كاد الكثير من سكان جدة، وأنا من بينهم، ينسون أمر الحدائق العامة التي اختفت من حياتهم لأسباب مختلفة منها غيابها الفعلي عن كثير من الأحياء، خاصة في المناطق الشعبية المزدحمة، والتعدي المتكرر عليها كما كان يحصل في السابق، أو الإهمال التام للأغلبية العظمى منها، خاصة في ما يتعلق بالنظافة والعناية بالأشجار والزهور والمزروعات الأخرى وصيانة ألعاب الأطفال. كل هذا يفسر توجه هؤلاء السكان للتنزه وشم الهواء في أي مكان فسيح يعثرون عليه مثل الأراضي البيضاء أو أرصفة الشوارع الرحبة أو الحدائق المزينة للطرق وهي المساحات الخضراء التي تقع مباشرة على جوانب الشوارع الرئيسية أو بين مساراتها وداخل الميادين. وهكذا أصبح غياب "حديقة الحي" بالمفهوم المتعارف عليه عالميا هو القاعدة في جدة وليس الاستثناء.
لهذا السبب أصبت بالدهشة عندما وصف لي أحد الزملاء اكتشافه لحديقة "نموذجية" أعجب بها إعجابا شديدا وأخذ يتردد عليها مؤخرا مع أطفاله رغم وجودها في حي يبعد عن الحي الذي يسكن فيه، وتعجبت من أن يكون في جدة حديقة تستحق أن "يرحل إليها" غير تلك الحدائق المعدودة والمكتظة بالزوار في منطقة الكورنيش أو حديقة الأمير ماجد أو حدائق قليلة أخرى تعد على الأصابع. كان زميلي يتكلم بحماس وكأنه عثر على شيء افتقده لسنوات. أضاف زميل آخر كان يستمع إلينا عن وجود حديقة ثانية في حي آخر تنافس تلك التي وصفها الزميل الأول مما زاد من اشتياقي لرؤية إحدى هاتين الحديقتين اللتين تعيدان مفهوم "حديقة الحي" إلى معناه الصحيح.
انتهزت أول فرصة لزيارة الحديقة الأولى، وفعلا وجدتها كما وصفها صاحبي. كانت مرتفعة قليلا عن الشارع كمجموعة من التلال الصغيرة المتحدة. وكانت مساحتها ممتدة تمكن الواحد من الانطلاق في ممراتها الملتوية. كان محيطها يزيد طوله على كيلومتر وبه رصيف متسع حالته جيدة مما يسمح بالاستفادة منه للتريض مشيا. ومن حسن الحظ أن حركة السيارات حول الحديقة كانت شبه متوقفة تلك الليلة بسبب حفريات الصرف في المنطقة، مما أكسب الحديقة هدوءا غير عادي في تلك الأمسية الشتوية المقمرة. كما أنها لم تكن مزدحمة بالمتنزهين. كانت أجزاء منها مغطاة بالنجيلة الخضراء المعتنى بها جيدا. وقد جلست متباعدة عليها خمس عائلات مختلفة. كان بها مجموعة من ألعاب الأطفال التي كانت في حالة ممتازة في ساحة من الرمل الناعم النظيف. كما كان في طرفها ملعب لكرة السلة محاط بشبك عال، وكان بداخله عدد من الشباب المنهمكين في اللعب الذين لم يشكل وجودهم أو لعبهم أي إزعاج للعائلات في الخارج. كان بالحديقة عدد لا بأس به من الأشجار الوارفة والنخيل. وكانت هناك إنارة جيدة تسمح بالبقاء خلال ساعات المساء. قضيت ساعتين ممتعتين مع الصغار الذين تشبثوا بالبقاء لفترة أطول لو لم انتزعهم انتزاعا. ذكّرني ذلك فعلا، كما قال زميلي، بالحدائق التي نراها في الخارج. وشجعتني هذه التجربة على البحث عن حدائق أخرى أقرب إلى حيّنا لم أكن قد أعرتها انتباها، وفعلا وجدت حديقة صغيرة حالتها معقولة ووعدت الصغار بزيارتها في يوم آخر. كما وجدت حديقة ثالثة لم تكن ألعابها صالحة للاستعمال البتة. ومررت على قطعة أرض صغيرة جرداء داخل حيّنا كانت قد خصصت منذ سنوات لإنشاء حديقة ولكن لم أرَ أي تغير طرأ عليها.
عدد الحدائق العامة في جدة 648 حديقة حسب الإحصائية الواردة من الأمانة (جريدة المدينة في 19/3/1429هـ)، مساحتها الإجمالية 3,4 ملايين متر مربع. ولو افترضنا أن طول جدة خمسة وأربعون كيلومترا وعرضها عشرون كيلومترا لشكلت هذه المساحة نسبة أقل من 0.5% وهي نسبة، في تصوري، صغيرة جدا بالمقارنة بالمدن العالمية الكبرى. من هذه الحدائق 172 من الفئة (أ) وهي التي تتوفر بها مسطحات خضراء وممرات وألعاب وإنارة، و135من الفئة (ب) وهي التي لا يتوفر بها سوى عنصرين من تلك العناصر و368 من الفئة (ج) التي لا يتوفر بها سوى عنصر واحد. وليس من الواضح هل يدخل ضمن هذه الأعداد حدائق الطرق والميادين، وهي أماكن هدفها الأساسي تزيين الشوارع ولا ينطبق عليها مسمى "الحديقة البلدية" لخطورة الوصول إليها واستعمالها، بسبب حركة السيارات التي لا تهدأ حولها، ولتشبّعها بالانبعاثات الضارة الناتجة عن تلك السيارات، ومع ذلك فهي تغص عندنا بالمتنزهين.
تذكرت كيف كانت جدة، منذ زمن بعيد، من أكثر مدن المملكة اخضرارا، وتذكرت كيف كان سكان جدة يحلمون بحديقة تضاهي "هايد بارك" في المطار القديم، وتخيلت المتنزه الوطني الكبير في شرق المدينة الذي نسمع عن خطط لإنشائه مستقبلا. وتساءلت عن دور مجالس الأحياء والمجلس البلدي في إعادة تأهيل حدائق جدة أو إنشاء حدائق جديدة في الأحياء التي تفتقر إليها.
الحديقة الجميلة هي بهجة الحي ومتنفس سكانه. ومن الجميل أن نرى حدائق صممت ونفذت بمستوى عالمي أو على الأقل مستوى مقبول يراعي توفر العناصر الأساسية. وسكان كل حي في جدة، بل وفي كل مدينة في بلادنا، يستحقون مثل تلك الحدائق.
أخبار ذات صلة

