العالم الثالث، أو ما يعرف بالدول النامية، هل هو مصاب بعقدة التخلّف وضحية للسردية الغربية التي تفترض فوقية الغرب وتخلّف العالم الثالث، وتقدّم تفوّق الغرب؟ الواقع يكشف وجود عقدة لدى أغلب مجتمعات دول العالم الثالث. لأن السردية الغربية تكاد لا تترك جانبًا من جوانب الحياة إلا وقد تخلّلته، وأظهرت تفوّقها المنقطع النظير، وطالت الهوية وأنظمة المعرفة المحلية واللغة وخلافها.
الهوية في الدول اللاتينية ذات نسيج معقّد، نتاج صراع وتفاعل مستمرّين بين عناصر متعددة. فأسطورة «التمازج» (Mestizaje) في القرن العشرين، التي روّجت لها النخب، تقوم على فكرة «العرق الكوني» كرمز للوحدة. وهي في واقعها طمس للهويات الأصلية والأفريقية لصالح نموذج «أوروبي» موحّد، وتبرير للتمييز العنصري تحت شعار «الديمقراطية العرقية». لا تزال الهوية في الدول اللاتينية تعاني حتى بعد ما عُرف بـ«التمازج» في أواخر الثمانينيات، حيث تم الاعتراف رسميًا بالتنوع العرقي والثقافي. لكن حتى مع هذا التغيير، لا يزال التسلسل الهرمي العنصري قائمًا.
باختصار، هي هوية «كاليدوسكوبية» (متغيّرة) تعيش حالة توتر دائم بين التمازج القسري، والاندماج، والبحث عن اعتراف بالاختلاف الذي طال إقصاؤه.
في أفريقيا قام المستعمر الأوروبي، خاصة الفرنسي والبلجيكي، بطمس التاريخ، إذ لم يكتفِ باحتلال الأرض، بل أعاد كتابة التاريخ الأفريقي وكأنه يبدأ بوصول الأوروبي. حيث قُدِّمت المجتمعات الأفريقية على أنها «قبلية» و«بدائية» لا تملك دولةً أو حضارةً، رغم وجود ممالك عريقة كـ«غانا» و«مالي» و«صنغاي» ومملكة «كنغو».
سردية «التفوق الغربي» ليست وهمًا، بل هي خطاب استعماري متجدّد. مجتمعات «العالم الثالث» تعيش أثر خطاب راكمته قرون من الهيمنة. لكن المشكلة ليست في الاعتراف بفجوات تنموية حقيقية، فهذا واقع، بل في جعل هذه الفجوات داخل سردية أخلاقية؛ وذلك بتحويل التخلّف من حالة تاريخية (نتاج نهب واستعمار) إلى «جوهر» أو «عقدة نفسية». وهنا تكمن الخدعة: فتصبح الحداثة الغربية معيارًا كونيًا، وأي انحراف عنها مرضًا يحتاج إلى «شفاء» بتقليد أعمى. الاستعمار لم ينهب الموارد فحسب، بل دمّر أنظمة المعرفة المحلية، واستبدلها بأخرى تغيّب الذات.
الخطير في الأمر أن تصبح عقدة التخلّف سببًا رئيسًا في سجن الذات؛ وعندها يصبح استعمارًا للعقول، وهو الأكثر فتكًا. التبعية المعرفية التي تعاني منها مجتمعات العالم الثالث تكمن في استيراد نظريات اجتماعية وسياسية صُمّمت لسياقات أخرى، وتطبيقها كما هي. الاعتراف بأننا نعاني من استبطان الخطاب الغربي لا يعني الاستسلام، بل هو الخطوة الأولى نحو التحرر المعرفي.
المطلوب ليس رفض الغرب جملةً، ولا تقليده، بل نزع الأسطرة عنه، وذلك بتفكيك خطابه كمنتج تاريخي، لا كحقيقة مطلقة، وبناء معرفة محلية تنطلق من هموم المجتمعات الجنوبية ذاتها. واستعادة الهوية ليست برومانسية الماضي، بل بقراءته نقديًا، واستلهام حلول هجينة تليق بالواقع المعقّد.
العقدة حقيقية، لكنها ليست قدرًا؛ فهي نتاج تاريخي للهيمنة، لا طبيعة أزلية. التحرر يبدأ بفك استبطان خطاب الغرب، وبناء معرفة محلية تنطلق من همومنا، لا من مرآته. والمعركة الأخيرة هي تحرير الخيال، ليتوقف العالم عن أن يكون أحادي البعد، ويصبح فضاءً للتعدد والإبداع. الجمال في التنوع والتعدد والألوان التي تجعل الصورة مليئة بالتفاصيل.


