لا تذكر الحداثة في بلادنا إلا ويذكر محمد العلي حتى صار رائدا للشعر الحديث في بلادنا وبرغم كل هذا وبرغم كل ما كتب وسيكتب عنه إلا ان سيرة العلي تظل محفوفة بالالتباسات، خاصة أنه ميال للعزلة البيضاء، والعزلة التي تفتح نوافذها على الجميع مشهدا، ووجوها، وكتابات، ولكنها في الآن نفسه تختفي بسياج من الورد من اختراقات الاخرين.. وزاد من كثافة هذا السياج منعة، زهد أبي عادل في الأضواء وعدم رغبته في البوح وعدم اتاحة الفرصة لقلمه كي يغوص عميقا في سيرته ويعيد صياغتها على الورق. من هنا نفتح بوابة البوح على آخر مدى متاح لها.. وننصت للعلي وهو يتدفق نثرا كأنه الشعر وهو يسرد بحرقة تبدو واضحة للعيان على ملامحه وبعمق مفرداته سيرة ومسيرة الحياة من الطفولة حتى الآن.. ونبدأ من قرية العمران وتحديدا العمران الشمالي باقليم الاحساء حيث ولد العلي.. فكيف يتذكرها أو ماذا تبقى منها بذاكرة أبي عادل؟.
أنا لا أحمل ذكرى في اعماقي ذكرى قرية مثل بعض شعرائنا.. حيث يماهي بين الأم والقرية ويحن الى القرية ويتذكر أفراحا وأعيادصغيرة ومعينة مرت به بتلك القرية.. أنا لا اتصور مطلقا هذا النوع من الطرح أو الحنين الى الطفولة أو دهشة الطفولة نحو العمران،
- لماذا؟ سألته فرد عليّ العلي موضحا (العمران كانت قرية تحيط بها مياه المستنقعات.. وكانت بلا ماء ولا كهرباء وبلا مدارس وحتى بلا مذياع يصلك وهما بالعالم.. وكأنها في غابة منعزلة.. مثل هذه القرية لا تخلف ذكرى لأن الطفولة منعدمة فيها).
العلي من نجد
في هذه الأجواء عن قرية العمران ولد الشاعر محمد العلي عام 1932م ابنا أكبر لوالده الشيخ عبدالله بن حسن العلي.. من عائلة ينحدر أصلها كما يروي علي الخاقاني في كتابه شعراء الغرى _من قبيلة آل علي الشهيرة في منطقة هجر والتي تلتحق بالفضل بين ربيعة الطائي).. وتروي بعض المصادر ان آل علي ويسكنون في قرية العمران وجدهم علي بن عبدالعزيز بن عمران الذي سميت القرية باسمه هو أول من نزح اليها من نجد، وكان ذلك سنة 1050هـ كما أن جده الشيخ حسن الحسين الذي كان واجهة العمران قد تحالف في بدء وحدة الدولة السعودية في دعم استقرار الاحساء في مواجهة غزوات البدو على المنطقة.
قرية.. مجازا
والعمران مجموعة قرى (الحوطة والعمران الشمالية والعمران الجنوبية وغميسي) وشاعرنا العلي ولد في العمران الشمالية التي تعتبر أكبر هذه القرى ولا تبعد كثيرا عن بحيرة الأصفر الشهيرة وتحتل العمران موقعا استثنائيا حيث تقع على الحافة الشرقية- الشمالية للواحة لذلك كانت دائما معرضة لغزو الرمال مما دعا أهلها ان يجعلوا بيوتهم تفتح أبوابها على الداخل، لذلك تبدو للقادم من بعيد وكأن جدرانا من الطين هي التي تقابله، ويبرر المسرحي عبدالعزيز السماعيل ذلك بأن هناك اسبابا اخرى غير غزو الرمال هي غزوات البدو لذلك تتلاصق تماما ولا تترك إلا فسحة صغيرة يمكن اغلاقها بسهولة عن أي مؤشر على قدوم خطر ما.. ويضيف السماعيل موضحا لي البيئة التي وصفها لي شاعرنا العلي بقوله (كانت مصطلح قرية يطلق العمران وسواها من قرى المنطقة مجازا.. فهي بالأصح تجمع لمجموعة من البيوت من عائلة واحدة أو عدة عوائل.. وكان الوصول اليها بسبب مستنقعات المياه وكثافة أشجار النخيل يعتبر عملا صعبا وشائكا، وظلت على هذا الوضع حتى جاء مشروع الري والصرف، وبدأ في تجميع المياه من المستنقعات في قنوات كبيرة وفتح منافذ للري أصغر منها توصل المياه الى مزارع النخيل وسواها.. في ظل هذه الأجواء ولد وترعرع الشاعر العلي ويستعيد محمد الشقاق المهتم بتدوين كتابات وقصائد العلي بقوله "العمران.. هي مجموعة من القرى أكبرها قرية العمران الشمالية وتقع في الطرف الشرقي من الاحساء وهي القرية التي تربى وترعرع فيها الأديب الكبير محمد عبدالله العلي تحيط بها مزارع النخيل من كل الجهات التي ترويها عيون الاحساء الشمالية كعين الجوهرية عبر قنوات الري التي وجه بانشائها الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله والذي عندما تعرضت الجهة الشمالية الشرقية من المنطقة الى زحف الرمال المجاورة مما ادى الى طمر بعض القرى فيها، وجه بتنفيذ مشروع وقف زحف الرمال حيث تم زرع ما يقارب المليون شجرة في ثلاثة صفوف متعاقبة لتثبيت التربة.
ويضيف الشقاق قائلاً "تنسب العمران الى عمران بن فضل بن حديثة بن عقبة بن فضل بن ربيعة و "الفضل بن ربيعة" هو جد قبيلة الفضول المعروفة والتي هي احدى بطون قبيلة طي العربية الشهيرة. و "آل الفضلي" و "آل علي" و "العباد" و "السليم" الموجودون اليوم في العمران وكذلك "آل علي" في القارة كلهم قبيلة واحدة.
واول من نزح الى الاحساء، قادماً من "ملهم" احدى قرى نجد كان جدهم عمران بن فضل.. وكان ذلك في سنة 1050هـ وبعد ان استقر في الطرف الشرقي من الاحساء عرفت المنطقة باسمه فأطلق عليها اسم "العمران" لما كان يتمتع به من رئاسة قبيلته ذات التفوق العشائري في المنطقة. وكانت ولا زالت هذه الأسرة الكريمة ذات مكانة مرموقة وسمعة طيبة في الاحساء وقد أنجبت علماء وأدباء أفاضل.
تعرضت المنطقة الى غزوات البدو الطامعين في خيراتها وخاصة أيام الحصاد، وخاضت معارك عديدة في الدفاع عن مزارعها وخيراتها. فكان من الطبيعي تحالف ابناء المنطقة مع الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله بعد فتحه الاحساء سنة 1331هـ وقاتل ابناء المنطقة مع الملك عبدالعزيز في معاركه ضد بدو العجمان في سبيل تحقيق الأمن والسلام.
وسط الاحراش
وهنا في وسط أحراش النخيل حيث ولد وترعرع ولعب مع أقرانه في حارات العمران تعلم الخط وقرأ القرآن حيث لم يكن آنذاك سوى ثلاثة احدهم والده.. فقيه القرية يجيدون القراءة والكتابة.. ويروي أبو عادل تفاصيل هذه المرحلة قائلاً: "درست القرآن عند الكتاب عدة سنوات الى ان وصلت الى مرحلة الختمة.. وهي مرحلة ختم القرآن.
استدركه متسائلاً- حفظاً.
فيستكمل اجابته:
-لا.. قراءة.. كان الحفظ غير معروف في القرية.. والفكرة غير مطروحة كانت دراستنا للقرآن دراسة أولية تشبه فك الحرف ولأن والدي كان رجلاً متدينا الى ابعد الحدود.
هل كان رجل دين؟
-فيوضح: يمثل رمزاً.. رمز الورع والتقوى.. وحب الخير.. والتدين المطلق.. لذلك كان يريد ان ينذرني للعلم ولعلوم الدين تحديداً.. فقلني الى النجف.. وبعد ان وصلت الى هناك وباعتبار انني اعرف القراءة قبلت في الصف الثالث أو الرابع الابتدائي في مدرسة أهلية.. تابعة لمنتدى النشر الأدبي والعلمي وذلك بعد امتحان شفوي وكتابي.
-ويكتب يحيى الراضي عن هذه المرحلة قائلاً: "كان التحول الأول في حياة محمد العلي- الهجري- هو الخروج من احضان نخيل القرية الى القباب الذهبية عندما هاجر الى العراق لطلب العلم في سن مبكرة حدود سنة 1946هـ بحسب رغبة والده لما يجده الناس في هذا السبيل من تعزيز الإيمان الديني والوجاهة الاجتماعية وقد انتسب أول اقامته في النجف الى مدرسة ابتدائية تابعة لمنتدى النشر وهو معهد أكاديمي ديني أسسه الشيخ الاصلاحي محمد رضا المظفر.
وفي هذه المدرسة والمدارس التابعة لمنتدى النشر استكمل العلي دراسة الابتدائية وبعد ذلك المتوسطة والثانوية.. عندما استكملها بالدراسة الليلية والعمل مدرساً في الفترة الصباحية كانت الاجواء برغم كل التقدم التقني بالنجف حيث الكهرباء.. والماء والمباني الفارهة.. إلا ان روح العلي كانت تتوق الى حرية اكبر مما هو متاح فكل ما كان حوله كان يشده للماضي بشكل تام لذلك كانت مجموعة الأدب اليقظ منفذا له للخروج من هذا الطوق ويصف الشاعر مصطفى جمال الدين احد اعضاء هذه المجموعة.. ذلك بقوله (وكنت قد التقيت فيها -يعني حلقة الشيخ زين الدين والشيخ الخاقاني-، بشباب كانت لهم نفس الاهتمامات والتطلع الادبي اذكر منهم السيد محمد بحر العلوم، والشيخ صالح الظالمي والشيخ ضياء الدين الخاقاني وتمكنت الصلة بيننا الى حد بعيد فهم يقرب من التوحد وصداقة أقوى من الاخوة وحب لا يزال في جدته حتى اليوم.
وكان لابد لنا –وقد توسعت الحلقة- ان نميز انفسنا عنها، وانظم الينا من خارجها السيد حسين بحر العلوم من النجف والسيد محمد حسين فضل الله من لبنان والشيخ محمد الهجري (العلي) من الاحساء والشيخ جميل حيدر من سوق الشيوخ.
غرور الشباب
وما أدري اذا كان غرور الشباب أم الاعتداد بثقافتنا التي اخذت تتسع في جدتها هو الذي دفع جميل حيدر ان يطلق على هذه الشلة الجديدة اسم (أسرة الأدب اليقظ). على أي حال كنا نمتاز عن الأجيال الأدبية التي عاصرناها في النجف، اننا كنا كثيري القراءة والمتابعة لكل ما هو جديد فإذا كان زاد الناشئة التي نتعايش معها دواوين السيد محمد سعيد الحبوني والسيد حيدر الحلي والشبيبي واليعقوبي من الجديد، ودواوين المتنبي والبحتري والشريف الرضي ومهيار الديلمي من القديم فقد اضفنا الى ذلك كل ما تيسر لنا من دواوين الشعراء العرب المحدثين بما فيها موجة الشعر الحديث بل ان بعضنا اخذ يكتب تجاربه بطريقة (التفعيلة) التي لا يعدها اكثر نقاد النجف شعرا واذا كان النقد المسيطر على هذه الأجيال التي عايشناها هو نقد الجاحظ وقدامه بن جعفر وضياء الدين بن الأثير فقد اضفنا الى ذلك نقد احمد الشايب وسيد قطب ومارون عبود وميخائيل نعيمة ورئيف وكثيرا من الدراسات المترجمة في موسيقى الشعر واصواب اللغة عن الفرنسي (جويار) والامريكي (سابير) والروسي (كوندارتوف) والانجليزي (اليوت).
ويضيف جمال الدين متذكرا أيام الأدب اليقظ قائلا: كانت أعمارنا متقاربة وان كنت اعتقد اني اكبرهم سنا، ولكننا كنا نتقارب في شيء آخر لعله الأهم هو (ضيق ما في اليد) فقد كان مرتبي الذي يصلني من أهلي في القرية لا يتجاوز (الدينارين) هو للطعام وهو للكسوة وهو للكتاب ولم يكن الاخرون اسعد حالا مني. وهكذا يمكن لنا ان نرس بانوراما واضحة لحياة العلي او الهجري كما يسميه أهل النجف نسبة الى هجر (الاحساء).. ونستعد الى دخول مرحلة اخرى من حياة لا تقل اثارة وطرحا للتساؤلات.