لو رجع كل واحد منا الى منا الى ذاكرته لرأى انطباعا لفرح او الم مستقر ومخزون في مستودعات هذه الذاكرة ومخزنها الواسع, اما الفرح فكان مصدره ان دنا احدنا من اماله وتدلت له بعض ثمارها فقطف منها ما شاء ان يقطف وما سمحت له الظروف بقطافه وقد حقق من حلمه البعض او الكل وان الالم كان مصدره اثر صدمة عنيفة كسرت له القليل والكثير من الامال فما الذي حقق الآمال وما الذي حفظها سؤال وجواب يرد على الخاطر حتى لا يجلس احدنا حزينا كاسف البال, نتساءل ما مفتاح صندوق الرغائب او مفتاح هذه السعادة؟ وماهي هذه الشجرة التي اعطتنا وتعطينا هذه الثمرات؟ ومن هي هذه الام الكريمة التي نجل قدرها ونرفع شأنها لتعطينا المزيد من المسرات وتلد في احضان المجتمع البنين والبنات؟.
وخلاصة القول بأن الانسان يرغب الفوز والسعادة ويعمل جاهدا بان لا تخيب أمانيه وآماله وان لا تضيع اعماله سدى.
الصبر أم الاماني
ان الصبر يقدم للمؤمن قسطا وافرا في حساب تقوية ملكته وينشط عزيمة المضاء في الامور والدأب على السعي حتى يبعث الملكة من نومها ورقدها وقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في حق الصبر “ان ثوابه الجنة” فما كان لنا ان نعود اليه الا حرصا منا في تزويد الانسان بالعمل الصالح فالانسان راغب في ان يدرك الفوز بالآمال وان ينال مطلبه؟؟ ينال ويرى نجم عافيته في بزوغ لا في دور الافول, وكون صحته في اشراق ونور لا في تحول وانصراف فالسفيلة التي تمخر عباب بحر الآمال فتصل الى قواعدها سليمة لا تعيقها العواصف الهوجاء, لها وقود اساسي لا يمكن المساومة عليه ولا السير بدونه لا شك انها قوة الانسان وعافيته وتمتعه بالصحة فالانسان بحكم بشريته وما ركب فيها من دوافع وغرائز وما عنده من عقل دراك يرى بلوغ الاهداف او اللحاق لما يهدف ضمن دائرة او فلك الاداب الرفيعة او الاخلاق السامية بحيث يتطلب ان يتخطى مرحلة سباق اقرانه دون ان يلاحظ عليه المجتمع مذمة او منقصة لان ذلك يشين مركزه الاجتماعي في نظرة القصير الامد هكذا كان تفكيره المحدود...... .. قد لزمته الاستقامة وعدها منتهى الاكرام من الله وعين الكرامة، ضاء نور القرآن في صدره، سماعا أو تلاوة، فيها مصباح المصباح تبدى من وراء زجاجة هذه النفس البشرية المتلألئة صفاء وضياء.
فهو ممن وصفهم القرآن (اذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا).. (واذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا) وحصل له -كما لخصه شيخ الاسلام ابن تيمة- «من المواجيد العظيمة والاذواق الكريمة ومزيد المعارف والاحوال الجسيمة، ما لا يسمعه خطاب ولا يحتويه كتاب« لانه من صنوف السماع الايماني القرآني الذي هو سماع النبيين والعالمين والعارفين».
وهذا القرآن بل النور السماوي الاقدس لا يناله من استحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر ربه، ولا باليسير ذوقه على ما علقت قلوبهم بزينة الحياة الدنيا وزخرفها فنسوا حظا مما ذكروا به واتبعوا أهواءهم فهم في غفلة عن هذا، استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر ربهم فقلوبهم في أكنة! (أم على قلوب أقفالها)! (بل عجبت ويسخرون واذا ذكروا لا يذكرون).
اما من زكت نفوسهم واستنارت قلوبهم، فكأنهم المصابيح المضيئة، تفجر ينابيع المعرفة في قلوبهم وتفيض على ألسنتهم، وتنساب الى الاسماع والأفئدة، آخذة بهم الى الاتصال بالخالق العظيم (الله) جل جلاله فهم بعد ذلك في خدمة الخلق خدمة خالصة لوجه الله!!
لو قدر ان تنطلق الجمادات لافصحت عن عظم منزلة هؤلاء الكرام البررة أشراف الأمة حملة القرآن، الذين اكسبتهم مدرسة الاسلام ونجاحهم بشهادة حمل القرآن أكسبهم سعادة الخلود، بل عز الدنيا وسعادة الآخرة، ولو علمنا منطق الطير وفهم الجماد لفهمنا سر قول الله (يا جبال أوبي معه والطير).
ولو ملك أحدنا الاسرار الكونية التي تكشف عن مخبئات الصدور، لرأينا مارد الفرح في قلب كل ساع لهدفه، وسائر وراء قصده، ولرأينا هذا المارد يقول إني فرح ومغتبط اذا اوصلت صاحبي الى مطلبه ضمن ظروف احكمها صاحبها وزانها التوفيق الالهي، فبلغ صاحبي لحدود ما بلغ، وهو محمود في الارض، ضوابط الادب لم تخرق، وتقاليد المجتمع لم تمس، فان فاز بما فاز فكان على جانب عظيم من الايمان ومحبته لربه، رأيت في تصميم اعماله وآماله وما سلف حساب صندوق الدار الآخرة وما اعد لها.
فان نشد الآداب - باعتبارها كنزاً من كنوز التقوى، وان نشد العافية والصحة لانها مركبة لآخرته وان نشد الآمال فطلب منها رضى الخالق، فكان هذا المؤمن لا يغمض له جفن الا ان يصل الى العبادة الحقة، فيضم هذه الحلقة ليضم سائر الحلقات بها، هذا واقع السير والسلوك في هذه الحياة لمن يقف امام العرض ويستخلص وقائعها.
حلقات اربع اخذ بعضها بزمام بعض هن محكمات الاتصال، كأنهن باقة زهور انها كنوز ثمينة تحجبها مجموعة من الصناديق كتب عليها المفاهيم التالية، بلوغ الآمال والاماني، وتجميع قوى الصحة والعافية، وحسن السمعة والآداب، وكسب رضى الخالق، والعبادة الحقة، فما مفاتيح هذه الصناديق؟ نقف وراء علامة الاستفهام عاجزين، لكن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يجيب الامهات الاربع، ام الادوية وام الآداب، وام العبادات، وام الاماني.
فأم الادوية قلة الاكل، وام الآداب قلة الكلام، وام العبادات قلة الذنوب، وام الاماني الصبر, انه بيت القصيد وجوهر الموضوع به نصل الى فتح هذه الصناديق المغلقة التي تحمل في جوفها جواهر عمل الآخرة، ومناهج السعادة التي يسعى لها كل شخص في هذه الحياة، ولكن هل يسلك الانسان طريقها السوي الذي يؤدي اليها بدون اشارات مرور وحفريات طرق وتقاطعات خطرة.
كل هذه الصعاب يرصد لها حساب في بند روتين الكسل وعدم الاهتمام واللامبالاة، حتى تسدد منها فواتير الاحتراق والجهل الضائع من اجل الوصول الى بر الامان في قطار الهروب نحو النور.