كأنها أحلام أو شريط من الذكريات عاش ملامحها المفعمة بحنين الماضي حسن الصبياني لحد أن يغمض عينيه الغائرتين من فرط الكبر أو كنافذة يطل من خلالها على تاريخ أسواق مكة القديمة المتاخمة للحرم المكي حيث تختزن ذاكرته بتاريخ موغل في القدم يمتد لأكثر من ثمانين عاما لواقع قرى جازان محتفظا بقصص ومواقف تجسد ملامح العلاقات الاجتماعية والاقتصادية ما بين صبيا و أم القرى. يقول العم الصبياني أقدم معلم للكباب والمشويات في أم القرى: ولدت في صبيا القريبة من جازان عام 1346هـ في قرية لا تعرف مصدرا للرزق سوى الزراعة ورعي الماشية، فبدأت أشارك والدي في رعي الأغنام والأبقار والإبل، حيث كان والدي يقوم ببيع الماشية كل عدة أشهر في أسواق مكة المكرمة التي كانت رائجة بقدوم الحجاج والمعتمرين إليها، فكنا نسير بالماشية لأكثر من 15 يوما وسط الصحاري والشعاب الضيقة ما بين صبيا إلى مكة المكرمة مارين بالليث والقنفذة، وأذكر أننا كنا نحمل معنا ما يسد الرمق من الخبز الجيزاني والتمر وقرب الماء إلى أن نصل إلى الحلقة القديمة، فنبيع ماشيتنا ثم نعود إلى صبيا لكن مشقة الترحال مع الماشية دفعني في إحدى المرات إلى أن أطلب من والدي بعد عام من هذه التجربة أن يتركني في مكة المكرمة كي أشق طريقي في الحصول على لقمة العيش والاعتماد على نفسي وكان عمري في ذلك الوقت 16 عاما. ويصف العم الصبياني أسواق مكة بأنها كانت عبارة عن حوانيت متلاصقة تتخللها أزقة ضيقة تفيض بضجيج أهل البادية من القرى المحيطة في مكة المكرمة والذين يقدمون ببضائعهم من الخضار والماشية والحبوب والبرسيم والسمن والجبن البلدي والعسل والمضير إلى هذه الأسواق التي كانت ملتقى لأهل مكة من كل حاراتها، ولم تكن تلك الأسواق تعرف العمالة الوافدة فكان كل العاملين من أهل البلد والقرى القريبة.
ويتوقف الصبياني الجالس على كرسيه القديم مرتديا العمامة المكية والكمر الذي يلتف حول بطنه ليطلق تنهيدة عميقة أسالت الدمع من عينيه ليواصل حديثه قائلا: وكان من بين المطاعم المعروفة في سوق الليل مطعم المعلم عبدالمعين فياضة الذي كان من أشهر المطاعم التي تقدم الكباب فعملت معه كصبي أقطع اللحم وأجهز الشواء وكنت أتقاضى ريالا ونصف في اليوم وارتفعت الأجرة إلى 4 ريالات ثم إلى 11ريالا واستمر عملي معه لمدة 25 عاما، تشربت منه أسرار الصنعة وعرفت أسرارها ولم نكن نعرف في ذلك الوقت من الماشية التي تستخدم لحومها في الشواء إلا الخرفان البلدية، حيث لم تصلنا الماشية المستوردة وكان سعر الخروف الحري 40 ريالا والأوقة الواحدة من اللحم بـ 6 ريالات. ويذكر الصبياني عددا من أشهر العاملين في المطاعم الشعبية في مكة منهم هاشم حلواني وسيد هاشم خيري وعبده فتيني وعلي صائغ والمعلم حسن عشي شيخ طائفة الطباخين في مكة المكرمة الذي كان يختبر بنفسه أي متقدم للعمل في هذه المهنة وفي أدق تفاصيلها بما جعل مطاعم مكة الشعبية لا تعرف الدخلاء.
60 عاما من الشواء
ستون عاما قضاها العم حسن الصبياني أمام جمر شواية اللحم ما بين سوق الليل والنقا والحلقة القديمة وهو ما زال يحتفظ بقصة شيخ الطائفة العشي الذي جمع مجموعة من المعلمين من مطاعم مكة المكرمة للعمل في مطبخ الملك عبدالعزيز في حي المعابدة في مكة المكرمة وأمرهم بأن يوظفوا خبرتهم لصناعة طعام الملك ولمدة ثلاثة أيام، قام الطباخون بتقديم صنوف متنوعة من الأطعمة المكية لوجبات الغداء والعشاء والفطور للملك وضيوفه داخل القصر، حيث تحول مطبخ القصر إلى حالة من الحركة لاتعرف التوقف حيث تخصصت مجموعة في ذبح وسلخ الخرفان وأخرى في وضع قدور الطبخ على المواقد التي تشتعل تحتها نيران الحطب وحدث أن طلب الملك شيخ الطائفة وسط ترقب من العاملين بأن ما قدمه ربما يكون دون المستوى لكن شيخهم فاجأهم بقول الملك للجميع «بيض الله وجوهوكم» وصرف لهم مكافأة مجزية.
وفي عهد الملك سعود رحمه الله عمل الصبياني في إعداد طعام الملك في المشاعر المقدسة في عرفات ومنى ومزدلفة حيث تبارى أكثر من ستين معلما في خدمة الملك وضيوفه.
الصبياني الذي تجاوز السبعين من العمر باتت كل محاولات أبنائه لخلعه من هذه المهنة بالفشل إذ يقول: أجد نفسي في أزقة مكة القديمة حول الحرم في النقا والحلقة القديمة ولا يمكن أن أتركها بينما هو يقضي يومه جالسا على كرسي الحساب في مطعمه ويؤدي صلاة الفجر والظهر والعصر في الحرم المكي يوميا. وكان أول زواج له في عام 1372 هـ في جدة وتحديدا في طريق مكة المكرمة وكان مهر زوجته رحمها الله 300 ريال فقط.
الصــبـــيانــي أقــــدم معـلم شــــــواء فـــي أم القــــــــرى
5 مارس 2009 - 21:58
|
آخر تحديث 5 مارس 2009 - 21:58
الصــبـــيانــي أقــــدم معـلم شــــــواء فـــي أم القــــــــرى
تابع قناة عكاظ على الواتساب
هاني اللحياني، سلمان السلمي ـ مكة المكرمة

