لم يكن الشاعر فيصل الرياحي الذي فقدته الساحة الشعبية في الأيام الماضية على طريق الخرمة، كبقية الشعراء ممن اكتفوا بقرض الشعر دون غيره، بل كان - يرحمه الله- علما من أعلام الوطن في عدد من المجالات، وعنصرا هاما في مسيرة الشعر والشعراء على مستوى الخليج العربي، حيث بدأ فيصل الرياحي قبل أربعين عاما بكل قوة وفرض نفسه، بأدبه وأخلاقه وشعره واستمر حتى آخر حياته. عاش فيصل - يرحمه الله- في كنف أبيه، وعندما توفي والده عاش في منزل عمه مهل، الذي عرف بالكرم والشجاعة بين أفراد قبيلته، وتواصل ارتباط فيصل بعمه حتى اشتد ساعده ونبغت موهبته وبدأ مشواره في ساحة المحاورة مع الشاعر مصلح بن عياد، حينما قال بن عياد في تلك المحاورة:
سلام يا من صداقتهم تداوي الكبود
مثل العسل يوم ينطقها فصيح اللسان
يطيب حالي ليا شفت النشاما قعود
والبن يخلط عليه الهيل والزعفران.
ورد فيصل - يرحمه الله- على هذين البيتين، ببيتين أثبتا للجميع أن فيصل سيكون علما من أعلام الشعر، وهذا ما ظهر خلال السنوات الأخيرة، حيث قال:
الله يحييك يا مصلح عريب الجدود
حضرت والناس ترقب طلعتك من زمان.
وواصل الفقيد مسيرته الشعرية مواجها كبار الشعراء، أمثال مطلق الثبيتي وصياف الحربي -يرحمهما الله- ومستور العصيمي ورشيد الزلامي ومحمد المسعودي وحبيب العازمي وعوض الله ابو مشعاب السلمي وابن جرشان، والكثير من الشعراء، واستمر الرياحي في مضمار فن المحاورة، محافظا على قوة السبك وعمق المعنى، بعيدا عن النزول إلى رغبات الجمهور التي قد تقود الشاعر إلى منزلقات بعيدة عن الشعر، ورغم ذلك حقق فيصل الرياحي جماهيرية كبيرة تجلت من خلال الحضور الكثيف للاحتفالات التي يشارك فيها، وحافظ الرياحي على مستواه الشعري الراقي والرفيع إلى حين وفاته يرحمه الله قبل عدة أيام.
«عكاظ» رصدت آخر يوم في حياة الرياحي وتفاصيل محاورته الأخيرة في الرياض، وآخر قصائده ومدى تأثر أصدقائه الشعراء بخبر وفاته.
شارك الرياحي في الليلة التي سبقت وفاته في محاورة جمعته بالشاعرين ملفي المورقي وتركي الميزاني في العاصمة الرياض، وكانت آخر أبيات نطقها الفقيد تدور حول أحداث غزة، وقال ردا على الشاعر تركي الميزاني:
يازين تاريخ العرب يوم نوحيه
وياشين حاضرهم وياشين طاريه
شوفوا «هنيه» المصائب نهنيه
هذا الصحيح وقولوا اللي تقولون
وكان البيت الأخير الذي قاله الفقيد بعد مواله ذلك:
اليمين اليوم صارت تحداها الشمال
والعلوم صغارها في بطون كبارها.
ليلة مختلفة
وعن رحلة الفقيد من تربه إلى الرياض ورحلة العودة التي شهدت وفاته، حدثنا الشاعر طامي سعد المرزوقي البقمي الذي كان مرافقا للرياحي في تلك الرحلة وأصيب بكسر في الترقوة، حيث وصف المرزوقي فقدان رفيقه بالفاجعة والمصيبة التي رضي بها، بالرغم من الالآم التي يتجرعها منذ رؤيته لأبي بدر، حينما فارق الحياة أمام عينيه.
يقول طامي: سافرت إلى الرياض عبر الخطوط السعودية لزيارة بعض أقاربي، وحينما فرغت من زيارتي تلقيت اتصالا من الفقيد، وذكر لي بأنه سيكون حاضرا في مناسبة يرافقه كل من الشاعرين ملفي المورقي وتركي الميزاني، وطلب مني أن أرافقه لمقر الحفل وأكون بجانبه ونسافر سويا بسيارته الجيب إلى محافظة تربة، ولم أرد له طلبا حيث حضرت تلك المناسبة واستمتعت كثيرا بالمحاورات التي جمعته بالشاعرين، وحينما انتهى الحفل استقلينا سيارته يرافقنا ابن شقيقه منصور بن غالب الرياحي، الذي تعرض لعدة إصابات أثناء الحادث، وقد قام الفقيد بتولي قيادة السيارة وركبت بجانبه وابن شقيقه في المقعد الخلفي.
ويصف المرزوقي تلك الرحلة بأنها رحلة غريبة في كل شيء، حيث ذكر بأن الفقيد كان يتحدث عن مواجهته التي جمعته بالشاعرين ملفي المورقي وتركي الميزاني، وكان يذكر بأن كلا الشاعرين كانا ندين عنيدين له وأبدى رضاه التام عن كل ما قدمه في تلك المناسبة. ويستطرد المرزوقي قائلا: توقفنا في قرية الحفيرة قبيل ظلم وطلب الفقيد منا أن نصلي الفجر جماعة في المسجد ومن ثم نواصل المسير إلى تربة، وما أن فرغنا من أداء الصلاة توجه قبلنا إلى السيارة وصعد في المقعد الخلفي لأخذ قسط من الراحة حتى الوصول إلى تربة، وطلب مني أن أركب بجانب ابن أخيه الذي تولى مهام القيادة بدلا عنه، وكانت تلك اللحظات هي الأخيرة التي سمعت فيها صوت الفقيد، حيث غط في نومه وأخذت بالحديث مع ابن أخيه منصور، وما أن وصلنا إلى الكوبري المؤدي لمحافظة الخرمة، إلا والنوم يداهمني والنعاس يأخذ مني ما أخذ، وطلبت من منصور أن يسمح لي بالنوم قليلا، وتأكدت بأنه لا يرغب في النوم حيث ذكر لي بأنه لن ينام، وسمح لي بالراحة قليلا وكانت تلك اللحظات هي الأخيرة لي، حيث لم أفق إلا بانقلاب السيارة عدة مرات ونزلت منها وأنا أعرف بأنني تعرضت لكسر في الترقوة، ولكنني توجهت بعد نزولي إلى الفقيد وتبين لي بأنه قد فارق الحياة يرحمه الله.
ويذكر المرزوقي أنه لم يفارق الفقيد طيلة أربعين عاما منذ أن بدأ في شعر المحاورة، وقال بأن فيصل كان كريما شجاعا بارا بقبيلته عزيزا على كل من يعرفه عن قرب، حيث كان يساهم في الإصلاح بين أفراد القبيلة ويساهم في نشر الخير وبذل الغالي والنفيس من أجل أن تسود المحبة بين الناس.
ويضيف المرزوقي أن الفقيد ليلة وفاته كان بخلاف كل الليالي التي جمعته معه، وقال إنه كان سعيدا، وذكر أن علاقته بزملائه كانت فوق كل الاعتبارات، وكان دائم السؤال عنهم، متفقدا أحوال أبناء من مات منهم.
وبين المرزوقي أن الفقيد كان دائم الذكر للشاعر حبيب العازمي، وقال بأن الفقيد والعازمي كانا أعز رفيقين عرفتهما ومن شدة محبتهما لبعضهما البعض رفضا أن يتواجها سويا في محاورة من المحاورات، إلا أنهما كانا على تواصل دائم في كل المناسبات، ولم أعهد فيصل تأخر عن حبيب العازمي وكذلك الحال بالنسبة للعازمي، ويبين المرزوقي للجميع الذين كانوا يعتقدون أن فيصل وحبيب على خلاف لم ينته منذ زمن قائلا: لا صحة لكل تلك الأقاويل التي يتداولها الناس، فالشاعران كانا متحابين لدرجة كبيرة أجزم أن الجميع لا يعرفها، وما حضور حبيب العازمي ومشاركته في مراسم تشييع جثمان رفيق دربه وتوقفه عن مزاولة المحاورات في الفترة القادمة، إلا دليل قاطع لنفي كل تلك الأقاويل.
المرزوقي لم يتمالك دموعه بعد حديثه المتواصل عن الفقيد، واختتم حديثه مؤكدا أن فيصل فقيد لن تنساه الساحة الشعرية بسهولة، وفاضت قريحته بأبيات شعرية رثاء في رفيق دربه:
قالوا كسير وقلت بالحيل مكسور
كسرٍ عليّ أشد من كسر عظمي
الكسر والله غيبتك يابن منصور
وأكبر مصيبة شفت موتتك قدامي
انوظلك وانخا رياجيل حضور
وابغا ارفعك لكن ينهد عزمي
جعلك بعلييّن تسكن مع الحور
ويحقق الله فيك ظني وحلمي
ياطيّب طيبك مجرب ومخبور
لك مجلس (ن) في قمة المجد رسمي
الشاعران اللذان كانا برفقة الفقيد في آخر محاوراته، ملفي المورقي وتركي الميزاني بدت علامات التأثر واضحة عليهما لدرجة عدم مقدرتهما على الحضور لتشييع جثمان الفقيد، ويصف الشاعر ملفي المورقي الموقف بالفاجعة التي لن يستطيع نسيانها مهما طال الزمان به، وقال إن الفقيد في تلك الحفلة كان يمازح كل من يواجهه ويبتسم للجميع دون تخصيص البعض عن البعض.
دموع الميزاني
كان تركي الميزاني من أكثر المتأثرين بفقدان الشاعر فيصل الرياحي، وقال وهو يكفكف دموعه حزنا على فراقه: رحم الله أبا بدر واسكنه فسيح جناته. وأضاف: لم أصدق كل من نقل لي خبر وفاته، ولم أصدق بأن من كنت ألعب معه في محاورة شعرية قبل ساعات قد فارق الحياة.
يقول الميزاني: تعلمت من فيصل - يرحمه الله- الكثير ورافقته لأكثر من عشرة أعوام، ولم أسمع منه سوى كل طيب ولم أعهد منه سوى الوفاء والشجاعة والكرم، وقال واصفا الليلة الأخيرة التي جمعتهما بأنها كبقية الليالي التي جمعتهما سويا، إلا أن الفقيد كان مبتسما منشرح الصدر غريبا حتى في أبياته التي كانت تدور حول معاناة إخواننا في غزة.
أحزان الهاجري
الشاعر سلطان الهاجري عبر عن حزنه الكبير على فراق الرياحي، وقال بأن فقدان الرياحي ليس بالأمر السهل، فقد كان نعم الأخ ونعم الصديق ونعم الرفيق، الذي رافقته طيلة عشرين عاما مضت، وكان خلال تواجدنا في لجنة التحكيم لمسابقة شاعر المعنى، التي أقيمت مؤخرا برعاية صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن خالد أمير منطقة عسير، نعم المنصف وخير معين لكل إخوانه الشعراء المشاركين في المسابقة، وكان يحرص كل الحرص على تشجيع المشاركين ومؤازرتهم ودعمهم، أسأل الله أن يسكنه فسيح جناته.
وعبر الهاجري عن حزنه بقصيدة وجهها للشاعر حبيب العازمي:
نسبة الشك ما تلحق مداك ومداي
يا بعيد النظر خلك بعيد النظر
عظم الله عزاك وعظم الله عزاي
في زميل القصيد وفي صديق العمر
مير أبا أعطيك رأي وباستمع منك رأي
بعد اخذنا من الدنيا دروس وعبر
كل قصدي بهالدنيا وغاية مناي
في بداية عمر والا نهاية عمر
أشعر أني كسبت رضا جميع زملاي
وأرجو أن المواصل بيننا يستمر
وأحتفظ في غلا أصحابي وتحفظ غلاي
ولي وقار وقدر ولهم وقار وقدر
كم صديق رحل منا ماعاده بجاي
غيبته المنيه والقضا والقدر
وأتمنى من أصحابي يلبوا نداي
ولك سلامي يابو فيصل وكل الشكر
ولم يكن أصحاب مكاتب الشعر أقل حظا من الشعراء في مرافقة الفقيد، فقد ذكر كل من جساس الميزاني وصلاح العضيلة، أن الفقيد كان من أفضل الشعراء تعاملا مع المكاتب في صدقه وتعامله وتواصله الدائم، وحرصه على تلبية كل الدعوات التي توجه له، وقال جساس إن آخر عهده بالفقيد ليلة وفاته، حينما تحدث معه هاتفيا، وقال بأن لديه دعوة لحفل سيقام خلال الصيف القادم، ولكنه لم يعط وعدا بالحضور، كما كان في السابق، وكأنه يعرف بأنه سيلاقي وجه ربه بعد ساعات يرحمه الله.
حبيب العازمي الشاعر الأكثر جدلا في الأوساط الشعرية بخصوص علاقته مع الراحل، لم يكن كما يتوقعه الكثيرون، حينما اعتقدوا أنه على خلاف كبير مع الفقيد، إلا أن حبيب تصدى لكل تلك الشائعات وحضر مراسم تشييع الفقيد، متأثرا ودخل في نوبة بكاء استمرت طويلا بين جموع الحاضرين، وقال إن الفقيد نعم الأخ ونعم الرفيق، الذي رافقه طيلة مسيرته الشعرية. وكشف العازمي أن علاقته بالفقيد لم تنقطع كما كان يزعم البعض، وقال فيصل بمثابة أخي الذي لم تلده أمي، وكنت على تواصل دائم به، بعيدا عن الآخرين. وكشف لـ(عكاظ) أن عدم مواجهتهما في ساحة المحاورة، بناء على اتفاق بينهما ليكونا متحابين بعيدا عن الشعر وساحته، وقال العازمي: أسأل الله أن يرحمه ويسكنه فسيح جناته ويعفو عنه.
دموع المرزوقي والميزاني تستعيد مسيرة فيصل ومرثية الهاجري تودعه
الرياحي يبكي غزة ويناجي العرب قبل الرحيل
11 يناير 2009 - 20:43
|
آخر تحديث 11 يناير 2009 - 20:43
تابع قناة عكاظ على الواتساب
محمد العميري - مكة المكرمة