بين مشاهد الاستعراض الجريء وصوت المزارق الخاطفة، لم يعد ظهور التماسيح على ضفاف نهر النيل في السودان مجرد حدث عابر يلفت أنظار المارة، بل تحول إلى ظاهرة مرعبة ومشاهد تحبس الأنفاس، تكشف حالة من العشوائية المتصاعدة في التعامل مع أحد أشرس المفترسات المائية على وجه الأرض.

بين مقطع فيديو لشاب يلهو بتمساح صغير غير مبالٍ بخطورته، ومقاطع أخرى تُوثق مطاردات دموية بالأسلحة النارية، يُطرح السؤال المنتشر في لشارع السوداني: كيف تحولت ضفاف النهر الخالد إلى مسرح للعبث والرصاص الحي؟

بين الاستعراض باليد.. ورصاص «الكلاشينكوف»!

أثارت المقاطع المتداولة أخيرا على منصات التواصل الاجتماعي حالة واسعة من الجدل والمخاوف، بعدما كشفت عن تناقض صارخ في كيفية التعاطي مع التماسيح النيلية:

  • اللهو باليد: أظهر أحد المقاطع شاباً سودانياً يستعرض بجرأة لهوه، وهو يمسك بتمساح صغير جرى اصطياده حديثاً، ويلهو به أمام عدسة الكاميرا وسط استهانة بالغة بما يمكن أن يسببه هذا الكائن حتى في صغره.
  • مطاردة الكلاشينكوف: في الجانب الآخر، ظهر مواطنون سودانيون في مشاهد أخرى وهم يستهدفون تمساحاً يطفو فوق سطح المياه عبر إطلاق زخات من رصاص الكلاشينكوف للفتك به، في المشهد الذي يعكس حالة الرعب والخوف من هجماته المفاجئة.
  • تحذيرات الصيادين: يأتي ذلك بعد حادثة صيد شباك علق بها تمساح ضخم، حيث سارع الصياد لتوجيه نداءات عاجلة للأهالي بالابتعاد عن الشواطئ بسبب الانتشار الكثيف للمفترسات.

تتزامن هذه الظاهرة مع حالة فزع حقيقية عاشها الأهالي، عقب الحادثة المؤلمة التي أودت بحياة المواطن السوداني عمر محمد عبد الخالق إثر هجوم تمساح غادر ب«جزيرة صاي» بشمال البلاد.

هذا التعامل العشوائي المزدوج (بين اللعب غير المحسوب والرصاص الحي) دفع الخبراء لدق ناقوس الخطر، إذ يرى علماء البيئة أن الموقف يهدد بكارثة مزدوجة تسلب الأهالي أمانهم وتدفع هذا الكائن التاريخي نحو حافة الانقراض.

وفي حديث صحفي، كشف الباحث بمركز أبحاث الحياة البرية الدكتور إسماعيل الصادق سليمان عن أرقام صادمة تعكس الانهيار الصامت لأعداد التماسيح: «تقديرات الأمم المتحدة في سبعينيات القرن الماضي كانت تشير إلى وجود نحو مليون تمساح في النيل، بينما كشفت مسوحات ميدانية حديثة أن أعدادها انخفضت بشكل حاد لتصل إلى نحو 2350 تمساحاً فقط».

وأوضح الخبير البيئي أن التمساح النيلي يحتاج ما بين 8 إلى 10 سنوات ليصل لمرحلة النضج، ولا ينجو سوى 1 إلى 3 صغار فقط من كل 100 بيضة، مما يعني أن قتل تمساح واحد اليوم بالرصاص قد يحتاج نصف قرن لتعويضه.

بين الأمان والتوازن البيئي.. كيف نوقف الكارثة؟

يجزم المختصون بأن حل الأزمة لا يكمن في «تصفية التماسيح ببنادق الكلاشينكوف» ولا في «اللهو بها»، بل في استراتيجية حازمة تجمع بين حماية أرواح الأهالي وصون التوازن البيئي للثروة السمكية:

  • الإمساك والعزل: نقل التماسيح التي تشكل خطراً مباشراً على المناطق السكنية إلى محميات وأحواض مخصصة للاستفادة منها علمياً.
  • تأمين الشواطئ: وضع لوحات إرشادية وتأمين مناطق السباحة، مع إيجاد بدائل آمنة للأهالي كالأحواض والمستحمات المجهزة.
  • حظر الصيد العشوائي: تفعيل القوانين الرادعة لمنع استخدام الأسلحة النارية في النهر وتجريم الاستعراض بالكائنات المفترسة.