أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/372.jpg&w=220&q=100&f=webp

أسامة يماني

سردية الهوية الخليجية

لم تنجح السردية الخليجية في تقديم مفهوم متماسك لما هو خليجي. فهي لم تستوعب التنوع الطبيعي للمجتمعات في المنطقة. بخلاف الهوية العربية التقليدية قبل تعرّضها للتفكيك الذي أصابها نتيجة السردية الغربية التي سرقت تاريخ المنطقة وشوّهت هويتها العربية التي تقوم على وحدة اللغة والتاريخ أكثر من كونها هوية عرقية ضيقة. ولا شك أن التوظيف السياسي الذي استخدمها كأدوات للبقاء، حوّل القومية إلى شعارات، والطائفية إلى هندسة ديموغرافية.

منطقة الخليج لها تاريخ قديم (حضارة دلمون، مجان، الممالك العربية قبل الإسلام، ودور المنطقة في التجارة البحرية)، ولها تاريخ معاصر (الإمارات المتصالحة، الكويت كمركز تجاري، ظهور النفط). المشكلة ليست في غياب التاريخ، بل في الاختيار الانتقائي له وفي توظيفه، وليس في عدم وجوده.

السردية الحالية لا تملك تاريخاً قديماً ومعاصراً في وعيها الذاتي، بسبب الانتقائية والتوظيف السياسي. لأن التاريخ كموضوع وجودي موجود، لكن السردية هي التي تتعامى عنه أو تنتقيه. ولا تكشف السردية الخليجية عن تنوع مجتمعات المنطقة وجغرافيتها وامتدادها بين بحر وصحراء، وتنوعها الطبيعي الزراعي والاقتصادي والاجتماعي. إن اختزال المنطقة في تسمية الخليج، واستبعاد الامتدادات الطبيعية نحو بحر العرب والمحيط الهندي، جعل السردية متجزئة وفقيرة، منغلقة على شريطها الساحلي، مقارنة بالفضاء الثقافي الأوسع الذي كانت المنطقة جزءاً منه.

تعاني الهوية الخليجية من أزمة التأصيل، حيث لم تنجح في ترجمة الماضي، وفشلت في امتلاك المفاهيم الخاصة بالمستقبل. صناعة هوية خليجية تحتاج إلى أسس حقيقية تقوم على أرضية صلبة. السلطة والإعلام وحدهما لا يخلقان هوية خليجية حقيقية، بل ينتجان خطاباً آنياً يذوب بمجرد تغيّر الظروف. الهويات تتشكّل عبر طبقات متعاقبة، وتعيد بناء ماضيها باستمرار. والمشكلة الخليجية ليست في غياب التاريخ، بل في قطيعته مع مرحلة ما قبل النفط، وفي تسطيح السردية الرسمية التي تهمّش الأدوار الثقافية والفكرية والاقتصادية القديمة.

لكن الأخطر من أزمة التأصيل هي أزمة التجربة المعاشة. فالفرد الخليجي اليوم يعيش هوية مزدوجة: هوية رسمية تفرضها المناسبات والأعلام، وهوية يومية تعيش في اللهجة والذاكرة العائلية والممارسات الاجتماعية. وهاتان الهويتان نادراً ما تلتقيان. وهذا الانفصام بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش هو ما يجعل الهوية الخليجية هشّة، لأنها لا تُختبر في التفاصيل اليومية، بل تُستهلك في الاحتفالات.

ليست هذه الأزمة حكراً على الخليج. فقد عانت دول أخرى من قطيعة مشابهة بين الماضي والحاضر، مثل تجربة المكسيك بعد الثورة، أو تجربة الهند ما بعد الاستعمار، أو حتى تجربة أوروبا الشرقية بعد انهيار الكتلة السوفياتية. لكن الفارق أن تلك التجارب أنتجت خطاباً نقدياً ومؤسسات بحثية وأدباً وسينما حاولت إعادة بناء الجسور بين الماضي والمستقبل. أما في الخليج، فالسردية الرسمية ما زالت تتعامل مع النقد باعتباره تهديداً، لا كأداة بناء.

السردية الخليجية لا تعاني من غياب التاريخ، بل من تسييس الذاكرة وإخضاعها لبراغماتية السلطة. وهي ليست فقيرة التنوع بقدر ما هي مهملة التنوع في خطابها الرسمي. والحل ليس في رفض المشروع الخليجي فقط، بل في تعميقه بمراجعة نقدية تعيد الاعتبار للتواريخ المحلية، وللمفكرين والأدباء، وللتجارب الاجتماعية قبل النفط، وللعلاقة بالفضاء العربي والإسلامي الأوسع.

00:00 | 7-08-2026

الهوية العربية والسردية

تأثرت الهوية العربية بالغرب مع حملة نابليون (1798)، ثم حركة التنوير العربية (رفاعة الطهطاوي، خير الدين التونسي). وفي مطلع القرن العشرين، عانت الهوية العربية كثيراً من استبطان السردية الغربية، حيث تم نقل كافة المشاكل والعناصر التي عانى منها الغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ الأمر الذي أدى إلى اندلاع الحربين العالميتين. وهكذا تم تصدير فكرة القومية والطائفية والمذهبية إلى العالم العربي الذي خرج من تحت الاحتلال العثماني ثم الاحتلال الأوروبي.

إذ إن العديد من النخب العربية في مرحلة النهضة تأثرت بشكل عميق بالصراعات الأوروبية (كالصراع بين الكنيسة والدولة، والصراعات القومية)، وترجمت تلك الإشكاليات إلى واقع عربي لم يكن يعاني منها بنفس الدرجة، مما خلق حالة من «الاغتراب الهوياتي». كما أن الحدود الوطنية التي رسمتها اتفاقيات سايكس-بيكو، إلى جانب توظيف الطائفية كأداة للسيطرة، حوّلت التنوع الطبيعي في المنطقة إلى صراعات حادة، بينما كانت الهوية العربية التقليدية تقوم على وحدة اللغة والدين والتاريخ أكثر من كونها هوية عرقية ضيقة. ولا شك أن التوظيف السياسي الذي استخدمها كأدوات للبقاء، حوّل القومية إلى شعارات، والطائفية إلى هندسة ديموغرافية.

المأزق المعاصر يكمن في صعوبة الخروج من هذه السردية المستوردة، ومن التأصيل؛ لأن إعادة بناء الهوية اليوم تتطلب نقداً ذاتياً للخطاب العربي دون الوقوع في فخ «التبعية» أو «الرفض المطلق»، ونخباً سياسية تنويرية تؤمن بالحاجة الماسة لهذا المشروع الهام.

لذا من الضروري استعادة المنظومة القيمية التي كانت تميّز المجتمعات العربية وتحديثها، وإنتاج خطاب تاريخي عربي ينطلق من خصوصيته دون تجاهل إنجازات الغرب أو صراعاته. من المهم ألا نقع في «مقابل سردي» يختزل المشكلات العربية كلها في المؤامرة الخارجية، فهناك عوامل داخلية (كالفقر، والاستبداد، وضعف المؤسسات) ساهمت في تعميق تلك الأزمات. أزمة التأصيل ليست فشلاً في ترجمة الماضي فقط، بل فشلاً في امتلاك مفاهيمنا الخاصة للمستقبل. فعندما نقول «كيف نوحّد العرب؟» نحن نطرح سؤالاً غربياً (أمة-دولة)، بينما السؤال الأعمق: «كيف نكون عرباً في عالم متعدد الأقطاب؟». الحل ليس في إعادة تدوير التراث، بل في «تأصيل الحداثة»، أي جعل الحداثة تنبع من سياقنا، لا أن نستوردها كمنتج جاهز.

التعليم أحد الركائز المهمة لرسم الهوية العربية، حيث يجب إعادة كتابة المناهج التاريخية بحيث تُعرض الصراعات القديمة (كالفتنة الكبرى) كـ«دروس في إدارة الخلاف» لا كـ«ملاحم بطولية». وعلى الإعلام إنتاج دراما تاريخية تعكس التعايش اليومي لا البطولات الحربية فقط (مثل مسلسلات عن الأسواق القديمة، والرحلات العلمية بين المذاهب). وفي الفقه السياسي، يتعيّن أن نحيي مبدأ «المصالح المرسلة» كآلية لتوليد أحكام جديدة تناسب العصر، بدلاً من الجمود على النصوص أو استيراد قوانين غربية بحذافيرها.

هذه الظلمة أو الدلامة التي تعاني منها الهوية العربية تتعدى ما تمر به من «أزمة ترجمة» حقيقية، حيث تُرجمت مفاهيم غربية في سياقات مختلفة تماماً، إلى أزمة تأصيل. نعم، الهوية العربية لا تعاني من «أزمة ترجمة» فقط، بل من «أزمة تأصيل»؛ أي فشل في ترجمة الماضي إلى لسان الحاضر. الحل ليس في رفض الغرب أو تقليده، بل في امتلاك جرأة الاجتهاد، بأن نطرح أسئلتنا الخاصة (كيف نوحّد العرب؟ كيف نوزع الثروة؟ كيف ندير التنوع؟) ثم نبحث عن أجوبة في تراثنا وتجارب الآخرين معاً، دون عقدة نقص أو شعور بالتفوق. هذا هو الطريق إلى هوية مرنة، لا منغلقة ولا مذابة.

الهوية ليست كنزاً نحميه، بل مشروعاً نبنيه كل يوم. وهذا المشروع يحتاج إلى معماريين (مفكرين)، لا حراس (أيديولوجيين).

00:00 | 31-07-2026

سردية التفوق..

العالم الثالث، أو ما يعرف بالدول النامية، هل هو مصاب بعقدة التخلّف وضحية للسردية الغربية التي تفترض فوقية الغرب وتخلّف العالم الثالث، وتقدّم تفوّق الغرب؟ الواقع يكشف وجود عقدة لدى أغلب مجتمعات دول العالم الثالث. لأن السردية الغربية تكاد لا تترك جانبًا من جوانب الحياة إلا وقد تخلّلته، وأظهرت تفوّقها المنقطع النظير، وطالت الهوية وأنظمة المعرفة المحلية واللغة وخلافها.

الهوية في الدول اللاتينية ذات نسيج معقّد، نتاج صراع وتفاعل مستمرّين بين عناصر متعددة. فأسطورة «التمازج» (Mestizaje) في القرن العشرين، التي روّجت لها النخب، تقوم على فكرة «العرق الكوني» كرمز للوحدة. وهي في واقعها طمس للهويات الأصلية والأفريقية لصالح نموذج «أوروبي» موحّد، وتبرير للتمييز العنصري تحت شعار «الديمقراطية العرقية». لا تزال الهوية في الدول اللاتينية تعاني حتى بعد ما عُرف بـ«التمازج» في أواخر الثمانينيات، حيث تم الاعتراف رسميًا بالتنوع العرقي والثقافي. لكن حتى مع هذا التغيير، لا يزال التسلسل الهرمي العنصري قائمًا.

باختصار، هي هوية «كاليدوسكوبية» (متغيّرة) تعيش حالة توتر دائم بين التمازج القسري، والاندماج، والبحث عن اعتراف بالاختلاف الذي طال إقصاؤه.

في أفريقيا قام المستعمر الأوروبي، خاصة الفرنسي والبلجيكي، بطمس التاريخ، إذ لم يكتفِ باحتلال الأرض، بل أعاد كتابة التاريخ الأفريقي وكأنه يبدأ بوصول الأوروبي. حيث قُدِّمت المجتمعات الأفريقية على أنها «قبلية» و«بدائية» لا تملك دولةً أو حضارةً، رغم وجود ممالك عريقة كـ«غانا» و«مالي» و«صنغاي» ومملكة «كنغو».

سردية «التفوق الغربي» ليست وهمًا، بل هي خطاب استعماري متجدّد. مجتمعات «العالم الثالث» تعيش أثر خطاب راكمته قرون من الهيمنة. لكن المشكلة ليست في الاعتراف بفجوات تنموية حقيقية، فهذا واقع، بل في جعل هذه الفجوات داخل سردية أخلاقية؛ وذلك بتحويل التخلّف من حالة تاريخية (نتاج نهب واستعمار) إلى «جوهر» أو «عقدة نفسية». وهنا تكمن الخدعة: فتصبح الحداثة الغربية معيارًا كونيًا، وأي انحراف عنها مرضًا يحتاج إلى «شفاء» بتقليد أعمى. الاستعمار لم ينهب الموارد فحسب، بل دمّر أنظمة المعرفة المحلية، واستبدلها بأخرى تغيّب الذات.

الخطير في الأمر أن تصبح عقدة التخلّف سببًا رئيسًا في سجن الذات؛ وعندها يصبح استعمارًا للعقول، وهو الأكثر فتكًا. التبعية المعرفية التي تعاني منها مجتمعات العالم الثالث تكمن في استيراد نظريات اجتماعية وسياسية صُمّمت لسياقات أخرى، وتطبيقها كما هي. الاعتراف بأننا نعاني من استبطان الخطاب الغربي لا يعني الاستسلام، بل هو الخطوة الأولى نحو التحرر المعرفي.

المطلوب ليس رفض الغرب جملةً، ولا تقليده، بل نزع الأسطرة عنه، وذلك بتفكيك خطابه كمنتج تاريخي، لا كحقيقة مطلقة، وبناء معرفة محلية تنطلق من هموم المجتمعات الجنوبية ذاتها. واستعادة الهوية ليست برومانسية الماضي، بل بقراءته نقديًا، واستلهام حلول هجينة تليق بالواقع المعقّد.

العقدة حقيقية، لكنها ليست قدرًا؛ فهي نتاج تاريخي للهيمنة، لا طبيعة أزلية. التحرر يبدأ بفك استبطان خطاب الغرب، وبناء معرفة محلية تنطلق من همومنا، لا من مرآته. والمعركة الأخيرة هي تحرير الخيال، ليتوقف العالم عن أن يكون أحادي البعد، ويصبح فضاءً للتعدد والإبداع. الجمال في التنوع والتعدد والألوان التي تجعل الصورة مليئة بالتفاصيل.

00:00 | 24-07-2026

صناعة المعنى

سؤالٌ يستحقُ أن نطرحَه. كيف لنا أن نصنعَ معنىً يتماشى مع هويتنا، معاصراً ومتحرّراً من سياقاتٍ مختلفةٍ نشأ فيها النص وفي ظروفٍ قد تكون مغايرة؟ السؤال الآخر الذي يجب أن يُطرَح: هل نحن مستهلكون أم منتجون؟ لأنه وإن بدا، شكلياً، أننا نتفاعل مع الرموز والمفردات، غير أن ذلك لا يجعلنا شركاءَ في إنتاج الدلالة، لأن صناعة المعنى أبعدُ من مجرد التفاعل مع النص.

جواباً على السؤال الأول: كيف نصنع معنى؟

يتطلب الأمر أولاً التحرر من السياق الأصلي، دون إنكارٍ له أو رفض، بل فهمُه كـ«أرضية»، ثم تجاوزُها من خلال التفكير والتأمل: ماذا يعني هذا لي أنا، هنا والآن؟ إذاً، صناعة المعنى تتطلب التفكير والتحليل والتأمل. فالتعاريف في حد ذاتها ليست محرّرةً من سياقها وتاريخها ومفاهيمها التي نشأت فيه. صناعة المعنى ليست استخراجاً، بل بناءً يحدث في فجوةٍ بين النص والقارئ. وهذه الفجوة هي المساحة للتحرر مما يحتويه المعنى. المنتِجُ يُخضِعُ النصَ لأسئلتِه، لا يخضِعُ نفسَه لأسئلة النص. المنتجُ يجرؤ على قول: «أفهم ما قصدت، لكنّي أختار معنىً آخر».

وهذه الجرأةُ لا تأتي من فراغ، بل من وعيٍ بأن المعنى ليس جوهراً مودَعاً في النص ينتظر من يكتشفه، بل هو حدثٌ يقع بين قارئٍ يقرأ بقلقٍ ونصٍّ يكتبُ بغموض.

إن التحرر لا يعني النسيان، إنما هو عدم جعل السياق الأصلي سجناً، بل مادةً أوليةً تصلح للهدم والبناء. إنها الجرأةُ على معنى آخر. فالمنتج الحقيقي لا يهدم تعسفاً، بل يبني بديلاً مبرراً بأسئلته الخاصة.

وهكذا تكون الهويةُ ليست سجناً يحدد القراءة، بل منجماً يستخرج منه القارئ أسئلته، لا أجوبته. وكلما كان السؤال أعمق، كان البناءُ أكثر تماسكاً، لأن المعنى الصنيع لا يُقاس بصدقه مع النص، بل بصدقه مع روح القارئ.

أما الجواب على السؤال: هل نحن مستهلكون أم منتجون؟

فالجواب: المستهلك يبحث عن إجابة تطمئنه، أما المنتج فيبحث عن سؤال يزعجه.

صناعة المعنى أن لا تكون المتلقيَ الذي يكون حبيسَ السياقات، وزمنِ الماضي، والمفاهيمِ المعرفيةِ غيرِ المعاصرة.

صناعة المعنى أن تُعيدَ المعاني، وأن تُثيرَ الأسئلة، وأن تَبنيَ معنىً يتجاوز المحتوى الموروث، أو المسيطر، أو المختزل.

صناعة المعنى أن تَعرفَ ما ترفض، وأن تَبنيَ ما تهدم، وأن تمتلكَ شجاعةَ إعادةِ النظرِ والبناء، وأن تقولَ «لا أدري» حين تستدعي الحقيقةُ ذلك.

صناعة المعنى ليست فعلاً فردياً محضاً، إنها حوار بين نصٍّ ميتٍ وقارئٍ حيٍّ، بين تاريخٍ جامدٍ وحاضرٍ مائعٍ. وأنت في هذا الحوار لست مستمعاً فقط، بل شريك في تأليف الموسيقى.

فالموسيقى هنا ليست لحناً مكتوباً سلفاً، بل ارتجالةٌ تتشكّل في لحظة القراءة، حيث يتوقف النص عن كونه سلطةً، ويصبح رفيقاً في رحلة التأويل. وهكذا، في كل مرّة نقرأ، نعيد اختراع العالم قليلاً، ونعيد اختراع أنفسنا كثيراً.

00:02 | 17-07-2026

تعليم الفرقة..

التعليم حجر الأساس لأي تطور، وهو المعني بالحفاظ على النسيج الاجتماعي، وتوفير يد عاملة تلبي المخرجات الاقتصادية ومتطلبات السوق. لكن التعليم الديني في بعض المجتمعات يعاني - بالفعل - من أزمة منهجية، حين يُقدَّم التراث الفقهي وكأنه نصوص مقدسة لا تقبل المراجعة، مع إهمال سياقها التاريخي ومقاصدها الكلية. وهذا يحوِّل الخلاف الفقهي من رحمة إلى فتنة، ومن تنوّع إلى تضييق.

مشكلة التعليم في بعض مجتمعاتنا العربية والإسلامية تكمن في أن المجتمع نفسه لديه تصور مفاده أن «تعلم الدين» يعني حفظ الأحكام والمواقف المتشدّدة، وقد يقاوم الآباء أي منهج يبدو لهم «مخففاً» أو «علمانيّاً». كما أن المناهج الحالية لا تستطيع تقديم منتج قادر على التفكير والإبداع، لأن ما تقدّمه للتلاميذ - في بعضه - هو أصل المشكلة. فالخطورة الحقيقية ليست في تعليم الفقه، بل في احتكار تفسيره، وفي ربطه بالهوية السياسية أو الطائفية، مما ينتج أجيالاً تحفظ الخلافات ولا تفهم جوهر الدين القائم على التوحيد والأخلاق.

والقداسة الممنوحة للآراء الفقهية هي لبّ الأزمة، لأنها تجعل الاجتهاد البشري في مرتبة الوحي، وهذا يناقض مقولة الأئمة أنفسهم: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب». فالمشكلة تكمن في تعليم الطلبة أفكاراً وعلوماً من مدارس فقهية تكرّس الفرقة والاختلاف، والخطورة في هذه الفرق أنها تدّعي القداسة، وتملك الحقيقة المطلقة، وتقوم بتفسيق المخالف بل - في بعض الأحيان - تكفيره. فالخلاف الفقهي ليس المشكلة، بل المشكلة في توظيفه كأداة للتفريق. لقد نشأ الفقه الإسلامي غنيّاً بتنوع مدارسه، غير أن التوظيف السياسي أوجد الفرقة.

التعليم الديني بحاجة إلى مراجعة منهجية، تنتقل به من التلقين إلى التفقه، ومن التعصب للمذاهب إلى التعاون على البر والتقوى، مع فصل تدريس التراث الفقهي عن التربية العقدية والأخلاقية التي ينبغي أن تكون جامعة. وينبغي للتعليم العصري أن يعلّم الطالب كيف يفكر لا ماذا يفكر، فيُقدَّم له المذاهب الفقهية كمناهج اجتهاد، مع تدريبه على أدوات النقد والموازنة، وعلى فهم مقاصد الشريعة التي تتجاوز جزئيات الفروع.في رأيي، إن بعض الإصلاحات في المناهج الفقهية لم تتجاوز المشاكل التي يعاني منها التراث الفقهي، فلا يزال التعصب للمذهب قائماً بدلاً من الوحدة، وهذا خلاف للتوجيه القرآني الذي يأمر بالتعاون على البر والتقوى. كما أن التربية المعتمدة ينبغي أن تكون جامعة.

بعض المناهج الحالية قد تسهم في تكريس الفرقة في الوطن الواحد، وهذا واقع مرير، خصوصاً حين تُدرّس التفاصيل الخلافية التي لا تمس ضروريات الدين، مع إهمال تعليم الطالب كيف يتعامل مع المختلف. والمشكلة ليست في التراث الفقهي بشكل عام، بل في طريقة انتقائه وتقديمه، فالتراث يحتوي على آراء مرنة وأخرى متشدّدة، وبعض المؤسسات التعليمية قد تختار ما يخدم المذهب الرسمي، وتهمل الآراء المخالفة التي قد تكون أكثر انسجاماً مع العصر.

كذلك، يحتاج المعلم إلى تأهيل، فالتعليم العصري القائم على «كيف تفكر» لا «ماذا تفكر» يحتاج معلمين مؤهلين فلسفياً ومنهجياً، وهذا نادر في منظومتنا التعليمية التي تُخرِّج معلمين يحفظون ولا ينقدون.

وكل مرحلة تعليمية تحتاج إلى مناهج تتناسب مع سنّ الطالب، وأن تبقى التربية في كل المراحل مبنية على القيم الجامعة (كالعدل والرحمة والتسامح) كأساس مشترك. حتى في الجامعات، ينبغي تدريس تاريخ الفقه وتطوره، لا تدريس الفقه كمجرد أحكام جامدة، وتقديم الخلاف كدرس في الاجتهاد، لا كصراع بين حق وباطل. والتركيز على مقاصد الشريعة (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال) كإطار جامع، مع النظر إلى تفصيل الفروع بمنظور معاصر يتماشى مع روح العصر.

التعليم هو السفينة التي تنقل المجتمعات من التخلف إلى الرقي، لكنها لن تبحر إن ظلت مناهجها تكرّس الفرقة بدل الوحدة، وتقدّس القديم بدل اجتهاد الجديد. فإصلاح التعليم يبدأ بتحرير العقل من وصاية الآراء البشرية، وإعادة الدين إلى جوهره الأخلاقي الجامع، لا إلى فقه الخلافات المفرقة. ومتى تحقق ذلك، كان التعليم حقاً حجر الأساس لمستقبل زاهر، يبنيه جيل يفكر، لا يقلد، ويتعاون، لا يختلف.

00:01 | 10-07-2026

الدولة المدنية «المعضلة»

تعريف الدولة المدنية وإن يبدو سهلاً ومفهوماً عند الكثيرين، إلا أنه في مفهوم يحمل أبعاداً فلسفية ووظيفية واجتماعية وسياسية وثقافية وعقائدية. البساطة في اللفظ تخفي تعقيداً في التطبيق، لأنها ليست نظاماً قانونياً فحسب، بل هي ثقافة حياة تتطلب إعادة تعريف للعلاقة بين الفرد والجماعة والمقدس.

إنّ التعاريف لهذا المصطلح للدولة المدنية بأنها نظام سياسي يحكمه القانون وتُدار مؤسساته وفق دستور مدني ديمقراطي، تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، وتفصل بين السلطات، وتحمي حقوق الأفراد وحرياتهم دون تمييز في العرق أو الدين، وأنها نقيض للدولة الدينية (الثيوقراطية) والدولة العسكرية؛ لا تعكس البعد الحقيقي لمفهوم الدولة المدنية الذي يتغنى به البعض.

جاء في تحليل مفهوم الدولة المدنية في الفكر السياسي الغربي الحديث، الذي يقدّمه مركز الجزيرة للدراسات، ما يلي: «شهد مسار بناء الدولة المدنية في السياق الغربي تطوراً تاريخياً طويلاً، اتسم بالصراع بين المدافعين عن الأطروحة الدينية وحملة أطروحة الدولة، أي بين رجال الدين ورجال السياسة. وقد اتخذ هذا الصراع أبعاداً فكرية واجتماعية واقتصادية كبرى، وكان محوره الأحقية في السيطرة على سلطتَي الحكم والدين، خاصة من جانب رجال الدين الذين صاروا مصدراً للشرعية الدينية والزمنية معاً.

اندلعت الحروب الدينية والمذهبية، وتواصلت النزاعات السياسية قروناً متتالية، ولم تبدأ المجتمعات بالتحرر إلا مع بزوغ العصر الحديث الذي شكّل نقطة انطلاق نحو إعادة بناء الدولة على أسس وضعية وإنسانية. جاء ذلك عقب مسار طويل من النقد للمنظومة الدينية والدعوة إلى إسقاط الوساطة بين الفرد والخالق، فبرزت رؤى جديدة أكثر تحرراً في السياسة والدين والثقافة. ومعها طُويت صفحة العصور الوسطى بما حملته من تقاليد جامدة ورؤى محدودة، لتتأكد استحالة الجمع بين السلطتَين الدينية والدنيوية تحت هيمنة واحدة.

هكذا انتقلت الدولة في الغرب من «دولة الكنيسة»، وصولاً إلى الدولة الحديثة، عبر استبدال السلطتين التقليدية والدينية بسلطة سياسية مدنية. وتأسست الدول على قاعدة «الوحدة الإنسانية» بدلاً من «الوحدة الدينية» التي أثبتت التجارب التاريخية أنها لا تقود سوى إلى الانقسام وانهيار السلطتين معاً. ومع النهضة تحددت مجالات السلطتين، وتكرّس منع توظيف الديني في السياسي أو العكس. فترسّخ مبدأ «دين بلا سياسة» و«سياسة بلا دين»، وجاء بناء الجدار الفاصل بين المجالين حلاً للصراعات التاريخية، ولا يزال هذا الجدار صامداً إلى عصرنا الراهن».

إن التاريخ يكشف أن الدولة المدنية لم تولد «فكرة»، بل ولدت «جروحاً». ما يوصف من صراع قرون في الغرب يثبت أن هذا المفهوم ليس نتاج تنوير هادئ، بل نتاج حروب أهلية دموية (كحرب الثلاثين عاماً). أي أن الجدار الفاصل لم يُبنَ نظرياً، بل أُقيم على رماد صراعات. وهذا يفسر لماذا لا يكفي مجرد «تبني» المفهوم عربياً دون المرور بمعالجة جذور الصراع.

المعضلة التي لا تعطى حقها من النظر، حيث إن هناك فارقاً جوهرياً بين السياق الغربي والسياق العربي، ففي الغرب، كان الصراع بين سلطتين مؤسساتيتين (الكنيسة والدولة)، أما في السياق العربي فالتداخل أعمق؛ لأن الدين لم يكن مؤسسة منفصلة، بل كان مكوناً للهوية الجمعية والضمير الجمعي، حتى في غياب «كنيسة» بالمعنى الغربي. لذا فإن «الفصل» هنا ليس إدارياً، بل أنثروبولوجياً، أي يتعلق بكيفية تفكيك علاقة الفرد بمعنى وجوده، وليس فقط بقوانينه. لهذا نجد أن ما يتغنى به البعض هو غالباً استدعاء للشكل (دستور، انتخابات) دون الجوهر (ثقافة الاختلاف، تدبير التنوع، تحويل الخصومة إلى منافسة). وهذا ما يجعل النماذج العربية إما أن تنزلق إلى «استبداد مدني» أو «فوضى هوياتية».

هذا المنزلق الذي يقع فيه بعض من أساتذة السياسة في عالمنا العربي ناتج عن عدم فهم الأبعاد الحقيقية للدولة المدنية.

إن الدولة المدنية هي ثقافة حياة تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والجماعة والمقدس. وإن إعادة هذا التعريف بما يتوافق مع هويتنا يجعل مجتمعاتنا العربية أقدر على السعي لمستقبل زاهر.

00:00 | 3-07-2026

الحُلم والواقع..

الحُلم في هذا المقال ليس المقصود به ما يحلم به النائم، أو أن يكون الحُلم سلسلة من الصور والأفكاروالعواطف والأحاسيس التي تحدث عادةً بشكل لا إرادي في العقل. وإنما المقصود هو أن يكون واقعك عبارة عن حلم منفصل عن الواقع وبعيد عن الحقيقة. كثير من الناس ما يعتقد أن واقعه هو الأمثل والأفضل. وكأنه الحُلم الذي سعى طوال حياته لتحقيقه. أحد الأسباب التي تجعل الإنسان يرى في واقعه كمالاً يعود إلى تضخيم الذات. إذ إن كثيراً من الناس يعيدون صياغة واقعهم القصري أو الناقص كأنه إنجاز حلموا به، كآلية دفاعية تحميهم من مواجهة الفجوة بين الطموح والواقع. لا شك أن البعض قد حقق بالفعل ما أراد، بوعي وتواضع. لذا، يجب الفصل بين الحلم كحقيقة موضوعية والحلم كوهم ذاتي، والاعتراف بأن إدراك الواقع يتأثر بعوامل كثيرة منها تضخم الذات، لكن أيضاً النضج، والقناعة الحقيقية، والنقد الذاتي الصحي.... وهنا يبرز سؤال محوري: كيف نميّز بين الواقع المُنجَز والحلم المتوهم؟ الجواب يكمن في وجود معيارين أساسيين: الأول، قابلية الواقع للاختبار من الخارج. فالحقيقة الموضوعية يمكن لغيري أن يراها ويحكم عليها، بينما الحلم المنفصل عن الواقع ينهار بمجرد تعرضه لمرآة الآخر الصادقة. الثاني، الشعور بالكفاية لا بالكمال. فمن حقق حلمه الحقيقي يدرك حدود واقعه ونواقصه، ولا يدّعي أنه الأمثل المطلق.

أما صاحب تضخم الذات، فيصر على أن واقعه هو الأفضل رغم كل المؤشرات المخالفة. يتحول عنده «الحلم» إلى سجن جميل يمنعه من رؤية ذاته كما هي، ومن ثم يحرمه من فرصة النمو الحقيقي. وكما قال أحد المفكرين: «أسوأ أنواع الأوهام هو ذلك الذي يعتقد صاحبه أنه يعيش الحقيقة.»

لذلك، الخلاصة ليست في الدعوة إلى كره واقعنا أو جحده، بل في الدعوة إلى وعي نقدي بفارق بسيط لكنه عميق: أن نعيش واقعنا بواقعية، لا أن نُخضعه لمنطق الأحلام المنفصلة عن الحقيقة. الحلم الحقيقي ليس أن نرى في واقعنا كمالاً وهمياً، بل أن نرى بوضوح ما تحقق وما لم يتحقق بعد، فنظل بحالة سعي لا استكانة، وبحالة شكر لا غرور.

الحلم الحقيقي ليس صورة ثابتة نحققها ذات يوم، بل هو بوصلة تتحرك بنا بين لحظات الإنجاز ولحظات إعادة التقييم. المشكلة تبدأ حينما يتحوّل الحلم إلى تمثال نصبه الإنسان في عقله، يمجده بدلاً من أن يطوره. كمن حلم طوال عمره أن يصبح مديراً، فلما أصبح مديراً قال لنفسه: «هذا هو القمة». لكنه حين واجه مرآة التقييم السنوي، رأى فريقه يئن تحت قراراته، ليتحول الحُلم إلى كابوس إداري. بينما المدير الناجح الحقيقي هو الذي يحقق أهداف المنشأة وازدهار أعمالها.

أحياناً يكون أقرب الناس إلينا هم أكثر من يغذّون وهمنا، بمجاملاتهم أو خوفهم من جرح مشاعرنا. لذا، الفصل بين الحلم والواقع يحتاج إلى «صديق ناقد» لا «صديق مُطيّب»، فالحقيقة المؤلمة من محب صادق خير من الوهم الجميل من محب جبان.

كن صادقاً مع واقعك ولو كان ناقصاً، ولا تسجنه في وهم الكمال. فالحلم الحقيقي ليس أن ترى نفسك في قمة الجبل، بل أن تواصل السعي وأنت تعرف أن القمة ما تزال أمامك.

00:00 | 26-06-2026

السردية التاريخية في العالم الإسلامي

بعيداً عن الطائفية والقناعات المذهبية نجد في تاريخنا الفقهي اتجاهين رئيسيين يمثلان السردية الفكرية والسياسية والمجتمعية والاقتصادية. أحدهما السردية السنيّة والآخر السردية الشيعية. وقد نجحت كلتا السرديتين في تقديم نظرية سياسية واقتصادية واجتماعية للمجتمعات والكيانات والدول التي سادت في العصور الأولى.

لقد أثرت وما زالت تؤثر هذه السرديات حتى أصبح كثيراً ممن أراد تحرير المفاهيم يقع في فخ تقديس تراث معين (مثل العصر العباسي أو الدولة العثمانية أو الدولة الفاطمية كفترة مثالية) دون بيان كيف تحوّلت بعض مشاريع «تحرير المفاهيم» إلى أسطرة للماضي، مما يعوق نقد التراث المغلق من الداخل.

السردية الشيعية والعباسية تقوم سرديتها على تقديس آل البيت وجعلهم قدوة وأصحاب حق مغتصب عملوا على استعادته.

السلطة في الفكر الشيعي والعباسي هي حق إلهي. والمظلومية عنصر أساسي للتعاطف والفداء والإخلاص لهذه السلطة. غالباً ما تركز السردية على مفاهيم كبرى كالدولة والدين، بينما تهمّش قضايا مثل:

· العدالة الطبقية في مفاهيم التنمية (من تخدم «التنمية» عندما همّشت الطبقات الاجتماعية الأقل حظاً؟)

· الجسد كموقع للهيمنة (سيطرة الدولة على أجساد النساء في قوانين الحشمة، أو على أجساد الرجال في التجنيد الإجباري).

· المركز مقابل الأطراف (كيف يعيد مفهوم «الدولة المدنية» إنتاج هيمنة العاصمة على الريف والمناطق المهمشة؟).

الواقع والتاريخ يظهر بوضوح أن السرديتين السنّية والشيعية أنتجتا نظريات متكاملة للسلطة والدولة، لكنهما اشتركتا في تأسيس شرعية «حق إلهي» للسلطة (وإن بآليات مختلفة: النص والوراثة عند الشيعة، والإجماع والخلافة عند السنّة). كما أن تركيزهما على مفاهيم كبرى (الدولة، الإمامة، الأمة) جعل قضايا مثل العدالة الطبقية، والجسد، والمركز والأطراف ثانوية أو غائبة.

تحويل العصر العباسي أو الفاطمي أو العثماني إلى نماذج مثالية يعيق نقد تركيبات السلطة الفعلية، ويعيد إنتاج التراتبية نفسها تحت شعار «التحرير». وأي مشروع يطمح إلى تحرير المفاهيم اليوم يحتاج أولاً إلى تفكيك هذه السرديات، والانتباه إلى أن «الدولة المدنية» في السياق العربي قد تعيد إنتاج هيمنة المركز إذا لم تُرفق بلامركزية حقيقية وعدالة اقتصادية ومقاربة نقدية للسلطة على الجسد. المطلوب ليس اختيار سردية على أخرى، بل تجاوز ثنائية «الحق الإلهي» نحو مفاهيم قائمة على المواطنة والكرامة والعدالة التوزيعية.

المعضلة التي يعيشها العالم العربي والإسلامي تكمن في عدم قدرته على تجاوز هذه الثنائية، ولا يعني ذلك إلغاء التراث أو الخروج منه، بل يعني التعامل معه كنص مفتوح قابل للنقد، لا كخطاب مقدس يُستحضر لتبرير طوبى ماضوية.

المطلوب هو نقلة إبستمولوجية إلى التفكير في «كيف نمنع أي سلطة من تحويل الجسد البشري إلى وقود لمشاريعها». وهذا يستدعي:

1. نقد فكرة «التنمية» كأيديولوجيا تخدم النخب وتُبقي على الفوارق الطبقية، بدلاً من أن تكون أداة للعدالة التوزيعية.

2. إعادة الاعتبار للجسد كفضاء سياسي: فحرية اللباس ليست أقل قداسة من حرية العقيدة، وعدم الخضوع للتجنيد الإجباري ليس خيانة للوطن بل امتداد للحق في الملكية على الجسد.

3. التحرر من «قداسة الماضي» باعتبارها آلية إلهاء تمنعنا من رؤية أن كل إمبراطورية (عباسية، فاطمية، عثمانية) كانت تنتج فقراءها وهوامشها بنفس الدرجة التي تنتج فيها مجدها.

الخلاصة:

لا حل في العودة إلى أي من السرديتين الكلاسيكيتين، بل في بناء سردية ثالثة تنطلق من الأجساد المتعبة والمناطق المنسية، لا من عرش أو إمامة أو خلافة. سردية لا تسأل: «من يحكم بحق إلهي؟» بل تسأل: «من يجوع؟ من يُجرّد من ملابسه قسراً؟ من يُساق إلى الحرب بغير إرادته؟» عندها فقط نخرج من فخ الأسطرة إلى أرض السياسة الحقيقية.

00:00 | 19-06-2026

فن الحياة..!

هل تساءلت يومًا: لماذا شخصان يعيشان الظروف ذاتها، أحدهما يعيش في سلام داخلي والآخر في حرب مع ذاته؟ الفارق ليس المال، ولا المنصب، ولا الحظ. الفارق هو شيء لا يُدرَّس في المدارس، نادرًا ما يُناقش، لكنه جوهر السعادة الحقيقية. أسمّيه: فن الحياة.

البعض يولد مع موهبة وقدرة لا ينتبه لها كثيرون. هذه الموهبة الفردية العجيبة تتمثل وتظهر في ما يُسمى فن الحياة. فن الحياة علم يحصل عليه البعض بالفطرة والآخرون بالتجربة والتربية والخبرة. فن الحياة علم لا يُعلِّمه الجمُّ الغفير. علم ذو أهمية قصوى للأفراد والمجتمعات. ويجب أن يكون جزءاً من علم هندسة المجتمعات، أو ما يُعرف بـ(الهندسة الاجتماعية). وهو تخصص ضمن العلوم الاجتماعية يدرس الجهود المنهجية للتأثير في الاتجاهات والسلوكيات العامة على نطاق واسع، بهدف تحقيق التنمية المستدامة، ومعالجة المشكلات، وتعديل العادات أو السلوكيات لتكون أكثر اعتماداً على الموارد المستدامة.

أما فن الحياة فهو كيف يستطيع المرء أن يتمتع بما هو متاح له حسب إمكانياته وقدراته وظروفه. إنَّ فن الحياة هو القدرة على عيش الحياة بوعي وحكمة، وتحويل الوجود اليومي إلى لوحة متناغمة من السعادة والسلام. إنه ليس مجرد «بقاء» أو تفاعل عشوائي مع الظروف، بل هو مهارة التحكم في الذات، وفهم الأولويات، وصناعة المعنى من كل لحظة نعيشها.

فن الحياة لا يعني الخمول والكسل والتقاعس، بل الرضا بما هو موجود والعمل لما هو مطلوب دون سخط أو تبرُّم أو قلق. التمتع بالخطة والسعي للأفضل. تصوَّر أُمّاً تُكبر أطفالها على متعة الاكتشاف بدل الألعاب الجاهزة. فن الحياة ليس ترفاً فلسفياً، ولا مهارة للضعفاء. إنها أعلى درجات القوة: أن تزرع حديقة حيثما حللت، لا لأن الأرض مثالية، بل لأنك تملك البذور والماء والصبر. أن تقول للحياة: «أنا هنا، ولن أترك ظروفك تصنع ملامحي، بل سأصنعها أنا».

تأمل رجلاً فقد وظيفته: الأول يقضي أيامه في الحسرة، والثاني يقول: «امتلكت وقتاً طويلاً لم أكن أملكه، سأتعلم شيئاً جديداً». الأول يعيش ردود فعل، والثاني يمارس فن الحياة. أو أُمّاً في بيت متواضع تصنع لأطفالها طقوساً للاحتفاء بنهاية الأسبوع بشموع صغيرة وحكاية، بينما أخرى في قصر تشتكي من ضجرها. فن الحياة لا يرتبط بالغنى، بل بالقدرة على التمتع بالممكن.

لماذا نرى شخصين يعيشان الظروف نفسها؛ أحدهما منهك حزين، والآخر متوازن مطمئن؟ الفارق ليس المال ولا المنصب، بل شيء آخر لا يُدرَّس في المدارس، نادراً ما يُناقش في الإعلام، ومع ذلك هو جوهر السعادة البشرية. إنه ما يمكن تسميته: فن الحياة.

إن تعلم فن الحياة لا يتطلب إلا عزيمةً وإصراراً وإرادةً، لأنه ليس قراءة كتاب أو حضور دورة، بل بممارسات يومية صغيرة: أن تتوقف لوهلة قبل رد الفعل الغاضب، أن تتدرب على قول «الحمد لله» قبل «لكن»، أن تخصّص كل يوم لحظة تأمل هادئ، وأن تسأل نفسك كل مساء: هل تصرفت اليوم كفنان أم كضحية ظروف؟

فن الحياة ليس وجهة نصل إليها، بل طريق نمشيه كل يوم. إما أن تكون فناناً مبدعاً تجعل من تراب الطريق لوحة، أو ناقداً يقضي عمره يشكو من لون السماء.

00:02 | 12-06-2026

التقاليد والعادات وأثرها على المفاهيم

الوفاء من المفاهيم الإنسانية العظيمة. هذا المفهوم يتطور مع الزمن ويختلف من مجتمع إلى آخر متأثراً بالعادات والتقاليد والبيئة والمقدسات السائدة. ففي الهند قديماً، كانت الزوجة تدفن أو تحرق مع زوجها كشكل من أشكال الوفاء (ممارسة «الساتي»)، فلم يكن مفهوم الوفاء منفصلاً عن المقدس، ولا عن البيئة، ولا عن الذكورية التي تمنح الذكر حقوقاً تفوق الأنثى لمجرد كونه ذكراً. وقد تطور هذا المفهوم مع الأيام في بعض المجتمعات الهندية، وأصبحت «الساتي» اليوم جريمة نادرة ومجرمة قانوناً، مما يثبت أن الوفاء مفهوم متغيّر وقابل للتغيير بالإصلاح القانوني والتعليمي، وهذا يكشف نسبية الأخلاق الإنسانية. لكن من الضروري التفرقة بين جوهر الوفاء كقيمة نبيلة تقوم على الإخلاص والرعاية المتبادلة، وبين التقاليد التي قد تشوه هذا الجوهر عبر قولبة النساء في أشكال من التضحية الأحادية. وليس المثال الهندي بعيداً عنا، ففي مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ما يُسمى خطأً «جرائم الشرف» -أي قتل الأنثى لمجرد الشك في سلوكها- هو مثال صارخ آخر على كيف تؤثر التقاليد والمجتمع المتحيّز ذكرياً على القيم والمفاهيم السامية.

الخطير أن هناك كثيراً من المفاهيم الخاطئة في مجتمعنا، حقيقتها بعيدة كل البعد عن القيم النبيلة والأخلاقية السامية، ويعود ذلك إلى نظرة المجتمع الخاطئة. جريمة قتل الأنثى مثلاً تطورت واتخذت أشكالاً متغيّرة، فصارت في حقيقتها وأداً أو قتلاً معنوياً، أقسى وأشد من القتل المادي. حتى أصبح في بعض المجتمعات المغلقة يُقال: «المرأة تخرج من بيتها مرتين؛ الأولى لبيت زوجها والثانية لقبرها».

مثال «الساتي» في الهند يثبت أن القانون يستطيع أن يسبق الوعي الاجتماعي، لا أن يتبعه فقط. عندما جرّم البريطانيون هذه الممارسة ثم شدّدت الهند المستقلة العقوبات عليها، لم يتوقف الأمر بين ليلة وضحاها، لكن الرسالة أصبحت واضحة: المجتمع الرسمي يقف ضد هذا التقليد. في عالمنا العربي، قوانين الأحوال الشخصية التي منعت تزويج القاصرات أو جرّمت العنف الأسري (وإن كانت ناقصة) هي خطوات في الاتجاه الصحيح. القانون ولو تأخر يخلق فضاءً للضحية أن تنتصر، ولو بعد حين.

السؤال الجوهري الذي يتبادر للذهن، كيف نقاوم هذه التشوهات بالإضافة للقانون؟

أولاً: كشف الوهم. كثير من الممارسات القمعية تبقى مقدسة لأننا نخلط بين القديم والمقدس. المقاومة تبدأ بسؤال بسيط: هل هذا تقليد أم قيمة حقيقية؟

ثانياً: التعليم. جيل جديد يتربى على أن قيمة الأنثى ليست في طاعتها بل في إنسانيتها. المدارس والمساجد تحتاج إلى مراجعة نقدية للأمثلة التي تقدمها.

ثالثاً: توظيف المقدس ضد نفسه. في مجتمعاتنا المحافظة، الأصوات النسوية التي تقول: «أين الحديث النبوي عن حسن الخلق؟ وأين سؤال المرأة لعمر بن الخطاب؟» هي أقوى من خطاب المواجهة المباشر.

رابعاً: الفن. مسلسل واحد أو فيلم يفضح مأساة «جرائم الشرف» يفعل ما لا تفعله مئات المحاضرات. الفن يخلق تعاطفاً جماهيرياً يصعب قمعه.

خامساً: الاقتصاد. حين تملك المرأة قوت يومها، يصبح «العار» الاجتماعي أقل تكلفة عليها. المرأة التي تعول أبناءها تتغير نظرتها لنفسها أولاً، ثم لمجتمعها ثانياً.

نخلص مما تقدم أن العادات والتقاليد والموروث لا يصح أن تظل تحكم مجتمعاتنا دون وعي أو إدراك. التغيير يتطلب منا عودة الوعي على كل الأصعدة لغدٍ مشرق مزدهر.

00:00 | 5-06-2026