التعليم حجر الأساس لأي تطور، وهو المعني بالحفاظ على النسيج الاجتماعي، وتوفير يد عاملة تلبي المخرجات الاقتصادية ومتطلبات السوق. لكن التعليم الديني في بعض المجتمعات يعاني - بالفعل - من أزمة منهجية، حين يُقدَّم التراث الفقهي وكأنه نصوص مقدسة لا تقبل المراجعة، مع إهمال سياقها التاريخي ومقاصدها الكلية. وهذا يحوِّل الخلاف الفقهي من رحمة إلى فتنة، ومن تنوّع إلى تضييق.

مشكلة التعليم في بعض مجتمعاتنا العربية والإسلامية تكمن في أن المجتمع نفسه لديه تصور مفاده أن «تعلم الدين» يعني حفظ الأحكام والمواقف المتشدّدة، وقد يقاوم الآباء أي منهج يبدو لهم «مخففاً» أو «علمانيّاً». كما أن المناهج الحالية لا تستطيع تقديم منتج قادر على التفكير والإبداع، لأن ما تقدّمه للتلاميذ - في بعضه - هو أصل المشكلة. فالخطورة الحقيقية ليست في تعليم الفقه، بل في احتكار تفسيره، وفي ربطه بالهوية السياسية أو الطائفية، مما ينتج أجيالاً تحفظ الخلافات ولا تفهم جوهر الدين القائم على التوحيد والأخلاق.

والقداسة الممنوحة للآراء الفقهية هي لبّ الأزمة، لأنها تجعل الاجتهاد البشري في مرتبة الوحي، وهذا يناقض مقولة الأئمة أنفسهم: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب». فالمشكلة تكمن في تعليم الطلبة أفكاراً وعلوماً من مدارس فقهية تكرّس الفرقة والاختلاف، والخطورة في هذه الفرق أنها تدّعي القداسة، وتملك الحقيقة المطلقة، وتقوم بتفسيق المخالف بل - في بعض الأحيان - تكفيره. فالخلاف الفقهي ليس المشكلة، بل المشكلة في توظيفه كأداة للتفريق. لقد نشأ الفقه الإسلامي غنيّاً بتنوع مدارسه، غير أن التوظيف السياسي أوجد الفرقة.

التعليم الديني بحاجة إلى مراجعة منهجية، تنتقل به من التلقين إلى التفقه، ومن التعصب للمذاهب إلى التعاون على البر والتقوى، مع فصل تدريس التراث الفقهي عن التربية العقدية والأخلاقية التي ينبغي أن تكون جامعة. وينبغي للتعليم العصري أن يعلّم الطالب كيف يفكر لا ماذا يفكر، فيُقدَّم له المذاهب الفقهية كمناهج اجتهاد، مع تدريبه على أدوات النقد والموازنة، وعلى فهم مقاصد الشريعة التي تتجاوز جزئيات الفروع.في رأيي، إن بعض الإصلاحات في المناهج الفقهية لم تتجاوز المشاكل التي يعاني منها التراث الفقهي، فلا يزال التعصب للمذهب قائماً بدلاً من الوحدة، وهذا خلاف للتوجيه القرآني الذي يأمر بالتعاون على البر والتقوى. كما أن التربية المعتمدة ينبغي أن تكون جامعة.

بعض المناهج الحالية قد تسهم في تكريس الفرقة في الوطن الواحد، وهذا واقع مرير، خصوصاً حين تُدرّس التفاصيل الخلافية التي لا تمس ضروريات الدين، مع إهمال تعليم الطالب كيف يتعامل مع المختلف. والمشكلة ليست في التراث الفقهي بشكل عام، بل في طريقة انتقائه وتقديمه، فالتراث يحتوي على آراء مرنة وأخرى متشدّدة، وبعض المؤسسات التعليمية قد تختار ما يخدم المذهب الرسمي، وتهمل الآراء المخالفة التي قد تكون أكثر انسجاماً مع العصر.

كذلك، يحتاج المعلم إلى تأهيل، فالتعليم العصري القائم على «كيف تفكر» لا «ماذا تفكر» يحتاج معلمين مؤهلين فلسفياً ومنهجياً، وهذا نادر في منظومتنا التعليمية التي تُخرِّج معلمين يحفظون ولا ينقدون.

وكل مرحلة تعليمية تحتاج إلى مناهج تتناسب مع سنّ الطالب، وأن تبقى التربية في كل المراحل مبنية على القيم الجامعة (كالعدل والرحمة والتسامح) كأساس مشترك. حتى في الجامعات، ينبغي تدريس تاريخ الفقه وتطوره، لا تدريس الفقه كمجرد أحكام جامدة، وتقديم الخلاف كدرس في الاجتهاد، لا كصراع بين حق وباطل. والتركيز على مقاصد الشريعة (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال) كإطار جامع، مع النظر إلى تفصيل الفروع بمنظور معاصر يتماشى مع روح العصر.

التعليم هو السفينة التي تنقل المجتمعات من التخلف إلى الرقي، لكنها لن تبحر إن ظلت مناهجها تكرّس الفرقة بدل الوحدة، وتقدّس القديم بدل اجتهاد الجديد. فإصلاح التعليم يبدأ بتحرير العقل من وصاية الآراء البشرية، وإعادة الدين إلى جوهره الأخلاقي الجامع، لا إلى فقه الخلافات المفرقة. ومتى تحقق ذلك، كان التعليم حقاً حجر الأساس لمستقبل زاهر، يبنيه جيل يفكر، لا يقلد، ويتعاون، لا يختلف.