في الحلقتين السابقتين عرضنا الى معاناة اكثر من 50 ألفا من اهالي فيفا مع الطرق وقصة كفاحهم المرير لكسب القوت في وجه اقسى التضاريس ورأينا في الحلقة الثانية كيف استطاعوا قهر المستحيل والنحت في الصخور لشق مدرجات زرعوا فيها مختلف المحاصيل والخضروات والفواكه وفي هذه الحلقة الاخيرة من هذه الجولة نكشف عن آثارها ومقوماتها كي تصبح منطقة سياحية جاذبة.
اول ما يستوقف المرء ابداع انسان الجبال في بناء منازل بأشكال هندسية اضافت الى جبال فيفا جمالا على جمالها. فهي مبنية بطريقة لا شبيه لها ربما على مستوى العالم بشكلها الاسطواني الفريد الذي يكشف عنه نبوغ هندسي فطري لم تترجمه مدارس العمارة الحديثة اذ ما تزال صلبة وقوية رغم المواد التقليدية المستخدمة في بنائها كالطين والحجر والاخشاب.
بيوت اثرية
توجد في فيفا خمسة انواع من البيوت الاثرية منها المفصول او الداره وتعتبر من اشهر الابنية في جبال فيفا منها ما هو من دور واحد ومنها ما هو من دورين وجميعها يحمل الشكل الاسطواني.
وهناك (العلى) وهو شبيه بالمفتول باضافة سقف دائري من الخلف يمتد من اسفل البناء الى الاعلى وانواع اخرى يقع فيها بناء مربع.
5 آلاف مدرج اثري
كما يوجد في جبال فيفا اكثر من خمسة آلاف مدرج اثري تم بناؤها قديما لحفظ مياه الامطار وزراعة الحبوب من الذرة والقمح والشعير، وتعد قرية (الخذفة) الواقعة في شرق جبال فيفا ابرز القرى الاثرية في جبال جازان وتقع في منطقة معزولة عن السكان فوق صخرة كبيرة مرتفعة يصعب الوصول اليها الا بواسطة السلالم والحبال، ولانها مهجورة تكثر فيها الثعابين والزواحف، كما توجد بعض الحيوانات المفترسة في الاودية المحيطة بها كالنمر العربي الذي سجل حضورا اكثر من مرة في وادي (ثربة) المجاور للقرية التي تتكون من اربعة طوابق من الاحجار الصلبة والاخشاب القوية.
قبائل فيفاء
ويسكن جبال فيفا حوالى 18 قبيلة هي المغامري المثيبي، الخسافي، الداثري، الابيات، السلماني، الدفري، العمري، الشراحيلي، آل عمرو، المخشمي، الظلمي، الاشراف، المدري، المشنوي، العبدلي، الحكمي، الثويعي والحربي.
هذا الكم من القبائل افرز ارثا شعبيا من آلاف الامثال والحكم والاحاجي حتى ان كتابا للشيخ العلامة علي قاسم الفيفي الموسوم باسمه: (باقة من تراث فيفاء) احصى 3500 مثل وحكمة و300 قصة وحكاية. ولهجة ابناء فيفا مفرداتها عربية فصحى بشهادة الادباء والمؤرخين ويرجع معظمها الى اللغة الحميرية القديمة ولا تختلف عن اللهجة العربية الا بتغيير نطق حرف الكاف شيناً.
اما لباسهم فلا يختلف عن لباس اهالي الجبال ويتكون لباس الرجل من المصنف وهو ازار غالبا ما يكون ابيض وفي اطرافه خطوط ملونة وهو يستر ما فوق السرة الى نصف الساق تقريبا ويلبس فوق المصنف حزام من الجلد يثبت فيه اسلحة مكونة من الجنبية او الخنجر وربما يلبس الرجل حزاما اسمه المسبت في حالة وجود مسدس معه لتثبيت الرصاص اضافة الى ان بعضهم يحمل البنادق بصورة شبه دائمة اذ تعد الاسلحة عندهم من لوازم الرجولة.
واللباس الذي يغطي الصدر مكون من القميص ويسمي هناك بالشميز والبعض يضيف عليه لبس الكوت ايضا.
اما شعر الرأس ففي معظم الاحيان يكون مفروقا من الوسط ومحاطا بسير جميل وربما يكون مرصعا بنجوم من الفضة وغير ذلك من انواع الترصيع كالاشجار العطرية مثل الكادي والبعيثران وهو يكاد يكون اللباس التقليدي للرجل في فيفا.
ولكن مع مرور الوقت قل استخدام هذا اللباس وحل محله اللباس التقليدي المكون من الثوب والشماغ والعقال.
نهضة تنموية شاملة
ويتكامل مع هذا الارث الغني من الموروثات الشعبية نهضة تنموية في شتى المجالات خاصة في المجال العمراني والاقتصادي حيث كثرت وسائط النقل ومحطات الوقود في سفوح الجبال وورش السيارات ومحلات النجارة والخرد ومصانع «البلك» والبقالات والمطاعم.
وعلى الرغم من ارتفاع اسعار مواد البناء نظرا لصعوبة نقلها الى قمم الجبال الا ان النهضة العمرانية مستمرة حيث يعمل الكثير من من ابناء جازان على تشييد عمائر وبنايات باشكال هندسية تتدلى من سفوح الجبال.
وتزامن مع هذه النهضة العمرانية نشاط من نوع آخر تمثل في بناء الاستراحات والفنادق والمطاعم لجذب السياح فيما انتشرت العديد من الاسواق التجارية اهمها سوق الضالع وسوق فيفا العام وقلبها النابض وسوق النفيعة اقدم اسواق فيفا وسوق عبان الذي يتم فيه تبادل مختلف انواع السلع ويأتيه المتسوقون من جبال فيفا، والجبال والقرى المجاورة ويقام كل خميس ويتبع بني الغازي اضافة الى سوق الدارة والجوه.
الخدمات الصحية
وصحيا حظيت جبال فيفا بالخدمات الصحية حيث يوجد مستشفى عام وثلاثة مستوصفات فيما اعتمد مستشفى آخر بسعة 50 سريرا في ميزانية العام الحالي ما من شأنه تخفيض العبء على المستشفى العام، علاوة على ارسال طبيب متجول مرتين في الاسبوع لتقديم الخدمات الصحية في انحاء متفرقة بين الجبال، كما قامت هيئة تطوير وتعمير فيفا بانشاء مستودع كبير للادوية ومع ذلك يتطلع الاهالي الى قيام مراكز لغسيل الكلى.
التعليم في فيفا
وفي النواحي التعليمية حظيت فيفا بنصيب وافر من المدارس وصلت الى ثماني عشرة مدرسة يفوق طلابها 1400 طالب.. اضافة الى معهد علمي بمراحله الثلاث ومعهد للمعلمات.
هيئة تطوير وتعمير فيفا
ولا احد ينكر الانجازات الكبيرة التي حققتها هيئة تطوير وتعمير منطقة فيفا في مجال توفير المياه لسكان الجبال وفي مجال الزراعة وتشجيع المزارعين وانشاء محطة للتجارب الزراعية واخرى للارصاد والمشتل واكثار وتوفير الشتول ومشاريع الري بالتنقيط وافتتاح فرع للبنك الزراعي.
وكذا انجازات الهيئة في مجال الكهرباء وانجاز مشروع كهرباء فيفا العملاق بتكلفة 481 مليون ريال وفي مجال الصحة والتعليم والشؤون البلدية والقروية وصحة البيئة.
السياحة
ويبقى سؤال السياحة هو هاجس الاهالي والمنطقة التي تنتظر المشاريع الاستثمارية السياحية في ظل وجود العديد من المواقع السياحية المميزة في السماع والعبسية والخطم والوشر وقرضة وابادن.
ويدعم هذه المواقع اودية وشعاب منها ما يجري طول العام مثل وادي ضمد ووادي جورى واخرى مع نزول الامطار. ويلخص عاشقها القاضي الاديب الشيخ علي قاسم الفيفي كل هذا الجمال في مناظرها الطبيعية التي تخلب الالباب بقوله: «جمال الطبيعة في فيفا» لا يحتاج الى دليل فهي دائما ترفل في ثوب سندسي قشيب يكسوها والسفح الى القمم بالاشجار الضخمة الباسقة مختلفة الالوان والاشكال وقد اسماها الكثير من الادباء والكتّاب بالفردوس المجهول ولبنان تهامة وجوهرة الجنوب وجارة القمر ونجمة الجنوب».
«فيفا».. موروث شعبي وسياحة واعدة (الحلقة الاخيرة)
18 قبيلة تصنع حضارة إنسان الجبال
20 مايو 2006 - 19:32
|
آخر تحديث 20 مايو 2006 - 19:32
18 قبيلة تصنع حضارة إنسان الجبال
تابع قناة عكاظ على الواتساب
جولة: طه طواشي (جازان)تصوير: محمد صميلي

