حوادث السيول التي شهدتها منطقة المدينة المنورة قبل عامين ما تزال عالقة في الاذهان فقد تسببت السيول الجارفة في وفاة 29 شخصاً من بينهم نساء واطفال واصابة 18 آخرين فيما حاصرت السيول الاهالي وغمرت منازلهم تحت امواجها العاتية.هذه الجولة تكشف عن ضحايا السيول في عشرات القرى والهجر التابعة لمنطقة المدينة المنورة الواقعة بالقرب من الاودية والمرتفعات:ففي صبيحة ثاني ايام عيد الاضحى من عام 1426هـ، راح 13 فرداً من اسرة واحدة ضحايا للسيل الذي داهمهم اثناء طريقهم لمعايدة اقاربهم اذ كان يتحتم عليهم عبور وادي اليتمة 80 كلم على طريق الهجرة فيما كانت الامطار تهطل بغزارة فجرف السيل سيارتهم «الجيب» بعدما حاصرتهم السيول من جهة والجبال من الجهة الاخرى فلم يكن امامهم سوى الانتظار لحين توقف هطول الأمطار .. لكن القدر كان اسرع .. حيث رأى الأب «قائد السيارة» حينها ان خطراً محدقاً بات يقترب منهم، وان ابناءه الاحد عشر وزوجتيه اصبحوا في قبضة السيل الذي اخذ يزداد شراسة واخذ منسوب المياه في الارتفاع شيئاً فشيئاً فآثر عبور الوادي بسيارته الى الضفة الاخرى والا سيبقى محاصراً لعدة ايام خلف الوادي لاسيما وان وسائل الاتصال الهاتفي في تلك المنطقة معدومة تماماً في ذلك الحين ..
وما ان بدأ خطوته الاولى في الوادي حتى تحولت السيارة ومن فيها الى «قشة» ضاعت في الوادي فالتهمها السيل الجارف وسقط من سقط من السيارة ولم يبق الا الابن الاكبر (بندر) متزوج 25 عاماً الذي خرج من نافذة السيارة وتقاذفته امواج السيل يمنة ويسرى حتى انتهى به المطاف الى جذع شجرة ظل متمسكاً به في اصعب لحظات حياته حيث لم يكن يفصل بينه وبين الغرق سوى ان تفلت اصابعه من ذلك الجذع فظل لاكثر من ساعتين متشبثاً بجذع شجرة كانت صامدة على الرغم من ان السيل كان يلتهم كل ما يعترض طريقه، فقدم احد المواطنين بعد مشاهدته السيارة داخل الوادي وحاول الوصول اليها دون جدوى حتى سمع صيحات (بندر) وهو يطلب نجدته فكان كل من يحاول انقاذه عن طريق حبل يعود ادراجه بسبب الخطورة البالغة للسيل داخل الوادي وارتفاع منسوبه، فما كان من احد الوافدين (باكستاني) إلا ان ربط وسطه بحصاة ثابتة في الارض وخاض السيل حتى وصل الى الشاب وعادا سويا سالمين اما بقية افراد الاسرة فقد انتشلهم الدفاع المدني وبعض المواطنين من انحاء متفرقة من الوادي على مدى عدة ساعات وقد غرقوا جميعاً في احضان السيل الجارف؟!
مقيم ستيني
ومع بدء موسم الامطار والسيول في المدينة المنورة العام قبل الماضي كان اول الضحايا مقيم ستيني جرفته السيول وعثر عليه بالقرب من سد وادي عروة الا انه نجا بأعجوبة، فيما اغلقت السيول في شهر رجب الماضي من العام 1427هـ طريق المدينة - تبوك واستمر اغلاق الطريق لقرابة ساعتين، في وقت بدأت تحذيرات الارصاد الجوية تشير الى وجود غيوم كثيفة في سماء المنطقة وتنذر بهطول امطار غزيرة قد تجري على اثرها الاودية والسيول وتأكل الاخضر واليابس.
ومن الحكايات التي يرويها الاهالي خلال هذه الجولة حكاية اسرة اللقماني التي ابتلع السيل 15 فرداً منها في جوفه هم: عواد اللقماني 50 سنة ويعمل مراسل بريد في المعهد الثانوي بالمدينة المنورة، وحسنة خلف اللقماني (48 سنة) زوجة عواد وام بندر، ومسعودة مسعود اللقماني (38 سنة) الزوجة الثانية، وسلوى معلى اللقماني 22 سنة زوجة بندر، ومشاري بندر عواد اللقماني (8 اشهر)، وبدور عواد اللقماني (19 سنة) ورحاب عواد اللقماني (18 سنة)، وبلال عواد اللقماني (13 سنة) وشهد عواد اللقماني (6 سنوات) وبراء عواد اللقماني (3 سنوات) وعبدالله عواد اللقماني (5 سنوات) ومعاذ عواد اللقماني (3 سنوات) اضافة الى تدمير السيل بعض الاحياء القديمة في المدينة المنورة ودمر المنازل والطرق والمزارع ووفاة 10 آخرين، فيما قام الدفاع المدني باخلاء 80 شخصا احتجزتهم السيول في منطقة البيضاء الجبلية في المدينة المنورة.
وما زالت «أم محمد» تتذكر ابنها محمد الذي راح ضحية في وادي عروة وذلك عندما ظن محمد ان الوادي آمن فقام بنزهة حوله وما هي الا لحظات حتى عثر على جثته غريقاً لينضم الى قافلة الضحايا.
وبينما كان عواض الحربي يسير بسيارته باتجاه قرية الجفنة لم يكن يعلم هذا الخمسيني ان مصيره المحتوم سيكون بين ثنايا سيل هادر لم يجد امامه من يوقفه ليبتلعه هو وسيارته في غمضة عين تاركا زوجته واطفاله الذين كانوا ينتظرونه.
اما المتوفي هليل الحربي فقد كان يسير على رجليه وفجأة غامت السماء وهطلت الامطار وتدفقت السدود لتقتلع الارض التي كان يمشي عليها وتسحبه السيول وتغرقه ليتم تسجيله رقما آخر في قائمة ضحايا السيول!
فرشة الشامي
ولازالت العديد من المواقع في قرى المدينة المنورة لا سيما الواقعة على طريق الهجرة تقع تحت الخطر فعشرات البيوت الشعبية والهناجر في القرى التي رصدتها «عكاظ» تقع وسط اودية ومجاري السيول، ومن بينها قرية «فرشة الشامي» التي تقع على طريق الهجرة على بعد (90) جنوب المدينة المنورة، حيث داهمتها سيول العام الماضي واقتلعت عشرات الاشجار فيها، وسوت ثلاثا من آبارها بالارض ولازالت آثار الدمار الى يومنا هذا تصف حجم معاناة مئات الاهالي الذين كانوا يروون ظمأهم ويسقون ماشيتهم من مياه تلك الابار قبل ان يهدمها السيل، حيث ظل العديد من الاهالي محاصرين خلال الايام التي اعقبت هطول الامطار والسيول نتيجة الخراب الذي لحق بالطرق الصحراوية، كما يقول مسعود سليم اللهيبي احد سكان القرية والذي أكد بأن (فاعل خير) قام بجلب رافعة (شيول) على نفقته الخاصة وقامت بعمل عقوم ومصدات ترابية لحماية المساكن والاهالي من خطر السيول مشيراً ان العديد من المساكن تقع على سفوح الجبال وبطون الاودية على الرغم من ان الاهالي على علم بخطورة اماكنهم لكن الظروف الصعبة حتمت عليهم البقاء في بيوتهم وسط الاودية مما يؤكد ان واقع العديد من قرى وهجر المدينة المنورة ينذر بمخاطر جسيمة في حال تكرار حوادث السيول التي شهدتها المنطقة قبل عامين، اما صالح الحربي فقد قضى غرقا هو واحد ابنائه عندما كان بجوار احد السدود الذي لم يحتمل السيل الهادر لينهدم احد جدرانه ويفيض ليذهب صالح وابنه مع السيل الهادر الى غير رجعة فيما نجت اسرة علي العوفي بأعجوبة عندما هطلت الامطار العام قبل الماضي واحتجز سيل هادر سيارتهم وهم فيها الا ان العناية الالهية تدخلت عندما مر ثلاثة من العمالة على حراث ليتم ربط مؤخرة السيارة ثم سحبها من الوادي وعندها تنفس جميع افراد الاسرة الصعداء ولم يكن رب الاسرة يدري ان السيول لم تحدد مواقعها من قبل المختصين حتى لا يقع هو وغيره ضحية هذا الاهمال. وقال منور المطيري الذي تهدم منزله جراء الامطار التي هطلت على منطقة المهد قبل عدة سنوات «فقدت في تلك السنة مزرعتي فقد فاض السيل عن السد وهدم المنزل واغرق المزرعة» مشيراً الى ان السدود خاصة التي في القرى والمحافظات قديمة جدا ولا تحتمل اي سيل! ويضع يده على قلبه قائلاً: موسم الامطار على الابواب ولابد من الاهتمام حتى لا تتكرر المأساة خاصة بين اهل القرى والبادية. ويقول ماطر احد سكان وادي الحمض: ان هذه السيول والامطار لم تشهدها المنطقة منذ 20 عاما وقد طالت قرى المندسة والمليليح وبواط وشجوى والبوير وتسببت في اضرار مادية واسعة شملت منازل ومزارع وابارا وطرقات وطوقت عدداً من القرى مضيفاً ان منظر السيول وهي تغرق الاخضر واليابس كان مفجعا. ويروي سعد وهو شاهد عيان أنه رأى اسرة كاملة تغرق «كنا نتابع الاطفال والنساء وهم ينجرفون مع التيار وشعرنا بلحظة امل حيث قذفت المياه بأم وهي تحتضن طفلا لم يتجاوز عامه الاول على التراب حول الموقع الذي تقف عليه حتى ابتلعتهما، ويشير الى قصة اخرى اكثر مأساوية حيث يقول ان السيول في احدى المرات ابتلعت اشخاصا كانوا يقفون في مزرعتهم اثناء عملهم فيها ورغم ان المزرعة كانت بعيدة الا ان السيل كان جارفا وقويا وابتلع الرجل واولاده الخمسة امام انظار الجميع وفي القرى والمحافظات يكون الضحايا أكثر لان الدفاع المدني لا يوجد في بعض الاماكن كما ان وسائل الانقاذ لدى الناس ضعيفة ولهذا ترى الضحايا يموتون امام انظار الجميع ولا يستطيع احد ان يفعل لهم شيئاً.
أما سيول العلا التي هطلت قبل عدة اسابيع فقد شردت 13 يتيما و 4 اسر ودمرت خيامهم وتركتهم في العراء وبدون مأوى، اضافة الى حاجتهم الماسة للطعام حيث ردمت السيول «ارزاقهم» تحت التراب وجعلتهم يعانون من الجوع والحاجة، وقال عدد من اقربائهم لقد وجدنا هذه الاسر في حالة يرثى لها! ورغم قيام «المستودع الخيري» بمساعدتهم الا ان مأساتهم سوف تتكرر كما يقول المواطن محمد البلوي اذا لم يوجد حل لهذه السدود والاودية فاذا ما هطلت الامطار وسالت السيول فاضت على البادية واهل القرى واتت على الاخضر واليابس !!
قصص وحكايات غرق مُحزنة يرويها الأهالي
سيول المدينة تبتلع عشرات الضحايا
6 أغسطس 2007 - 19:30
|
آخر تحديث 6 أغسطس 2007 - 19:30
سيول المدينة تبتلع عشرات الضحايا
تابع قناة عكاظ على الواتساب
جولة خالد الجابري «3 »تصوير: رمزي عبدالكريم