ليكسوس مدينة أثرية من المغرب القديم ، تبعد حوالى ثلاثة كيلومترات عن مدينة العرائش إلى الشمال المغربي ، وبنحو 22 كلم عن جماعة اثنين سيد اليماني بإقليم طنجة . ولليكسوس تاريخ غني ، فهي تجمع سكاني قديم ، شيدت على الضفة اليمنى لوادي اللوكوس من الجهة الشمالية لمدينة العرائش فوق هضبة تسمى التشوميس المطلة على الساحل الأطلسي بعلو يبلغ حوالى 80 مترا ، أما مساحتها فتقدر بأكثر من 75 هكتارا .
ليكسوس الأثر والتاريخ
يحكي المؤرخون المغاربة والأسبان الذين عاشوا بالمنطقة الشمالية للمغرب ، أن موقع ليكسوس ، وباعتباره من أهم المراكز التجارية والحضرية التي تعاقبت عليها حضارات قديمة منذ ما قبل الميلاد إلى غاية المرحلة الإسلامية المزدهرة ، لعب أدوارا طلائعية في تاريخ التراث الإنساني عموما ، والمتوسطي على وجه الخصوص ، لقد تم اكتشافها على عدة مراحل خلال القرن التاسع عشر الميلادي ، ولذلك ركز الباحثون ، خصوصا منهم الغربيون ، اهتمامهم على الموقع الأثري ، الذي مازال علماء الآثار ينوون البحث فيه بشكل أوسع لإبراز أهميته التاريخية والاقتصادية والاجتماعية للمنطقة المطلة على المحيط الأطلسي .
ففي عام 1845 و عام 1877م ، استطاع الباحث الفرنسي جاك فيتسو التعرف على مدينة لكسوس الأثرية ، ثم في عام 1890م تمكن الباحث الفرنسي هينري دولا مرتينيير من وضع أول تصميم للموقع من خلال دراسته لتاريخ المدينة ، إلا أن الحفريات الرئيسية بدأت في عام 1925م من طرف باحث اسباني موفد من طرف مصلحة الآثار الاسبانية خلال استعمارهم لمدينة العرائش ، لكن الأبحاث الأكثر أهمية كانت في فترة القرن العشرين ، خصوصا منها تلك التي قام بها باحث اسباني يدعى ميكييل ديتراكييل ، وذلك خلال الخمسينات من القرن الماضي ، وهي حفريات تركزت على الفترة الفينيقية . لكن في أعوام الستينيات من القرن الماضي ، قام الباحث الفرنسي ميشيل فوسييك بإجراء أبحاث على الموقع قادته إلى اكتشاف حي المعابد بجميع مبانيه ، والمسرح الدائري وبعض مدرجاته ، وهكذا تم التعرف على الموقع بجهود خارجية ، المغاربة اليوم يعدون العدة للإدلاءبدلائهم للبحث فيه ، خصوصا بعد تخرج نخبة من الأثريين الشباب المجتهدين .
وتعتبر المصادر التاريخية مدينة ليكسوس إحدى أقدم المنشآت الفينيقية بغرب البحر الأبيض المتوسط، ، إذ يذكر بلنيوس الشيخ ، المتوفى عام 79م ، بناء معبد أو مذبح هرقل المتواجد بجزيرة قريبة من مصب نهر اللوكوس ، ويؤرخ له بالقرن الثاني عشر قبل الميلاد . كما أن المؤرخين القدامى يوطنون بلكسوس موقع قصر أنتيوس ومعركته ضد هرقل ، وحديثهم عن حديقة الهسبيريسات ذات التفاح الذهبي التي كان يحرسها تنين رهيب ، وهو في نظر بلنيوس تمثيل رمزي لوادي اللوكوس الذي يخترق منطقة الموقع ليمر بمحاذاة مدينة العرائش . لكن هذه المعطيات التاريخية ، وحسب بعض الأثريين ، لا تستند إلى أي إثبات أركيولوجي ، بل تبقى من أقدم البقايا الفينيقية بالموقع ، وترجع إلى القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد ، شأنها في ذلك شأن المستوطنات الفينيقية على الضفة الشمالية لمضيق جبل طارق ، الذي عبره القائد المسلم طارق بن زياد فاتحا للأندلس .
مجد وانحطاط
ابتداء من القرن الثالث ق. م ، عرفت مدينة لكسوس تطورا عمرانيا أرخ له المؤرخون ووصفوه بالمُهم يتمثل في بناء حي سكني يَحده من الناحية الغربية سور ذو طابع هلينستي يعود إلى القرن الثاني ق. م ، ووجود حياة دينية تتجسد في المعبد المتواجد على قمة الأكروبول .
لكن ، ومع بداية القرن الأول ق. م ، شيدت في المدينة معامل لتمليح السمك وصناعة الكروم ، التي تعتبر من أهم المنشآت الصناعية في غرب البحر الأبيض المتوسط ، وتدل على مكانة المدينة التجارية بالمنطقة . غير أنها مع مرور الزمن ، ونظرا لنزاع الإنسان لأجل تحقيق نرجسيته الباطشة بالقوة ، ستصبح لكسوس مستعمرة رومانية في فترة حكم الإمبراطور الروماني كلود ( 42 - 43 ب . م ) ، ويروي المؤرخون ، أن لكسوس ستعرف خلال الفترة الرومانية عهدا جديدا يتمثل في إنشاء عدد من البنايات التي أصبح معها الاكروبول مركزا للحياة الدينية عند الرومانيين ، فشيدت به عدد من المعابد الضخمة ، وبني فيه حمام عمومي ومسرح بمدرجه ، هذا الأخير الذي اعتبره علماء المسح الأثري فريدا من نوعه بشمال إفريقيا . لكن ، وبسبب الأزمات التي عرفتها الإمبراطورية الرومانية مع نهاية القرن الثالث للميلاد ، تم بناء سور حول الاكروبول والحي الصناعي لتحصين النفوذ ، وبذلك بدأت ليكسوس في الدخول إلى عهد الانحطاط .
جنة هيسبيريديس الخرافية
مدينة ليكسوس أو تشوميس الرومانية فيما بعد ، بناها الفينيقيون في القرن 7 قبل الميلاد اثر تنقلاتهم المتكررة عبر البحر الأبيض والمحيط الأطلسي ، حينما نزلوا بالمكان الأخضر اليانع قادمين من لبنان ، شجعهم في اختيارهم ذاك ، كون الموقع سهـل الاتصال عبر وادي لكسوس المؤدي إلى المحيط الأطلسي ، فكانت ليكسوس في ذلك الزمان مرافئ مهمة للفينيقيين قبل أن يخلفهم القرطاجيون ، وبقيت على حالها إلى أن استولى عليها الرومان حين وجودهم بالمغرب ، وجعلوها من المراكز الهامة للامبراطورية الرومانية وقتذاك ، فغدت تسمى جنة هيسبيريديس التي جعلوها المكان المقدس لهرقل ، واهتم بها عدد من المؤرخين العرب والأجانب الذين نقبوا عن تاريخها لإظهار معالمها ، واعتبروها مسرحا لمعتقدات خرافية كان يتداولها سكانها آنذاك .
أما المعالم التي تمتاز بها هذه المدينة ، والتي يرجع عهدها إلى الملك جوبا الثاني ، هناك المســـــرح الدائري الذي يعتبر أول ما أكتشف في امبراطورية الرومانية ، الذي كان له دوره الترفيهي على عمال تمليح السمك في تلك الحقبة ، فاعتبرت ليكسوس من المراكز الأولى في منطقة شمال إفريقيا المتخصصة في صناعة السمك في ذلك العهد الغابر .
وحسب إستراتجية الموقع والآثار المكتشفة فيه ، يتفق الباحثون على أن ليكسوس موقع أثري يشبع من أراد البحث في حقبة ما قبل الميلاد واستيطان الفينيقيين والقرطاجيين في الغرب الإفريقي ، وأن الباحث المتخصص في الفترة الرومانية يجد ضالته في هذا الموقع الآثري ، بالإضافة إلى فترة ازدهاره في فترة دخول الإسلام إلى المغرب الأقصى ، ودعوته المحمدية النبيلة التي هزمت الشرك والسحر والخرافة التي كانت تقدس الأوثان وتعبد النار في ذلك الزمان .
لكسوس المسلمة
في العهد الإسلامي ، تفيد المصادر ، كانت تشوميس ، وهو الاسم الذي كانت تعرف به ليكسوس في الفترة الرومانية ، قد عرفت انبعاثا جديدا ، حيث أصبحت عاصمة لإحدى الإمارات الإدريسية ، نسبة إلى إدريس الأول الذي حل بمدينة وليلي المغربية آتيا من الشرق ، وأن الأبحاث الأركيولوجية التي أجريت على الموقع ، كشفت عن وجود مسجد بطابع معماري إسلامي ومنزل بفناء على الطراز العربي ، ويروون أن الإسلام كان قد منح سكانها اليهود والنصارى السلم والأمان والتعايش ، كما أن عددا من القطع الخزفية التي عثر عليها بالموقع ، كلها تؤرخ للفترة الممتدة من القرن الثاني عشر إلى القرن الرابع عشر الميلاديين ، وحسب
المؤرخين المهتمين بشؤون آثار المدينة ، فإن أغلب الموقع لازال لم يعرف التنقيب الأثري الكافي ، بل لم يُكتشف منه سوى جزء يسير لا يمثل سوى نسبة عشرة في المائة 10% من مساحة ليكسوس ، وأن جل الآثار التاريخية لم ينقب عنها بعد ، هذا رغم تصنيف المدينة من المدن الأثرية المهمة بالمغرب ، والتي تلعب دورا مهما في التعريف بمدينة العرائش وإقليمها الذي عرف إحدى أكبر المعارك التاريخية المعروفة بمعركة “ وادي المخازن” ، أو معركة الملوك الثلاثة .
لكن الملاحظ على الموقع الأثري للكسوس أو تشوميس ، كما يحلو للعرائشيين تسميته ، وحسب روايات لمصادر متعددة صادفتها “ عكاظ “ بالموقع الأثري أثناء زيارتها له بداية الأسبوع الأول من أغسطس الجاري ، وهي مصادر تدعي أن الموقع سرقت منه آثاره ، خصوصا منها ما يؤرخ للفترة الإسلامية ، التي كانت فيها شمس تشوميس لا تغيب ، وأن العلماء المسلمين كان لهم الكعب العالي في مجامعها العلمية ومجالسها الفكرية . وتدعي المصادر ، أن من التحف ما دمر بالكامل ، ومنها ما سرق وسافر به قراصنة التحف الأثرية خارج البلاد ، قراصنة لا يعرفون قيمة تاريخ الشعوب ، فالفسيفساء الأرضية المثبتة بساحة الموقع أمام المسرح ، المكونة لرأس أثري يرمز إلى الشمس مصدر التسمية الرومانية لمدينة تشوميس ؛ لكسوس ، كانت فسيفساء كاملة تحيط بجميع الساحة ، لكن الأيدي العابثة عبثت بها ودمرت أغلبها ، وما تبقى من آثار عثر عليها في الموقع حمل إلى متحف مدينة العرائش ، وهي بقايا آثار تتكون من قطع أصلية لتلك الحقبة الفينيقي ـ رومانية ، والإسلامية . لكن المتحف ، ونظرا لصغر حجمه ، لم يستوعب الكمية الهائلة من التحف التي عثر عليها بالموقع ، وأن أغلبها رُحل إلى متاحف مدينتي تطوان و الرباط العاصمة .
معالم حضارية وصناعية قديمة
من الآثار الرومانية البارزة التي كشف عنها المسح الأثري في ليكسوس ، مجموعة من المساكن و القصور المتباينة من خلال أعمدتها الضخمة وأرضيتها المزينة بالفسيفساء ذات الأشكال المتجانسة ، والتي ماتزال بعض أثارها قائمة لحد الآن رغم العبث الذي تعرض له الموقع ، ومن المعالم العمرانية التي اكتشفت بالموقع ، شبه مصانع صغيرة كان يجفف بها السمك ويملح ، وهي الصناعة التي ميزت سكان المدينة في تلك الفترة ، وما تزال إلى اليوم ، تعد من أولى أماكن تصبير الأسماك التي عرفتها المنطقة الشمالية للمغرب .
لقد عرفت مدينة ليكسوس التاريخية في المغرب فترات عمران كبيرة في عهد الموريين و الرومان ، لكنها مرحلة ازدهار تلاها دمار كبير في القرن الثالث الميلادي ، وذلك على إثر الأزمة السياسية والاقتصادية التي عصفت بالإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي . كما أن ليكسوس عرفت خلال القرنين الثامن و التاسع الميلادي تغيير اسمها إلى التشوميس ، ثم غدت تابعة إلى الإمارة الإدريسية ، وذلك ما دل عليه اكتشاف أثر مسجد إسلامي محاط بمبان . غير أن الأيام والنكبات دفعت بسكان لكسوس إلى هجرها في القرن الثالث عشر الميلادي ، وانزياحهم نحو الربوة الجنوبية لوادي لوكوس لبناء مدينة العرائش ، كما أن حقبة الرومان في المغرب عرفت ازدهارا حضاريا بشمال إفريقيا ، وذلك من خلال تشييد مدن كثيرة بأسماء رومانية ضمنها : ليكسوس (العرائش) ، تمودا (تطوان) ، وليلي (ضواحي فاس) ، تنجيس و زليل (طنجة) ، بناس (سوق أربعاء الغرب) .... الخ ، وكلها مدن كانت عبارة عن مرافئ تجاور البحر ، وتحاذي الأنهار والأودية ومصباتها ببلاد المغرب .