شاع تعبير «أدب المهمشين» Marginated Literature في السنوات الأخيرة شيوعاً واسعاً. وتبعاً لذلك انتشرت فكرة التهميش بصفة عامة ، كفكرة تنطلق من ديناميكية التخلي والنبذ. وهي بالضرورة تختلف عن فعل التجاهل وإستراتيجية العزل. وليس المجال في البحث عن الفارق بين التهميش والتجاهل .
شيوع التعبير المشار إليه عزاه الباحثون الى سبب رئيسي واحد لا ثاني له وهو: إخفاق النظم الراهنة في منح طبقات المجتمع الدنيا العناية الكافية. وبالتالي رزوح جزء كبير من المجتمع المهمل تحت وطأة أزمات اقتصادية واجتماعية حادة ناشئة في الأساس عن ضعف الدخول المادية وقلة الخدمات التعليمية والصحية والثقافية والاجتماعية على نحو شامل ، بالإضافة الى إخراج (تهميش) ذلك الجزء من المجتمع في دائرة القرار السياسي.
في ناحية أخرى يربط المحللون بين فكرة التهميش وظاهرة العنف ، فيذهبون الى أن الطبقات الاجتماعية الفقيرة تعد منبعاً خصباً لتوالد الجماعات العنيفة ذات الطرح المتطرف ، والتي تعمل على تصاعد الوعي الاجتماعي بوجود فئاتٍ كثيرةٍ مهمشة يتحتم إدخالها ضمن المتن الفاعل ، كما أن التحولات الثقافية العالمية، وإنفتاح عصر العولمة ، ضخم الوعي بفكرة سيطرة السلطة المطلقة ، مما ساهم في تنامي الشعور بالإنزواء والهامشية .
وعلى الرغم من شيوع القول بأن العولمة تهدف إلى صبغ العالم كله بصبغة واحدة فإن هناك قولاً آخر موازياً ،لايقل شيوعاً، هو أنها تقاوم ظهور كيانات كبرى جديدة، وأنها تسعى إلى تفتيت الكيانات القوية القائمة الى قومياتٍ وشعوبٍ صغيرة «مهمشة» ، ولعل تفتيت الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الاشتراكية مثالاً لذلك القول. وهناك مقولة ثالثة موازية ولا تقل عن سابقتيها شيوعاً ، وهي أن العولمة تزيد من غنى الغني وتمعن في إفقار الفقير . . هذه التفاعلات الثلاثة كرست فكرة تقسيم العالم بوصفه عالمين : عالماً متحققاً غنياً هو السلطة الكيانية، وعالماً آخر بلافعالية هو عالم المهمشين .
فكرة قديمة
ولكن إذا دققنا النظر في المسألة لوجدنا أن فكرة التهميش ليست وليدة العصر الحالي وحده، فهي قديمةٌ ومتجذرة في مختلف الحضارات عبر سياقها التاريخي ، لدرجة أن أفكار القمع والاستغلال التي طالما تحدثت عنها البشرية، تشير ضمناً إلى مضمون فكرة التهميش . وفي مجال الدراسات الأدبية من الصعب الحديث عن شعر الصعاليك في العصر الجاهلي، مثلاً، دون الاقتراب من هذه الفكرة . ولدينا نموذج هام لاستخدام فكرة التهميش استخداماً واعياً في تحليل الظواهر الأدبية . وهو كتاب (سوسيولوجيا الغزل العربي ـ الشعر العذري نموذجاً) . الذي ألفه الباحث التونسي الطاهر لبيب، وترجمه للعربية عن الفرنسية محمد حافظ دياب . ويقوم الكتابُ على ملاحظة الوضع الهامشي لهذه الفئة (فئة العذريين) .
وهناك من يرى أن فكرة التهميش كانت في ضوء الحركة الثقافية كلها تضع الهامش وضعاً يتعلق بمجمل الثقافة، يفسر التطور بالصراع التقليدي الجمالي الضمني بين الأشكال المهمشة والأشكال التقليدية الحاكمة أو المهيمنة . وعلى محمل آخر قد يكون أدب المهمشين هو الشكل الأدبي، بمعنى الأدب الحداثي أو ما بعد الحداثي الجديد، أو بمعنى “الأدب المتمرد” على محددات النوع الأدبي، أو بمعنى الخصائص الجمالية المستحدثة غير المألوفة . وعندما ننظر إليه بوصفه الشكل، أو النوع، ونضعه في سياق صراعات التطور، نكون قد خرجنا بالموضوع إلى أفق الثقافة الواسع . وبطبيعة الحال يمكن أن نعيدَ التعبير عن أي مفهومٍ من المفهومات الثلاثة الأخيرة بعبارات المفهومين الآخرين؛ فمن السهل مثلاً أن نقولَ إن الشكل الحداثي أو مابعد الحداثي يحقق للأدب خروجاً عن محددات النوع، وهو يجاوز التقاليد الجمالية السائدة .
البيئات المهمشة
قد تكون الجماعة المهمشة هي عينها الجماعة المنتجة للأدب . فلنا أن نقرأ شعرَ الصعاليك في العصر الجاهلي بوصفه شعراً لجماعةٍ مارست التهميش من منظورٍ إيجابيٍّ قصدي . ولقد قرأ الطاهر لبيب الغزلَ العذري قراءةً تناولت إنتاج جماعةٍ محددةٍ مهمشةٍ تعبر عن رؤيتها للعالم من وضع التهميش الذي وجدت نفسها فيه . ومن الميسور أن نقرأ الشعر الصوفي من منظور كونهِ إنتاجَ جماعةٍ مارست التهميش على تقدير أن الهامشيةَ تعني الخروجَ عن السياقات السائدة جميعاً، وتحرير الوعي منها. وأحق أدبٍ بأن نراه أدباً أنتجته جماعةٌ مهمشةٌ هو الأدب الشعبي الذي يراه النقاد نتاج جماعةٍ شعبيةٍ مهمشةٍ تشكل جمالياً رؤيتها للعالم، وتصنع أبطالها التخيليين من بعض أفرادها مهما يكن الوصف السائد لهم يُجَرِّمُهم .
ويمكن القول إن تصوير البيئات المهمشة من الموضوعات المهمة في الكتابة العربية الروائية (التسعينية) من خلال الروايات التي تناولت كيان (الحارة) بصفتها البيئة الأولية للمهمشين في المدينة العربية ، وبطبيعة الحال ليس شعور الأديب الكاتب عن الحارة بأنه ذاتٌ مهمشةٌ شعوراً مبتكراً لم يعرفه الأدب من قبلُ. وهو في ذاتِهِ قد يتخذ صورتين : الصورة الأولى أن يكون مدارُ النص حول أديبٍ مهمشٍ .. والصورة الأخرى أن يكون الخطابُ في النص منطلقاً من الذات، سيرياً . هذا ما جعل السيرة الذاتية فناً جذاباً للكتابة التسعينية، وجعل كثيراً من الروايات ممسوسةً بهذا المس السِيَري.
بعد تفتيتها للقوميات والكيانات الكبيرة
العولمة تنفخ الروح في «أدب المهمشين»
5 يونيو 2007 - 23:26
|
آخر تحديث 5 يونيو 2007 - 23:26
العولمة تنفخ الروح في «أدب المهمشين»
تابع قناة عكاظ على الواتساب
خالد ربيع السيد