* مازال الليل يضيء بصوت فيروز في شيخوخة الفرح.. يحمرُّ القرميد، ويطوف الموَّال حول الصدور الشجية، ولم يتبقَّ للبنان سوى شجرة الأرز، عسى أن لا يحرقوها، وأعمدة بعلبك عسى أن لا يدمروها، و.... صوت فيروز: ينادي على «شادي» الذي ضاع!! في هذه اللحظات، والقصة تبدأ وتنتهي من حنجرة فيروز، وصوتها -كما وصف فواز عيد، رحمه الله -يتبعثر كماء النوافير من ليالي زمان: جاءتني كلمات رسالة الصديق الأديب الناقد/ علوي طه الصافي على صفحات «المجلة العربية» تحمل أصداء زمان، وتذكِّرني بشكل الليالي التي طرحت ضحكاتنا، وها هي قد بهتت في العمر، وكان شكل الليالي ظلالاً من النشوة التي أحيتنا زمناً وغنيناها مرددين: «رجعت ليالي زمان، رجعت ليالينا/ رجعوا حبايب زمان يتحكموا فينا»، و... هيهات الرجوع!!
* * *
* وإذن... أهلاً بك يا رفيق درب غرسناه (فُلاًّ وكادي)، ليرجع حبايب زمان برغم أن النفوس تبدلت، والقلوب تحولت وبقيت الأصداء اجترار في حميمية الذكرى والحنين، واستمتاع في دفء الوفاء الذي يقف أقوى من النسيان والجحود والتنكر، وما تفرضه على الإنسان ظروفه المادية!
صوت «فيروز» المضمَّخ حباً وصفاءً، هو الآخر أخذه الغياب، وقد كان يسمو بمشاعرنا، ينقّيها، يحصد عذاباتها وحيرتها، يحمل الشوق والوفاء، ويعيد إلى صدورنا الراحة!
* وتعود أصداء كلمات/ علوي الصافي.. تحمل أبعاد البوح والحنين، وذلك الحزن في صوت فيروز:
- بِدْيَت القصة تحت الشتي/ بأول شِتي: حبُّوا بعضن/ وخلصت القصة تحت الشتي»!!
أغنية تنبعث كالضوء من كثافة هذه الأغاني الماسخة -أغاني السيقان والخصور- أعادتني إليها كلمات صديقي/ علوي الصافي، وهي تعكس الصورة الدقيقة للحب هذه الأيام... فلم يعد هناك حب يرتفع به الصدق ويتسم بالمعاناة، لكنه حب على المشجب كقطعة ملابس نرتديها ونقلعها! كل أشيائنا تخوننا ونخونها.. والوقت يركض ونحن خلفه نلهث، وتضيع منا قلوبنا ونفوسنا! الحب اليوم كقصائد شعراء الحداثة، والوقت مفزع.. ونحن نهرع إلى ظل مؤقت نستريح فيه، ثم نواصل مطاردة الوقت لنا، ومطاردتنا للوقت... لكننا نبقى في احتياج إلى ما يُذكِّرنا بظلال أيامنا وبذكرياتنا، وفي احتياجٍ إلى ما يدفئنا من البرودة الحسية الشديدة، وإلى ما يريحنا في موجات القلق!
يبقى صوت «فيروز» قطرات ندى تبلُّ ظمأنا وجفافنا!!
وتمتزج بهذا الصوت الشجي كلمات صديقي/ علوي طه الصافي الشجِنَة التي ذكرتني بمقولة لفيلسوف لا أقصد أنها تنطبق على (صداقتنا) الوطيدة رغم ما اختلفنا عليه وتصالحنا، بقدر ما تنطبق على نفوس الناس، وعلاقات بعضهم بالبعض الآخر، وهي: (لا يوجد في الدنيا غرباء، وإنما يوجد أصدقاء... لكنهم لم يتعارفوا بعد)!!
* * *
* آخر الكلام:
* (ومشيت..
أعبر الدرب، ومثل الريح أمضي
مثل ريحٍ في الفضا...
أمضي... أغيبْ
ومشيْت.. أنا والحزن
وأشيائي الصغيرة)!!
علوي الصافي.. وشجوني !؟
5 يونيو 2007 - 23:26
|
آخر تحديث 5 يونيو 2007 - 23:26
تابع قناة عكاظ على الواتساب