شتان ما بين الوهم والشك والظن! عند العودة إلى بعض القواميس والمعاجم العربية وكتب الفقهاء، نجد أن هناك خلطاً واضطراباً شديداً في تعريف هذه المفاهيم. على سبيل المثال، قيل في تعريفها:
- الشك: هو تردد الذهن بين أمرين على حد سواء.
- الراجح: هو الظن.
- المرجوح: هو الوهم.
وقيل أيضاً: الشك هو خلاف اليقين، وأصله اضطراب النفس، ثم استُعمل في التردد بين الشيئين سواء استوى طرفاه أو ترجح أحدهما على الآخر. قال تعالى: «فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ» «يونس: 94»، أي غير مستيقن. وقال الأصوليون: هو تردد الذهن بين أمرين على حد سواء. وقيل: التردد بين الطرفين إن كان على السواء فهو الشك، وإلا فالراجح ظنٌ، والمرجوح وهمٌ. والأقرب للدقة أن الشك هو حالة ذهنية من التردد بين أمرين أو أكثر دون ترجيح لأحدهما على الآخر. بمعنى أن الشخص لا يكون متأكداً من صحة أو خطأ فكرة أو حقيقة معينة.
يظهر من تعاريف بعض القواميس عدم الدقة وافتقادها للوضوح، كما تتداخل مع ما هو معروف في علم النفس عن مرض الوهم، حيث قيل إن أصله اضطراب النفس. التعاريف السابقة التي نجدها في بعض القواميس لا تستقيم مع ما وصلت إليه المعرفة الحديثة، وفيها خلط بين الوهم والشك والظن.
وعلى سبيل المثال، ذهب البعض إلى أن مراتب العلم أربع، التي يجب على طلاب العلم التركيز عليها:
1. اليقين.
2. الظن.
3. الشك.
4. الوهم.
هذا التقسيم يعد خلطاً وقصوراً في التعريف، لأن الوهم مفهوم معقد يُتناول من زوايا مختلفة في الفلسفة وعلم النفس. لذا، يجب الابتعاد عن التعاريف الموجودة في القواميس والمراجع الفقهية الأصولية العربية، والاعتماد على المناهج الحديثة لفهم هذه المفاهيم. والتعريف الأكثر انضباطاً.
الوهم في الفلسفة وعلم النفس:
في الفلسفة:
يرتبط الوهم بالمعرفة والإدراك الخاطئ للواقع. يمكن أن يكون نتيجة لقيود الحواس أو العقل، أو بسبب تأثير الأفكار المسبقة أو الأوهام الثقافية. بمعنى أن العقل قد يكون غير قادر على التمييز بين ما هو حقيقي ومنطقي وبين التخيلات والأوهام.
- في الفلسفة المثالية، كما في أسطورة الكهف لأفلاطون، يُعتبر العالم المادي وهمياً أو ظلالاً للحقيقة المطلقة. يرى السجناء ظلالاً على الجدار ويعتقدون أنها الحقيقة، بينما الواقع الحقيقي موجود خارج الكهف.
في الفلسفة التجريبية، يرى ديفيد هيوم أن الوهم قد ينشأ من تفسير خاطئ للإحساسات. فالإدراك البشري قد يخدعنا أحياناً، مما يؤدي إلى اعتقادات غير صحيحة.
في الفلسفة الوجودية، يرى جان بول سارتر أن الوهم قد يكون نتيجة لإنكار الذات أو الهروب من المسؤولية. قد يخلق الإنسان أوهاماً لتجنب مواجهة حقيقة وجوده.
في علم النفس:
ينظر إلى الوهم على أنه تشوه في الإدراك أو التفكير يؤدي إلى تفسير خاطئ للواقع. يمكن أن يكون مرتبطاً بالحالات العقلية أو الاضطرابات النفسية.
- الوهم الإدراكي: مثل الأوهام البصرية أو السمعية، حيث يرى أو يسمع الشخص شيئاً غير موجود في الواقع. هذه الأوهام قد تكون نتيجة لطريقة عمل الدماغ في تفسير المعلومات الحسية.
- الوهم الناتج عن الاضطرابات النفسية: مثل الفصام أو اضطراب الوهم (Delusions)، وهي اعتقادات راسخة لا تتوافق مع الواقع ولا يمكن تغييرها بالمنطق أو الأدلة. على سبيل المثال، قد يعتقد الشخص أنه مضطهد أو أنه شخصية مهمة دون أي أساس واقعي.
- الوهم في علم النفس الاجتماعي: قد تنشأ الأوهام نتيجة للتأثيرات الاجتماعية أو الثقافية، مثل الاعتقاد في خرافات أو نظريات مؤامرة بسبب تأثير المجموعة أو المجتمع.
الفرق بين الوهم والهلوسة:
- الوهم (Illusion/Delusion): هو تفسير خاطئ لحافز حقيقي. على سبيل المثال، رؤية حبل على أنه ثعبان.
- الهلوسة (Hallucination): هي تجربة حسية دون وجود حافز خارجي حقيقي، مثل سماع أصوات غير موجودة.
السؤال الجوهري:
هل مجتمعاتنا تعيش الوهم، مثل الاعتقاد في خرافات أو نظريات المؤامرة أو تقديس التراث الذي صنعه البشر؟ الإجابة عن هذا السؤال بموضوعية مفتاح الحل.


