... ولكن ما الذي يجعلني أغضب من ارتطام الصوت بالصوت ؟
الصوت الأول : صوت مذيع نشرة الأخبار الذي يعقد مقارنة بين تكاليف الوصول إلى الإليزيه ، وتلك التي تتعلق بالوصول إلى البيت الأبيض .
الصوت الثاني : صوت محدثي الذي يعلو في لحظة ( النطق بالرقم ) ؛ فيضيع الرقم وتضيع عندها المسافة التي تفصل فرنسا عن أمريكا . كدت أن أصرخ في وجه محدثي : “ يا أخي اسكت ... “ لولا أن علمت أن المعلومة في زمننا هذا مثل غمامة هارون الرشيد التي قال لها ذات مجد سابق : “ اذهبي أنى شئت ، فإن خراجك عائدٌ إليّ “ ... بالفعل حضرت المعلومة سريعا في موقع آخر ، ومن حيث لا أحتسب : تكاليف الوصول إلى الإليزيه الفرنسي تقارب الثلاثين مليون يورو , بينما في أمريكا تتجاوزها بعشرة أضعاف ( أي ما يقارب الثلاثمائة مليون يورو ) ... لكن لماذا التشبث بهذه المعلومة ، وما الذي ستضيفه إليّ ؟ ... قد تكون غريزة حب التملك لا أكثر ولا أقل ، ولكن في هذا الزمن علينا أن نتعلم كيف نترك ، لا كيف نأخذ ... إذ أن كثيرا من المعلومات تغدو أكثر معرفة بفقدانها لا بامتلاكها ...
الحقيقة تقول اننا نعاني في عصرنا من كثرة تدفق المعلومات ، على النحو الذي يجعلنا عاجزين عن إعادة ( تدويرها ) على النحو الذي يهمنا ، وحين تكثر المعلومات وتتدفق بغزارة يقل التركيز ، وتكثر احتمالات الخطأ ( أمريكا – مثلا – ضُربت في خاصرتها في 11 سبتمبر بسبب كثرة المعلومات لا قلتها ) . على الأرجح هذا هو سبب الإيقاع السريع لعصرنا ، إيقاع يتعلق بالمعلومات اللامتناهية كما بالمقتنيات التي يتحفنا بها عصرنا فلا نعلم : ماذا علينا أن نعرف أو نجهل ... ماذا نقتني ، ولماذا نقتني ؟
إنها المتاهة بامتياز ... متاهة تجعلنا نكاد نبكي ونحن نتداول مقطع جوال يحوي بعض رموز حياتنا قبل فترة ليست قديمة جدا ( من المشروبات وأشكالها ، إلى لاعبي الكرة ، إلى أغلفة بعض المناهج ، إلى الرموز التليفزيونية من ممثلين ومذيعين ، إلى ... وإلى ... كل ذلك مصحوبا بموسيقى مسابقة رمضان قبل حوالي العشرين سنة لا أكثر ... )
مقطع متجول من دقيقتين فقط بعنوان ( يوه يا قدييييييم ) أثار شجنا لا حدود له : ربما هو الحنين إلى زمن كنا نتشابه فيه حد التطابق ( على الأقل فيما نشاهد وفيما نسمع ... فيما نأكل وفيما نشرب ) يوم كنا نعيش ككتلة واحدة ، قبل هذا الانفجار الكوني العظيم !!
هل كبرنا إلى هذا الحد ، أم كبر عالمنا علينا ، فلم نعد ندري ما نمسك وما نقطع ؟
msdhya@yahoo.com
يوه يا قدييييييم
12 مايو 2007 - 19:58
|
آخر تحديث 12 مايو 2007 - 19:58
تابع قناة عكاظ على الواتساب
مسفر الغامدي