تعتبر تجارة الخردة من التجارات القديمة الموجودة في كل البلدان إلا أنها في المملكة اتخذت طابعًا خطيرًا حيث اصبح معها كل شيء مباحًا للبيع من ابراج الكهرباء والكيابل وصولا الى اغطية المجاري وحتى إلى الأدوات المنزلية.
وتكمن خطورة هذه القضية في ازدياد معدل السرقات والغش التي يقوم بها مخالفون لأنظمة الإقامة والعمل مدعومة بنفر قليل من ضعاف النفوس الذين يسعون الى الاثراء غير المشروع حتى ولو كان ذلك على حساب الوطن والمواطن.
انطلاقًا من هنا تطرح مجموعة من التساؤلات حول اسباب هذه الظاهرة ووصولها الى هذا المستوى من الخطورة وكيف يمكن مكافحتها حفاظًا على المكتسبات وما هي الاضرار التي تخلفها على الصعد الاجتماعية والاقتصادية والامنية؟
عكاظ طرحت هذه الظاهرة كقضية لمناقشتها مع عدد من المسؤولين والمهتمين والمواطنين الذين اجمعوا على المطالبة بتكثيف الدور الرقابي على محلات بيع الخردة "السكراب" واعادة تنظيم أسواقها حسب المواصفات المتعارف عليها عالميًا بما يضمن سوقًا منظمًا يهدف إلى التجارة بطرق سليمة بعيدًا عن أي شبهات ولا يخل باقتصاد البلد بأي شكل من الاشكال كما طالبوا باتخاذ كل الإجراءات عند قيام الاشخاص ببيع ما بحوزتهم من معادن وأوضحوا إلى ان هذه الإجراءات وتسجيل بيانات البائع والمشتري قد تحد من انتشار ظاهرة السرقات وبيع المسروقات.
شركة الكهرباء
ولعل ابرز المتضررين من عدم تنظيم اسواق الخردة شركة الكهرباء حيث انها تعتبر المستهدف الاول لدى لصوص الحراج فهم يسرقون الكابلات لما تحتويه من كميات كبيرة من النحاس الذي يباع بأسعار مرتفعه جدا قد تتجاوز الـ7000 ريال للطن الواحد وكذلك الابراج الكهربائية التابعة للشركة للاستفادة من حديدها حيث تسببت سرقة أجزاء من أبراج الجهد العالي لكهرباء 230 كيلوفولت في حفر الباطن والقيصومة بسقوط خمسة ابراج رئيسية ادى الى فصل الخدمة الكهربائية عن مدينتي حفر الباطن والقيصومة وتكرر ذلك في اكثر من منطقة الامر الذي كبد شركة الكهرباء أيضا خسائر كبيرة.
ماذا يقول المسؤولون والمختصون والمعنيون في هذه القضية وكيف السبيل الى وضع حد لها؟
بداية اوضح المهندس علي صالح البراك الرئيس التنفيذي لشركة الكهرباء ان سرقات الأبراج ظهرت عندما سمح بتصدير الخردة فالتصدير لا رقابة عليه ففي السابق كانت الخردة تتجه الى المصانع وهناك يتأكدون من مصدر هذه الخردة من اين اتت وكيف؟ هل هي مشتراه من مزاد ام من سارقي النحاس والكابلات؟ ولذلك كان اللصوص يقفون عند حدهم. اما الآن فنحن نطالب، وقد كتبنا للجهات المختصة، بأنه يجب حتى لو لم نوقف التصدير ان تكون تجارة الخردة تحت الرقابة لأن هناك عصابات من العمالة الأجنبية ومن الوافدين وغيرهم وجدوا في تلك التجارة مصدرا للثراء وليس فقط للرزق لذا فهم يصدرون يوميا مئات الاطنان من الحديد الذي يعد ثروة للبلد ولدينا مصانع يمكن ان تعيد تصنيع تلك الخردة ولكننا بحاجة ان نبحث عن السبب الذي شجعهم على السرقة والتصدير واضاف ان شركة الكهرباء لا تستطيع ان تراقب كل الابراج الناقلة للتيار فلدينا عشرات الآلاف من الكيلومترات في المملكة نحن لدينا صحاري شاسعة ولكن سنسعى مستقبلا الى ايجاد طرق رقابية جديدة ومكثفة للقضاء على هذه الظاهرة بالتعاون مع الجهات الامنية المختصة كما اننا لا ننسى دور المواطن والمقيم في التصدي لمثل هذه الظواهر الدخيلة على المجتمع والتصدي لضعاف النفوس.
من جانبه اشار الدكتور زيد بن محمد المستشار الاقتصادي في جامعة الإمام الى ان تلك التجارة لا يوجد لها مصدر معين او تاجر او شركة او جهة بحد ذاتها بل هي ظاهرة تستحق إثارة الانتباه وقضية خطيرة تستوجب منا جميعًا ان نقف يدًا واحدة في وجهها منعًا للاتجار غير المشروع والترويج المغشوش حماية للوطن وابنائه واقتصاده.
عصابات منظمة
احد التجار المستثمرين في حراج الخمرة بجدة طلب ان نشير الى اسمه بـ(هـ - ب) أوضح ان هناك عددًا كبيرًا من المخالفين لنظام الإقامة والعمل يجدون في أحواش الخمرة فرصة مواتية للعمل حتى وان كان بصورة تخل بالأمن مثل قيامهم ببعض السرقات وبيعها من اصحاب الاحواش الذين غالبا هم غير سعوديين وهذا بالطبع مخالف للأنظمة ولكنهم لا يبالون بذلك بل ان البعض منهم يعمل بعد ان يقنع احد ضعاف النفوس من المواطنين بالعمل تحت مظلته فهو من يتستر عليه ومن يقوم بالأعمال اللازمة أمام الجهات الرسمية مقابل قليل من الريالات يحصل عليها واضاف ان هناك عصابات منظمة تقوم بالسرقة والبيع على الاحواش وكلما زادت الكميات المسروقة تجد اصحاب الاحواش فرحين بذلك وهذا يشجعهم على العودة مرة اخرى للسرقة وما يؤكد ان هناك عصابات منظمة هو نوعية المسروقات التي يسرقونها فإذا ارتفع سعر النحاس تجد ان اكثر المسروقات هي من النحاس واذا ارتفع سعر الألمونيوم مثلا تجدهم يركزون على سرقة الألمونيوم وهذا اكبر دليل على انهم يعملون وفق خطة مدروسة وبإيعاز من احد له مصلحة في ذلك ومن وجهة نظري ان مطاردة اللصوص ومراقبة الاحواش غير كافية اذ لا بد من مراقبة المصانع التي تشتري الخردة والسكراب من الاحواش إذ انه لا بد من قيام تلك المصانع بدور مهم في مثل هذه الحالة وايجاد آلية معينة بين احواش السكراب وتلك المصانع كي لا تتهم تلك المصانع بأنها تساهم في انتشار ظاهرة السرقة والتستر وغيرها وطالب الجهات الامنية بمحاربة تلك السلبيات والقضاء عليها من خلال تكثيف الرقابة والحملات والمداهمات بشكل يومي.
شكاوى مستمرة
اما عبدالصمد محمود عمدة الشام والمظلوم في جدة فأشار الى ان هذه المسروقات تباع في اسواق خلف سوق الخمرة تعرف باسم اسواق الخردة واسواق الحديد والنحاس وهذه الاسواق تحتاج الى رقابة صارمة ومنع عملية أي بيع لأي خردوات بدون فواتير وتحويل أي مخالف للتحقيق سواء كان بائعا او مشتريا وقال ان هناك شكاوى مستمرة للاهالي من سرقة اغطية الحديد والنحاس وعدادات وكيابل كونها تجد سوقا رائجة وتباع بأسعار عالية ونتمنى ان تكون مثل هذه الاسواق منظمة بشكل افضل وتتمتع برقابة مستمرة في كل الاوقات.
ارتفاع اعداد اللصوص
وكان للمواطنين رأي في هذه القضية حيث دعا ساجد الحربي الى ضرورة مطاردة ومعاقبة تلك المجموعات التي تشكل عصابات خطيرة تقوم بعمليات السرقة والاهم من كل ذلك من يساعدهم ويشجعهم على السرقة وبكل تأكيد هم اصحاب احواش الخردة فلولاهم لما قام هؤلاء بالسرقة فهم يسهلون عملهم ويشجعونهم وانا اعتبر ان هذه النقطة مهمة جدا واتمنى ان يتم تفعيل القرار الجديد واعتماد الضوابط التي تم اعتمادها والاعلان عنها مؤخرا والتي تنص على تأمين سجلات البائعين وتحديد الضوابط الامنية على كل من يقوم بجمع وبيع الخردة.
من جانبه اشار عبدالعزيز سالم الزهراني الى ان عدد اللصوص في اسواق الخردة كبير جدا وهذا الامر يعرفه الجميع فهناك اكثر من 1000 مخالف يوميا يتواجدون ويعملون دون أي عوائق بل ان المواطن لو حاول الدخول للعمل في السوق بطريقة نظامية يجد كل المضايقات منهم وما يدهش ان بعض التجار هناك والمستثمرين هم من يشجعون هؤلاء المخالفين للانظمة على العمل ونحن لا نجد الفرصة على الاطلاق وهذا الامر شجع الكثير منهم على السرقة ومن أي مكان واي موقع وكل ما هو امامهم لأنهم واثقون بأن هناك من سيشتريها منهم وما نتمناه ان تقوم الجهات الامنية والمختصة بدورها على اكمل وجه وفي اسرع وقت.
اساءة للمجتمع
الى ذلك اوضح المحامي علي العسيري وهو محام مختص في الشؤون الاقتصادية انه لا يوجد تنظيم واضح للبيع في السوق فالذي يوثق هو صاحب المحل أو المشتري وهذا فيه خطورة فالإشراف على هذه الأسواق يتبع للبلديات ولا تستشعر الاشراف الأمني المنضبط على تلك المنافذ بحيث تجد العمالة الوافدة لتصريف المسروقات وقد يكون هناك بعض المراهقين يسرقون بعض أدوات المنزل الخفيفة لبيعها في السوق وهذا وبكل تأكيد ينتج عنه تجارة غير نظامية تدر أرباحًا خيالية وهذا يؤثر على اقتصاد البلد بشكل سلبي. ومن الملاحظ حاليا انتشار الجرائم الكبيرة للعمالة الوافدة وهذه إساءة كبيرة للمجتمع السعودي وفيه خطورة من عدة جوانب منها الجانب الأمني والاجتماعي والثقافي والاقتصادي ويكبد اقتصاد الدولة خسائر كبيرة بشكل مبطن.
ارتفاع مذهل
وشدد متعاملون في السوق على أن الارتفاع الكبير الذي يشهده سوق الخردة له آثار سلبية على المصانع المعنية بشراء السكراب ويهدد البعض منها بالإغلاق نتيجة العجز الذي تواجهه في السيولة المادية لشراء الحديد أو الالمونيوم او النحاس. وتوقع بعض المتعاملين أن تتأرجح الأسعار خلال الأيام المقبلة ما بين ارتفاع وانخفاض على ان لا يصل الانخفاض الى مستويات أسعار الأسابيع الماضية مؤكدين أن الأسعار التي سجلتها السوق المحلية لم تصل اليها منذ اكثر من 30 عامًا.
مصدر امني في شرطة جدة اوضح لـ«عكاظ» ان ارتفاع الاسعار المستمر للخردة والتي تصل احيانا الى اسعار خيالية هو السبب الذي يشجع البعض على السرقات لا سيما النحاس الذي يعتبر الاعلى سعرًا والجهات الامنية تقوم بدورها من خلال المداهمات المستمرة ومتابعة سوق الخردة ويسفر عن ذلك ضبط العديد من المسروقات والمطلوبين امنيا وبالفعل ومن خلال ما هو ظاهر يجب ان نقر بأن أسواق الخردة والسكراب بشكل عام بحاجة الى اعادة تنظيم وفرض رقابة دائمة ولا بد من وجود آلية عمل واضحة في عمليات البيع والشراء حتى يسهل مراقبة العمل داخل تلك الاسواق بيسر وسهولة.
اعتماد الضوابط
ويبقى ان نشير في النهاية الى ان وزارة الداخلية وافقت على توصيات لجنة حكومية شكلت لدراسة وضع العمالة الوافدة التي تقوم بجمع الخردة من الشوارع والمستودعات لصالح بعض المؤسسات التجارية واستخدامها لأغراض قد تخل بالأمن. وتضمنت التوصيات ضرورة قيام وزارة التجارة بالتعميم على كل المصانع والشركات والمؤسسات بتأمين سجلات توضح كميات الخردة والبلاستيك والورق الواردة اليها والمباعة اضافة الى تطبيق التوصيات التي توصلت اليها اللجنة على كل من يقوم بجمع النفايات وإعادة تدويرها كالاوراق البلاستيكية لضمان معرفة الاشخاص والجهات التي تستفيد من هذه العملية وتحديد ضوابط امنية على كل من يقوم بجمع وبيع الخردة.
مطالبات بإعادة تنظيمها وتفعيل الضوابط الجديدة لمحاربتها
أسواق الخردة.. تجارة غير نظامية تخل باقتصاد البلاد وأمنها
8 يونيو 2008 - 20:17
|
آخر تحديث 8 يونيو 2008 - 20:17
أسواق الخردة.. تجارة غير نظامية تخل باقتصاد البلاد وأمنها
تابع قناة عكاظ على الواتساب
عبدالرحمن الختارش ـ جدة


