أمام شاشة هاتف صغيرة، يحاول مسن إنجاز معاملة مصرفية أو حجز موعد طبي، يتنقل بين القوائم، وينتظر رمز التحقق، ثم يعود إلى الصفحة الأولى بعد انتهاء المهلة المحددة. مشهد يومي يكشف وجهاً آخر للتحوّل الرقمي؛ فالتقنية التي اختصرت الإجراءات لملايين المستخدمين، وضعت بعض كبار السن أمام متطلبات جديدة، تتجاوز قدرتهم على التعامل معها بسهولة.

ومع انتقال الخدمات الحكومية والمصرفية والصحية إلى التطبيقات والمنصات الإلكترونية، أصبحت المهارات الرقمية جزءاً من القدرة على إدارة تفاصيل الحياة اليومية. فحجز المواعيد، وسداد الفواتير، ومتابعة الحسابات، والحصول على الخدمات، تتطلب معرفة بالأجهزة والتطبيقات وإجراءات التحقق الإلكتروني.

وتتجاوز الإشكالية صعوبة استخدام الهاتف إلى أبعاد نفسية واجتماعية أكثر تعقيداً. فالمسن الذي اعتاد إنجاز معاملاته بنفسه، قد يجد أنه أصبح بحاجة إلى مساعدة أبنائه أو أقاربه في إجراءات كانت تقع ضمن استقلاله الشخصي، ما يخلق شعوراً بتراجع القدرة على التحكّم في تفاصيل حياته.

وتبرز الخصوصية بوصفها تحدياً إضافياً؛ إذ قد يضطر بعض كبار السن إلى مشاركة بيانات حسّاسة أو رموز تحقق مع الآخرين لإنجاز معاملاتهم، الأمر الذي يفتح الباب أمام مخاطر أمنية واحتيالية.

لكن تحميل كبار السن مسؤولية مواكبة التقنية وحدهم، يغفل جانباً أساسياً من المشكلة. فالتصميم الرقمي، الذي يفترض امتلاك جميع المستخدمين المهارات والسرعة والقدرات البصرية والحركية نفسها، يعكس قصوراً في فهم اختلاف حاجات المجتمع.

وتتطلب المعالجة واجهات أكثر وضوحاً، وخطوات أقل تعقيداً، وخيارات للمساعدة البشرية، إلى جانب برامج تدريب تراعي حاجات كبار السن وتحفظ استقلالهم.

وتكشف هذه الفجوة، أن نجاح التحوّل الرقمي يتجاوز عدد الخدمات المتاحة إلكترونياً وسرعة إنجازها، إلى قدرة مختلف فئات المجتمع على استخدامها باستقلال وأمان. فالتقدّم التقني الذي يختصر الطريق أمام الأغلبية، مطالب أيضاً بألا يجعل الوصول إلى الخدمات الأساسية أكثر تعقيداً للفئات التي تحتاج إليها.