الدكتور عبدالمحسن معيض الحربي بصمة قيادية في العمل الخيري والتنموي في القطاع غير الربحي بالمدينة المنورة، ويشغل منصب نائب رئيس مجلس الجمعيات الأهلية، والأمين العام لجمعية تكافل لرعاية الأيتام، وعمل على تطوير العمل الخيري ودعم الأيتام، بالإضافة إلى توليه الأمانة العامة لوقف الشفاء، ما يجسد التزامه بالتكافل الاجتماعي والتنمية المستدامة، بفضل خبرته في فنون ومهارات الإدارة الناجحة. يُعد الحربي قيادياً مؤثراً في العمل الإنساني، إذ أسهم في تطوير المبادرات الخيرية وتعزيز الشراكات لخدمة المحتاجين.

نموذج الاستدامة

• كيف تقيّمون مستوى تطور قطاع الأوقاف والقطاع غير الربحي في توسيع مفهوم البذل، وما الذي تعملون عليه لتعزيز التحول في مجالات رعاية الأيتام والخدمات الصحية؟

•• من نعم الله علينا في هذا البلد المعطاء، أن البذل متأصل في نفوس أبناء هذا الوطن وزواره، خصوصاً للفئة التي تخدمهم تكافل، ومع هذا البذل والعطاء حرصنا منذ بداية انطلاق أعمال الجمعية على تأسيس نموذج يهتم بالاستدامة والعمل المؤسسي، وينقلنا من مرحلة الاجتهادات الفردية والعاطفية إلى مرحلة العمل المؤسسي المنظم، فنحن في تكافل وسَّعنا مفهوم البذل ليشمل «التمكين» وليس فقط «الإغاثة»، إذ عملت تكافل وفريقها المبدع على تعزيز هذا التحول من خلال رقمنة التبرع وحوكمته وتخصيص جزء منه للاستدامة واستحداث برنامج غير تقليدي للوقف وفتح مسارات التطوع الاحترافي ليشارك الطبيب والمهندس والمعلم بخبراتهم، ما يعظم العائد الاجتماعي للتبرع ويحقق استدامة أعمق من مجرد سلة غذائية تنتهي بانتهاء الشهر، ولدينا بفضل الله نموذج ناجح جداً ونفخر به ونسعد بتقديمه للجميع.

الشفافية المطلقة

• ما أبرز التحولات التي شهدها قطاع الأوقاف والقطاع غير الربحي في المملكة خلال الأعوام الأخيرة على مستوى الحوكمة والاستدامة، خصوصاً في الجمعيات المتخصصة بالرعاية الاجتماعية والصحية؟

•• شهدنا قفزة نوعية بفضل الله ثم بفضل رؤية المملكة الطموحة. يقود هذه القفزة المركز الوطني للقطاع غير الربحي، ولعل من أبرز هذه التحولات هي الشفافية المطلقة، والامتثال للمعايير العالمية في الحوكمة، والتنافس الكبير بين الجمعيات في المملكة لحصد جوائز التميز وجوائز الجودة والامتثال، فالقطاع غير الربحي أصبح ينافس القطاع الخاص في جودة الأداء، والانتقال من الاعتماد على التبرعات النقدية المتقطعة إلى «الاستثمار الاجتماعي» والأوقاف النوعية. وفي الجانب الصحي، أصبحت الأوقاف المخصصة للرعاية الصحية والجمعيات المتخصصة تسند النظام الصحي وتسد فجوات دقيقة فيه وتتكامل معه لا لتنافسه، ولعل نموذج وقف الشفاء الصحي خير شاهد على ما أتحدث عنه وعلى ما يشاهده القطاع من تطور كبير ضمن مستهدفات رؤية المملكة.

• من واقع تجربتكم، أين تكمن الفجوة الأكبر اليوم داخل هذا القطاع؛ في القيادات التنفيذية، أم في نماذج التمويل المستدام، أم في قياس الأثر على المستفيدين؟

•• نجح القطاع في جلب التمويل وطوّر قيادات تنفيذية نفخر بها وعمل على خطط وإستراتيجيات ومستهدفات وحوكمة، وأعتقد أن القطاع ما يزال لديه التحدي في الأثر وطريقة قياسه بإيجاد أدوات قياس أثر أكثر دقة لتبين ماذا حققنا من تغيير سلوكي وتنموي في المستفيد من القطاع غير الربحي ومدى استجابته للتغيير والتحول إلى عنصر منتج وداعم.

تحقيق التوازن

• في ظل تنوع الأوقاف واتجاهها إلى خدمات اجتماعية وصحية كالرعاية والكفالة والعلاج المجاني، هل يواجه القطاع صعوبة في تحقيق التوازن بين تعظيم الأثر الإنساني والاستقرار المالي، والمحافظة على رسالته الأساسية؟

•• نعم التحدي موجود، لكن تحقيق التوازن ممكن إذا أُدير بعقلية مؤسسية واضحة من ناحية التصميم والحلول المختلفة، وأن يكون القرار الإنساني محكوماً بإطار مالي واضح، وأن يكون القرار المالي يحقق الأهداف المرجوة ورسالة الجمعية أو الوقف وأهدافه.

في تكافل مثلاً لدينا تجربة ناجحة في إيجاد أصول وقفية مبتكرة ومنتجة نصرف من ريعها ونعمل على تعظيم أثرها، وهذا أعطانا استقراراً ونعمل بكل جهد للوصل إلى الاستدامة المالية.

لدينا أيضاً نموذج وقف الشفاء الصحي يقدّم زاوية مكملة في الجانب الصحي في مكة المكرمة والمدينة المنورة فهو لا يكتفي بتغطية العلاج، بل يعمل على بناء منظومة صحية تنموية تشمل الوقاية والتوعية وتطوير المؤسسات وتأهيل الكوادر، وهذا يخفف الضغط المالي على المدى الطويل.

رعاية غير السعوديين

• في ظل تصاعد دور القطاع غير الربحي كشريك تنموي ضمن مستهدفات الاقتصاد الوطني، كيف تقيّمون إسهامكم في الرعاية الصحية لغير السعوديين من ضيوف الرحمن، وهل لمستم تحولاً ملموساً في جودة الحياة للمستفيدين نتيجة هذه الجهود؟

•• بفضل الله وبتوفيقه ثم بدعم رئيس مجلس نظارة وقف الشفاء الصحي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز، سجّل الوقف نجاحات كبيرة في تمكين الوصول إلى الخدمات الصحية للفئات الأشد احتياجاً من غير السعوديين ومن ضيوف الرحمن ضمن نموذج وقفي تشغيلي مستدام قائم على الشراكات المتخصصة، فقد قدّم الوقف خلال العام الماضي 3,554 خدمة صحية، استفاد منها 2,579 مستفيداً، محققاً نسبة رضا بلغت 96%، وبمتوسط زمن انتظار لا يتجاوز خمسة أيام، وشملت الخدمات أكثر من 39 جنسية، وتوزعت على تخصصات دقيقة تضمنت العمليات الجراحية بنسبة 45%، وطب وجراحة العيون بنسبة 35%، وعلاج الأورام بنسبة 10%، وخدمات غسل الكلى بنسبة 7%، إضافة إلى تخصصات أخرى بنسبة 3%، بما يعكس تركيزاً على الحالات الأعلى أثراً والأكثر احتياجاً. وفي المدينة المنورة، واصل مستشفى السلام الوقفي أداءه بكفاءة عالية خلال عام 2025، حيث قدّم خدماته لـ 140,298 مستفيداً بإجمالي 645,696 خدمة صحية وبمتوسط زمن انتظار بلغ 18 دقيقة، مع تشغيل 81 سريراً من بينها 13 سريراً مخصصاً لغسل الكلى و8 أسرة للطوارئ، إضافة إلى خدمات التنويم والعناية المركزة.

بعيداً عن المثالية

• ماذا يعني لكم أن يعود عليكم شهر رمضان وأنتم تعملون في ميادين ترتبط مباشرةً بحياة الأيتام والمرضى؟

•• بعيداً عن المثالية نحن نعمل داخل منظومة مؤسسية متكاملة لها خططها ومؤشراتها والتزاماتها التشغيلية، لكني دائماً أقول للزملاء، إن يختارك الله لخدمة أيتام المدينة في شهر الرحمة فهذا اصطفاء عظيم ومسؤولية مضاعفة.

رمضان بالنسبة لنا يعني أن نرفع مستوى الجاهزية وأن نضاعف جهودنا لنكون بحجم تطلعات المستفيدين، وأن نكون في الوقت ذاته عند ثقة أهل البر والإحسان، فنؤدي الأمانة كما ينبغي ونوصل ما يقدمونه من تبرعات وزكوات إلى مستحقيها بدقة وانضباط وفي الوقت المناسب دون تأخير وبأفضل طريقة ممكنة.

• هل يتغيّر برنامجكم اليومي في رمضان، وكيف توفّقون بين الإدارة والمتابعة الميدانية خلال هذا الشهر؟

•• في رمضان يرتفع إيقاع العمل، لكننا نعمل وفق خطة سنوية بمؤشرات وحوكمة واضحة ينفذها فريق متميز لكل واحدٍ منهم دوافعه الداخلية التي تجعله يستشعر قيمة ما يقوم به.

ومع دخول الشهر الفضيل نكون قد أكملنا جاهزيتنا بفترة كافية من حيث التنسيق مع الشركاء وتوزيع الأدوار داخل الفرق وخطة تنفيذية متكاملة، لذلك تسير الأعمال بسلاسة وانضباط.

التركيز في هذا الشهر يكون على سرعة الإنجاز وجودة التنفيذ، مع متابعة يومية دقيقة تضمن أن كل برنامج يصل إلى مستحقيه في وقته دون ارتباك أو تأخير وبما يحفظ ثقة الداعمين والمستفيدين.

• ما برنامجكم الرمضاني من الفجر إلى السحور على المستوى الشخصي والمؤسسي؟

•• برنامجنا في رمضان يقوم على الانضباط واستثمار الوقت سواء على المستوى الشخصي أو المؤسسي، يبدأ اليوم بترتيب الأولويات ومتابعة ما يرتبط بالالتزامات المباشرة ويستمر بمتابعة سير الأعمال وضمان انتظامها.

جملة قصيرة

• ما أبرز موقف إنساني مرّ بكم في مسيرتكم مع الأيتام أو المرضى وما زال يؤثر في قراراتكم اليوم؟

•• المواقف كثيرة، لكن من أكثر ما بقي حاضراً في الذهن عبارة كتبتها إحدى بناتنا بعد رحلة عمرة نظمناها لأبنائنا وأمهاتهم، ونحرص دائماً على تقييم البرامج وطلب آرائهم حول الخدمة، فكتبت في نموذج التقييم «عدتُ لماضٍ كنت أعيشه مع أبي».

كانت جملة قصيرة لكنها أسعدتنا كثيراً، لأنها لخصت واحداً من أهم أهدافنا التي نسعى لها مع الكفلاء والداعمين، وهو إعادة جزء من شعور افتقده اليتيم وهذا هاجس دائم لنا في تكافل، ولدينا نماذج كثيرة لأبناء وبنات وصلوا بعد سنوات من الرعاية والتمكين إلى وظائف مرموقة كأطباء ومهندسين وغيرهم، وأصبحوا اليوم داعمين لبرامج تكافل ومشاركين في رسالتها.