يمثّل تعليم الطلاب والطالبات من ذوي الإعاقة السمعية واضطرابات النطق محوراً جوهرياً في مسار تطوير منظومة التعليم الشامل، نظراً لما تحتاجه هذه الفئة من أساليب تربوية دقيقة تضمن لهم حقهم في التعلم المتكافئ. ومع تنامي وعي المجتمع بأهمية التعليم في تمكينهم ودمجهم، ارتفعت مطالبات أولياء الأمور بضرورة إسناد تعليم أبنائهم إلى معلمين يمتلكون الكفاءة العلمية والخبرة العملية في التعامل مع احتياجاتهم اللغوية والتواصلية. فالمعلم غير المتخصص، مهما كانت خبرته العامة، قد يعجز عن توفير البيئة التعليمية المناسبة التي تراعي خصوصية هذه الفئة، بينما يشكّل المعلم المتخصص حلقة الوصل الأساسية التي تفتح أمامهم أبواب الفهم والمشاركة والنمو. ومن هنا تتأكد أهمية الاستثمار في الكوادر المؤهلة لضمان تعليم فعّال يحقق العدالة ويعزّز فرص النجاح لجميع المتعلمين.

عدد من أولياء الأمور تحدثوا إلى «عكاظ»، مؤكدين حاجتهم للمعلم المتخصص؛ إذ أشار محمد العتيبي، إلى أن ابن أخيه يعاني اضطراب النطق وما زال يتلقى تعليمه دون وجود مختص. فيما لفت عبدالله حكمي، إلى أن دمج الطلاب من ذوي الإعاقة السمعية مع أقرانهم الأصحاء، في ظل غياب المعلمين المتخصصين والمناهج المكيّفة، أدّى إلى إشكالات تعليمية ونفسية انعكست سلباً على تحصيلهم الدراسي وتطورهم اللغوي. وقال ناصر علي: إن طفلته في المرحلة الابتدائية تعاني من صمم تام وتمّت زراعة قوقعة لها، ورغم اهتمام المدرسة والمدرسات بحالتها إلا أنها تشتكي من عدم سماع صوت المعلمة أثناء الشرح لبعد موقعها في الفصل، كما تشتكي من صعوبة مجاراة زميلاتها في الاجتهاد والحفظ.

وأكد آخرون أهمية كفاءة برامج الدمج، وضرورة استيعاب تعيينات مختصي التربية الخاصة لضمان تعليم عادل ونوعي يراعي الفروق الفردية، ويكفل لهذه الفئة حقها في بيئة تعليمية مهيأة ومنصفة.

8 سنوات من الانتظار

عدد من خريجي وخريجات التربية الخاصة -مسار تدريبات النطق واضطرابات النطق واللغة- أوضحوا أنهم تخرجوا منذ نحو 8 سنوات، ولا يزال التخصص مغلقاً رغم الحاجة الماسة إليه في الميدان التعليمي، مشيرين إلى أن أدوارهم تُسند في كثير من الأحيان إلى غير المتخصصين من مسارات أخرى، ما يؤثر على جودة الخدمات التعليمية المقدمة للطلاب.

فتح التعيينات لسد الاحتياج

في المقابل، أكد مختصون لـ«عكاظ»، أهمية فتح التعيينات في هذا التخصص الحيوي لسد الاحتياج بكفاءة عالية، وضمان تقديم خدمات تعليمية وعلاجية متكاملة للفئات المستهدفة.

شروط الدمج وأهمية الكوادر

من جانبها، أكّدت المديرة السابقة للجمعية السعودية للإعاقة السمعية بجدة الهنوف الفارسي، أن تعيين كوادر مؤهلة ومتخصصة في تعليم ذوي الإعاقة السمعية يُعد عنصراً جوهرياً لنجاح تعليمهم. وأوضحت أن المعلم المتخصص يمتلك مهارات التواصل بلغة الإشارة، ويفهم احتياجات الطلاب النفسية والتعليمية، ويستطيع تكييف المناهج بما يتناسب مع قدراتهم، بينما يؤدي إسناد تدريسهم لغير المختصين إلى تراجع تحصيلهم وثقتهم بأنفسهم. وأضافت أن وجود معلم أو مساعد تعليمي من نفس الفئة يسهم في تعزيز التواصل وبناء الثقة، ويشكل قدوة إيجابية للطلاب. وأكدت أن الدمج الناجح يتطلب بيئة تعليمية داعمة تشمل معلمين متخصصين، ومترجمي لغة إشارة، ومناهج مكيّفة، وتوعية مجتمعية داخل المدرسة، مشيرة إلى أن الاستثمار في الكوادر المتخصصة هو استثمار في مستقبل هذه الفئة وحقها في تعليم عادل ومتكافئ.

أبرز الاحتياجات في الميدان التعليمي

بدوره، قال مدرب ومترجم لغة الإشارة الدكتور محمد سعد الطخيس، إن أبرز الاحتياجات اللازمة لهذه الفئة تتلخص في ثلاثة محاور رئيسية: أولاً: التجهيزات المدرسية، وتشمل مباني مهيأة تتناسب مع نوع الإعاقة (ممرات آمنة، أرضيات مناسبة، إضاءة جيدة، عزلاً صوتياً، صالات رياضية، قاعات تدريب)، وتوفير وسائل تعليمية وتقنية مساندة مثل الشاشات التفاعلية، الوسائل البصرية، الأجهزة السمعية، والمواد المحسوسة، إضافة إلى تجهيز ساحات وأنشطة مدرسية آمنة تعزز الصحة النفسية والجسدية، وتقليل الكثافة الصفية في مدارس الدمج الكلي. ثانياً: كفاءة التدريس، وتتمثل في تدريب تخصصي مستمر للمعلمين في مجال التربية الخاصة، وتمكينهم من إستراتيجيات التعليم المتمايز والتقويم البديل وأساليب التواصل المناسبة، وتعزيز الجانب التطبيقي في الدورات التدريبية وربطه بالواقع، ودعم المعلم نفسياً ومهنياً وتخفيف الأعباء الإدارية. ثالثاً: المخرج التعليمي، ويتمثل في إعداد مقررات تتناسب مع قدرات الطلبة واحتياجاتهم، والتركيز على المهارات الحياتية، وبناء خطط تربوية فردية فعّالة، خصوصاً للطلاب ذوي الإعاقات المتعددة، وتعزيز الشراكة بين المدرسة والأسرة والجهات الداعمة، وإتقان لغة الإشارة بشكل إلزامي لكل من يعمل مع فئة الصم، إضافة إلى دور الجهات التعليمية في تذليل الصعوبات التي تواجه المعلم.

القلق النفسي وضغوط الأسرة

الإخصائية النفسية أمل الجهني، أوضحت أن نقص معلمي الإعاقة السمعية واضطرابات النطق لا يضعف التحصيل الدراسي فقط، بل يضع الأسرة تحت ضغط صامت. فالطفل لا يجد من يفهم احتياجاته داخل المدرسة، مما يثير قلق الأهل مبكراً على مستقبله، وتتحوّل الأيام الدراسية إلى مصدر خوف بدلاً من الأمل. ومع غياب الدعم التخصصي، تلجأ الأسر إلى مراكز خاصة بتكاليف مرهقة، فيتحول التعليم من حق مكفول إلى عبء اقتصادي. وأضافت الجهني أن الطفل قد ينسحب اجتماعياً أو يُظهر سلوكيات اندفاعية أو لعباً خشناً، ليس لرفضه الآخرين، بل لأنه لا يستطيع التعبير عما بداخله، مؤكدة أن وجود المعلم المتخصص ليس تفصيلاً تعليمياً، بل هو دعم إنساني يحمي استقرار الأسرة ويمنح الطفل فرصة عادلة ليشعر بأنه مفهوم ومسموع.

تعديل المناهج وتوحيد المسارات

قال رئيس مجلس إدارة جمعية زراعة القوقعة «اسمعك» نايف الوسمي: إن الإعاقة السمعية تُعدّ من أهم الإعاقات لارتباطها المباشر بالنطق، فالإنسان غير السامع لا يستطيع الكلام، ولهذا ورد ذكر السمع في القرآن الكريم أكثر من باقي الحواس. وأشار الوسمي، إلى أن وجود مختصين في الإعاقة السمعية من خريجي التربية الخاصة أمر ضروري لما يمتلكونه من دراية شاملة في التعامل مع ضعاف السمع وزارعي القوقعة. وبيّن أن هناك فجوة واضحة بين التأهيل الطبي والتربوي؛ فالمعاق سمعياً يجد اختلافاً في طرق التدريب بين المراكز الصحية والمراكز التعليمية، ما يستدعي دمج التخصصين في مسار واحد يجمع بين الجانبين الطبي والتربوي. وأكد الوسمي، ضرورة وجود برنامج مشترك بين وزارتي التعليم والصحة لتأهيل مختصين قادرين على تقديم تعليم نوعي يتجاوز الحواجز التواصلية، ويضمن تكافؤ الفرص التعليمية للطلاب. كما دعا إلى تعديل المناهج الدراسية لتناسب الخصائص المعرفية للصم، والتركيز على الوسائط البصرية لتبسيط المفاهيم المجردة، ومعالجة الفجوات اللغوية، وتعزيز التوافق الوجداني والاجتماعي للطالب، إضافة إلى أهمية دور المعلم في أن يكون حلقة وصل بين المدرسة والأسرة.

ضوابط البدل وتوضيحات الوزارة

من جهتها، أكّدت وزارة التعليم، ضمن «ضوابط صرف بدل التربية الخاصة»، أنه يجب استيفاء معلم العوق البصري والسمعي نصابه التدريسي قبل تكليف معلم غير متخصص بتدريس طلاب العوق البصري والسمعي في المواد التي لا يمكنه تدريسها، مثل الرياضيات والإنجليزي. وأوضحت الوزارة، أنه عند الحاجة، يُكلف معلم غير متخصص بتدريس هذه المواد تحقيقاً للمصلحة التعليمية للطلاب، ويُصرف له بدل بنسبة 20%. كما بيّنت الوزارة أن المدرسة تُعامل معاملة الدمج المكاني إذا كان الفصل يضم 100% من الطلاب ذوي الإعاقة، بينما تُعامل كدمج كلي إذا كان الطلاب مدمجين مع طلاب التعليم العام. وأضافت أن المعلم الذي يباشر تدريس العوق البصري أو ضعاف السمع في غرفة المصادر يُعامل كمعلم غير متخصص فيما يتعلق بالمواد التي لا يمكن لمعلم التربية الخاصة تدريسها.

عزلة واختلاف

من جانبها، قالت الأخصائية الاجتماعية آمال عبدالقادر: إن هذا الوضع يؤدي اجتماعياً إلى ارتفاع مستوى القلق لدى الوالدين بشأن مستقبل أبنائهم وقدرتهم على الاندماج المجتمعي، ويضعف الثقة في كفاءة المنظومة التعليمية، كما تتأثر العلاقة بين الأسرة والمدرسة، إذ تتحول الأسرة من شريك داعم إلى طرف مطالب دائماً بتعويض القصور. وأشارت إلى أن عدم تلقي الطفل التعليم المناسب في بيئته الطبيعية يعزز شعوره بالعزلة والاختلاف، ويحد من فرص تنمية مهاراته التواصلية والاجتماعية، مما يجعل القصور في التعيينات المتخصصة تحدياً اجتماعياً يمس استقرار الأسرة وجودة حياتها.