباً ختامياً للدولة، وحينما عين وزيراً للادارة المحلية اعاد صياغة قانون الحكم المحلي الذي كان سارياً منذ الغزو العثماني لليمن وذلك بما ينسجم والواقع اليمني وكذلك أعاد تنظيم التقسيمات الادارية للجمهورية، و صاغ قانون مجلس المحافظين وجرى خلال تولي مهام هذه الوزارة أول تعداد سكاني في الجمهورية العربية اليمنية آنذاك .



رئيس لمدة اربعين يوما

عين مساعداً لرئيس مجلس قيادة الثورة ( اعلى قيادة جماعية للحكم في اليمن ) بعد حركة 13 يونيو 1974م وعندما عادت الحياة البرلمانية إلى اليمن في مطلع 1978م انتخب بالاجماع لرئاسة مجلس الشعب التأسيسي، ومن ثم اختير رئيساً لمجلس رئاسة الجمهورية العربية اليمنية في احلك الظروف السياسية والعسكرية وذلك في شهر يونيو من عام 1978م، بعد حادثة الاغتيال التي تعرض لها رئيس الجمهورية القائد العام للقوات المسلحة المقدم أحمد حسين الغشمي، ليترك كرسي الرئاسة بعد اربعين يوما من توليه المنصب الاول في اليمن وليسد الفراغ الدستوري الذي خلفه مقتل الرئيس الغشمي وما ان انتخب مجلس الشعب في 17/7/1978م علي عبدالله صالح رئيساً للجمهورية وقائداً عاماً للقوات المسلحة عين القاضي عبد الكريم العرشي نائباً لرئيس الجمهورية

ولعل ابرز ادواره في وضع لبنات الحياة البرلمانية والتشريعية في اليمن انه خلال ترؤسه لمجلس الشعب التأسيسي عمل على ايجاد التشريعات والقوانين المتعلقة بالوزارات والمصالح والمؤسسات والهيئات واستطاع تجسيد دولة النظام والقانون،، وكان له دور كبير في ايجاد القانون المدني وقانون العقوبات وقانون الاجراءات الجزائية الذي يعمل به في اليمن حتى اليوم كما كان له الدور الاكبر في انجاح اول انتخابات لمجلس الشورى في شمال اليمن التي جرت في 5/7/1988م اثناء ترؤسه اللجنة العليا للانتخابات لينتخبه اعضاء مجلس الشورى وبالاجماع رئيساً للمجلس في 12/ يوليو/ 1988م الذي استمر حتى قيام الوحدة اليمنية بين شطري اليمن في الـ22/مايو/ 1990م لينتخب عقبها عضواً في اول مجلس رئاسة لليمن الموحد، حتى عام 1992م حيث انتخب رئيساً للجنة العليا للانتخابات التي كان له الدور الاول في اول انتخابات برلمانية تشهدها اليمن بعد قيام الجمهورية اليمنية والتي جرت في 27/4/1993م، وكان له دور فاعل، وبخبرته وحنكته نجحت تلك الانتخابات واخرجها إلى بر الأمان فكان اول مجلس نواب منتخب بعد وحدة شطري اليمن، لينتقل في نفس العام ليرأس اللجنة العليا للتقسيم الاداري واستطاع انجاز مشروع التقسيم الاداري للجمهورية اليمنية، حتى عام 1997م حيث عينه الرئيس علي عبدالله صالح مستشارا له.



خسارة كبيرة

مسيرة من التضحية والنضال التي عاشها الفقيد القاضي العرشي طبعت في اذهان الكثير من رموز اليمن العديد من المعاني النضالية والوطنية التى ارتبط تاريخها وحياتها بقيم الايثار والتضحية والنضال من اجل الوطن والوفاء لمبادئه وفي سبيل الثورة والجمهورية، حيث اعتبر رفاق نضاله رحيله خسارة كبيرة ليس لأسرته فحسب وانما لليمن أجمع لما كان له من دور نضالي من أجل الانتصار للثورة وترسيخ دعائم النظام الجمهوري وإعادة تحقيق وحدة الوطن والدفاع عنها وبناء مؤسسات دولتها الفتية، مؤكدين على ان الفقيد العرشي يعد احد رجالات اليمن البارزين ومن مناضليه الكبار الذين أسهموا في مسيرة النضال الوطني,لما عرف عنه ثائرا جسورا ومدافعا صلبا عن اهداف ومبادئ الثورة اليمنية (سبتمبر واكتوبر),وسياسيا حصيفا وعالما جليلا يستمد فكره وثقافته من صيغ الاعتدال والوسطية والرؤى التى تغلب عليها الشفافية والفهم المستوعب لروح العصر، وفي ذلك قال اللواء عبده ربه منصور هادي نائب رئيس الجمهورية اليمنية «إن الفقيد القاضي عبدالكريم العرشي الذي فقده اليمن كان من خيرة الرجال الذين أبلوا بلاءا حسنا في سبيل حرية المجتمع وثقافته الاجتماعية والاقتصادية كما كان في كل المسؤوليات التي أنيطت به مقتدرا في الأداء ودقيقا في التنفيذ».

وأضاف «وبفقدان القاضي عبدالكريم العرشي يكون الوطن قد خسر خسارة كبيرة واحدا من أبنائه البررة خصوصا في مسيرة التحولات منذ قيام الثورة اليمنية سبتمبر وأكتوبر مرورا بإعادة تحقيق الوحدة اليمنية المباركة وقيام وطن الثاني والعشرين من مايو بكل صوره النهضوية المتطورة.

من جانبه وصف رئيس مجلس النواب الشيخ عبدالله بن حسين الاحمر خسارة اليمن برحيل علم من أعلامها ورجل من خيرة رجالاتها الذين قضوا حياتهم وهم يعملون فى سبيل عزة ورفعة و تقدم هذا الوطن وذلك بمساهماته الإيجابية و البناءة من خلال المواقع والمناصب القضائية و البرلمانية و التنفيذية التى تقلدها وبما عرف عنه من عزيمة لا تلين و قوة شخصية وحرص على الحق.

واكد أن العرشي ترك وبصفة خاصة بصمات واضحة فى مجال العمل النيابي و وساهم مساهمة فعالة فى ترسيخ وتطوير النهج الديموقراطي الشوروي حينما كان رئيسا لمجلس الشعب التأسيسى ثم رئيسا لمجلس الشورى قبل إعادة تحقيق وحدة الوطن في 22 مايو 1990 م .

وعبر رئيس الوزراء عبدالقادر باجمال عن عميق الحزن وبالغ الأسى وعظيم المواساة لأسرة الفقيد بهذا المصاب الجلل.. منوهاً بالمواقف الوطنية، والدور النضالي الجلي للقاضي العرشي، وحياته الحافلة بالعطاء الوطني في مختلف المراحل والظروف التي مر بها الوطن خلال العقود الأربعة الماضية.. مشيراً إلى أن الفقيد - رحمه الله - كان رجل دولة بكل ما للكلمة من معنى، ومثالاً للإخلاص والكفاءة المجسدة لحب الوطن والتفاني في خدمة الشعب والدفاع عن مصالحه وخياراته الوطنية.

وكان واحداً من أبرز الرجال الذين ساهموا في إعادة تحقيق الوحدة اليمنية من خلال مواقفه الوطنية المسئولة في المراحل التاريخية المختلفة التي أدت إلى إعلان قيام الجمهورية اليمنية»

اما عبدالعزيز عبدالغني رئيس مجلس الشورى فلا يزال يتذكر حينما ترافق مع الفقيد سويا منذ عام 1968م داخل الحكومة قائلا «كان هو وزير المالية وأنا كنت محافظ البنك المركزي، ومنذ ذلك الوقت تقلد الفقيد العديد من المناصب حيث كان رئيساً لمجلس الشعب التأسيسي والنواب ونائباً لرئيس الجمهورية وفي كل مسؤولياته تلك كان دائما مثابراً ويبذل أقصى جهده في العمل الذي يتولاه وكان أيضا من مدافعي الجمهورية والثورة والوحدة رحمه الله على القاضي عبدالكريم الذي سيذكره كل من عمل معه وسيذكره الوطن لخدماته الجليلة التي قدمها لهذا الوطن .

ويقول الدكتور عبدالله بركات -عضو مجلس الشورى وأحد مناضلي اليمن ان للفقيد القاضي العرشي - رحمه الله - ذكريات كثيرة وبصمات في حياة الشعب اليمني أهمها المؤتمر الشعبي وتكويناته وكذا مشواره مع الرئيس علي عبدالله صالح في مسيرته النضالية والوحدوية حتى تحقيق الوحدة في الـ22 من مايو 90م، وأيضا إسهامه في إعداد الكثير من اللوائح التنظيمية ولقائه مع الرئيس في كل المسارات التي قادت إلى الوحدة المباركة سواء من خلال المحادثات الثنائية خلال فترة التشطير او من خلال مواقفه في تهدئة التوترات والتوجه نحو الوحدة اليمنية،، وبالنسبة للمواقف الوطنية له فهي كثيرة ومتعددة ولكن أهمها هي تلك المواقف التي أثبت فيها إبداعه ومهارته في نواحي القوانين والتشريعات وهي مواقف لا تنسى، وبرحيله نعزي الشعب اليمني وقيادتنا السياسية بفقدان مثل هذا الرجل العظيم.