كشفت دراسة أمريكية واسعة النطاق نتائج واعدة لعلاج بسيط ومنخفض التكلفة قد يُحدث تحولًا في علاج تسوس الأسنان لدى الأطفال الصغار، إذ أظهر سائل يُعرف باسم فلوريد الفضة ثنائي الأمين (Silver Diamine Fluoride - SDF) قدرة على إيقاف تطور التسوس دون الحاجة إلى الحفر أو الحقن أو التخدير.

ونشرت الدراسة في مجلة JAMA Pediatrics، وقادها باحثون من جامعة ميشيغان، لتوفر لأول مرة أدلة سريرية واسعة داخل الولايات المتحدة قد تمهد الطريق لاعتماد العلاج رسميًا من قبل هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) لعلاج تسوس الأسنان.

مشكلة صحية تؤرق آلاف الأطفال

ويُعد تسوس الأسنان أكثر الأمراض المزمنة شيوعًا بين الأطفال، حيث يصيب أكثر من 40% من الأطفال في الولايات المتحدة.

ويتسبب عدم علاج التسوس في آلام شديدة، والتهابات متكررة، وصعوبة في تناول الطعام والنوم، فضلًا عن التغيب عن الدراسة وزيادة الحاجة إلى الرعاية الطبية.

كما ينقل تسوس الأسنان آلاف الأطفال سنويًا إلى أقسام الطوارئ، لكن أطباء المستشفيات غالبًا لا يستطيعون علاج السبب الأساسي للمشكلة، ما يضطر بعض الأطفال لاحقًا إلى الخضوع لجراحات الأسنان تحت التخدير العام.

علاج في ثوانٍ

يعتمد العلاج الجديد على وضع كمية صغيرة من سائل فلوريد الفضة ثنائي الأمين مباشرة على السن المصاب باستخدام أداة إسفنجية صغيرة، وهي عملية لا تستغرق سوى ثوانٍ معدودة لكل سن.

وعلى عكس العلاج التقليدي الذي يتطلب إزالة الجزء المتضرر من السن ووضع حشوة، يعمل هذا السائل على وقف نشاط التسوس دون إزالة أي جزء من السن.

وقالت أستاذة طب الأسنان في جامعة ميشيغان الباحثة الرئيسية في الدراسة الدكتورة مارغريتا فونتانا: «إنه علاج آمن وفعال للغاية، حتى للأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم عامًا واحدًا».

تجربة على أكثر من 800 طفل

وشملت الدراسة 830 طفلًا تقل أعمارهم عن 6 سنوات، جرى اختيارهم من عيادات الأسنان وعيادات الأطفال وبرامج الرعاية المبكرة في ولايات ميشيغان ونيويورك وآيوا، وتلقى الأطفال علاجًا بسائل SDF بتركيز 38% كل 6 أشهر.

وأظهرت النتائج أن العلاج نجح في إيقاف تطور التسوس في أكثر من نصف الأسنان اللبنية المصابة لدى الأطفال الذين خضعوا للعلاج.

مناسب للفئات الأكثر صعوبة

وأشار الباحثون إلى أن العلاج قد يمثل خيارًا مثاليًا للأطفال الصغار الذين يصعب علاجهم بالطرق التقليدية، وكذلك لكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقات الجسدية أو الذهنية، والمرضى الذين يعانون خوفًا شديدًا من علاج الأسنان.

كما يمكن أن يفيد الأشخاص الذين يواجهون صعوبة في الوصول إلى خدمات طب الأسنان أو لا يستطيعون تحمل تكاليف العلاج التقليدي.

عيب تجميلي

ورغم فعاليته، فإن العلاج لا يخلو من أحد الجوانب السلبية، إذ يؤدي عنصر الفضة إلى تحول الجزء المتسوس من السن إلى اللون الأسود بشكل دائم، وهو ما قد يثير تحفظ بعض المرضى أو أولياء الأمور، رغم أنه لا يؤثر في فعالية العلاج.

خطوة نحو الاعتماد الرسمي

ويستخدم أطباء الأسنان في الولايات المتحدة هذا العلاج منذ عام 2014 بصورة محدودة وخارج نطاق الترخيص الرسمي، بعد اعتماده في الأصل كوسيلة لتخفيف حساسية الأسنان، بينما يُستخدم منذ عقود في عدد من دول العالم لعلاج التسوس.

لكن الباحثين أكدوا أن الدراسة الحالية توفر لأول مرة بيانات سريرية قوية تثبت سلامة العلاج وفعاليته، وهو ما قد يساعد الشركة المنتجة على التقدم بطلب رسمي للحصول على موافقة هيئة الغذاء والدواء الأمريكية لاستخدامه كدواء لعلاج تسوس الأسنان.

وقال أستاذ طب أسنان الأطفال بجامعة نيويورك أحد الباحثين المشاركين في الدراسة الدكتور عمر مرسي إن اعتماد العلاج رسميًا قد يسهم في توسيع استخدامه داخل العيادات، وتحسين تغطية شركات التأمين لتكاليفه، وضمان جودة المنتجات المتداولة في الأسواق.

حل مؤقت أو دائم

وأوضح الباحثون أن إعادة تطبيق العلاج كل عدة أشهر قد يسمح بالسيطرة على التسوس لدى الأطفال حتى سقوط الأسنان اللبنية طبيعيًا، بينما يمكن استخدامه لدى البالغين كعلاج طويل الأمد أو كحل مؤقت إلى حين إجراء الحشوات أو العلاجات الترميمية.

وأكدت فونتانا أن العلاج يمكنه في كثير من الحالات إيقاف التسوس، والحد من العدوى، وتخفيف الألم، ما يجعله خيارًا واعدًا لتحسين صحة الفم لدى ملايين الأطفال والبالغين حول العالم، خصوصًا مع سهولة تطبيقه وانخفاض تكلفته مقارنة بالعلاجات التقليدية.