-A +A
محمد رضا لاري
حينما أعود بالذاكرة إلى أيام حياة والدي رحمه الله، وأقارنها بحياتنا فيما بعد دونه، أجد فراغاً كبيراً تركه لنا، لكن في نفس الوقت أجد الكثير من المبادئ التي زرعها في نفوسنا، فقد كان قريباً جدّاً منّا رغم أشغاله الكثيرة وأسفاره الكثيرة أيضاً.

كان أبي أباً ديموقراطياً يناقشنا وكان يسمح لنا بالاختلاف مع رأيه وكان دائماً يقول كلموني بالمنطق وبالعقل.

وكان دائماً يعطينا الكثير من نصائحه وتوجيهاته، ففي مرة من المرات سألته من أعز أصحابك، فأخرج المحفظة وأخرج لي ٥٠٠ ريال، وقال لي: «دي أعز أصحابي» أحسست وقتها أن لكلمته هذه مغزى، وليست مجرد رسالة توجيه لنا، وها نحن نلاحظ إن هذا هو السائد لدى الناس جميعهم، حيث تعيش المجتمعات الآن حالة من الاستقلال عن الآخرين، فمن احتاج أو أراد عمل شيء معين وليس لديه المال سيذهب إلى البنك ليقترض إذا لم يكن يملك مالاً، بعد أن كان الناس يقترضون من بعضهم، وهذا ما لاحظته ويلاحظه المعاصرون لنا الآن، فلا احد يغامر ويقرض أحداً أو يكفله، وهذا ما عناه أبي بتلك الورقة المالية حينما أخرجها لي.

روى لي أبي أيام شبابه أنه كان في البنقلة (حلقة السمك) مع جدي وكان يشتري بيعة سمك، وكان يكاسر مع البياع.. حينها جاء جدي ودفع للبائع أكثر من المبلغ المطلوب، وقال لأبي «لا تتشطر على البياعين اللي يخافوا على بضاعتهم من الخراب والعطب مع مرور الوقت، اتشطر على التجار الكبار»، وقال لي من يومها لم أكاسر أصحاب البسطات.

كان في الصيف يسافر معنا في بدء مراحل طفولتنا حتى نهاية المرحلة الابتدائية وبعد ارتباطه بالعمل جعل أغلب وقته للعمل والصحافة والمؤتمرات والأسفار الخاصة بالعمل.

كان أبي يكتب مقالاته في مقر جريدة «عكاظ» إلى أن جاء تقاعده، فبعدها صار يكتب في المنزل وفي بعض الأحيان يشاركنا في النقاش عن موضوع المقال قبل الكتابة، وفهمنا من هذا العمل أنه يهدف إلى إطلاعنا على وجهة نظره، وفي بعض الأحيان أشعر أن هناك أهدافاً تربوية لم نعرفها إلاّ بعدما كبرنا، خصوصاً مقالاته الاجتماعية، وأذكر أن آخر مقالة شرع في كتابتها كانت عن أهمية فتح باب المسجد النبوي الشريف للزيارة على مدار الساعة، لكن لتدهور حالته الصحية لم يكمل تلك المقالة.

أبي يرحمه الله محب لأصدقائه، ووفي للصداقة، وقد تأثر جدّاً بوفاة أصحابه عم عدنان سمان وعم عمر كردي وعم يوسف ناغي رحمة الله عليهم جميعاً.

كما كان مدخناً بشراهة كبيرة، وكان سبباً رئيسياً في مرضه، ومن عام 2005 ميلادي بدأ في مشاكل صحية، فقد جاءته أزمة قلبية ونصحه الأطباء بعملية جراحية للقلب، ولكنه رفض بسبب خوفه من العملية الجراحية، وكان خياره ان يقوم بالحمية واستخدام أدوية أمراض القلب، وبالفعل اعتمد عليها، ولكن بدأت تتدهور صحته تدريجياً.

وفي آخر 5 سنوات قل خروجه من المنزل ومن الزيارات الاجتماعية وقنع من السفر ومسليات الحياة، وكان كل اهتمامه بأحفاده حتى أنه كان يقوم بتوصيلهم يومياً المدارس ويردهم منها فقد كان متعلقاً بهم جداً، حتى مرضه الأخير ودخوله المستشفي، وظل فيه سنة يعاني آلاماً مبرحة حتى توفي، تغمده الله برحمته.