أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/372.jpg&w=220&q=100&f=webp

أسامة يماني

جدة... الحالة والحكاية

جدة قديمة بتاريخها، حديثة بعصريتها، جميلة بتنوعها، غنية بمعانيها. مدينة حافظت بيئتُها على تفردها، كما حافظت جغرافية المكان على هويتها. غربها يلامس شاطئاً أرجوانياً مرجانياً تدب فيه الحياة، لأن البحر هنا ليس مجرد ماء، بل شعابٌ تضج بالوجود. وشرقها جبالٌ ضاربةٌ في التاريخ الشامخ، كأنها حراسٌ للهوية، صامدون منذ الأزل. مكانها الذي منحها الجوهر.

جدة الحالة، لا جدة المدينة فقط. جدة ليست في مبانيها، بل في علاقتها بالبحر والبر، وفي كونها بوابة الحرمين التي جعلتها مهبطَ ثقافات وحضارات. مدينة قديمة بعبق التجارة والرحلات، حديثة بعصرية لا تمسح تاريخها. جميلة بتناقضاتها، لأن التناقض هنا ثراء، لا تشتت.

ناس جدة هم امتدادٌ لمكانها: كالبحر منفتحون، لا يعرفون الجمود، يتقنون فن الضيافة كأنها غريزة. وكالجبال أصيلون، يحملون في لهجتهم دفء الماضي، وفي أمثالهم حكمة الأجداد. جدة ليست مدينةً يُسكنها الناس، بل ناسٌ يصنعون المدينة. تجدهم في حاراتهم القديمة، يروون قصصاً لا تموت. وفي مقاهيهم العصرية، يخلطون الأصالة بالحداثة بسلاسة عجيبة. وفي سوقهم الليلي، حيث الباعة والزبائن يتحدثون بلغةٍ يفهمها القلب قبل الأذن.

ما يميّز أهل جدة أنهم يحكون المدينة بوجودهم. كرمهم ليس تكلفاً، بل طباع. روحهم الفكاهية ليست هروباً، بل مواجهة للحياة بابتسامة. وتعدد أصولهم جعل منهم فسيفساء حيّة، كل قطعة تحمل لوناً، لكنها معاً تشكّل لوحة واحدة. جدة ليست مكاناً، بل مجتمعٌ يتنفس. حين تصبح المدينة مرآةً لأهلها، وأهلها مرآةً لها، يمتزج المكان بالنفس والدفء.

بوابة الحرمين منذ أمر الخليفة عثمان بن عفان عام 26 هـ (647م) بتحويل جدة إلى ميناء رسمي لمكة المكرمة، أصبحت المدينة المعبر الرئيسي للحجاج القادمين بحراً، وهو الدور الذي استمر عبر العصور حتى اليوم. هكذا حافظت جدة بجغرافيتها على دورها.

سورها نسيجٌ آخر يحافظ على جدة وأهلها، منذ عهد السلطان المملوكي قانصوه الغوري، الذي بنى سوراً حول جدة لحمايتها وحماية الحجاج المسلمين من هجمات البرتغاليين. كان يتخلله عدة أبراج وأبواب، وبقي جزء منه مرمّماً يستقبل الزوّار في مدخل جدة التاريخية. شاهدٌ على التاريخ، والأحداث، والحكايات التي لا تنتهي.

أسواقها قصة طويلة: سوق العلوي، سوق الندى، سوق الخاسكية، سوق البدو، سوق قابل. كل سوق حكايةٌ وتميّزٌ وتنوعٌ. أسواقها تؤكد أن جدة كانت نقطة التقاء رئيسية للتجار القادمين عبر مينائها مع نظرائهم في المملكة. هذا يعكس الروح التجارية الممتدة، حيث تحوّلت الساحات إلى فضاءات للتبادل الاقتصادي والثقافي في آن واحد.

جدة حين تُسأل: «من أنتِ؟» لا تجيب باسمها، بل تفتح ذراعيها وتقول: «تعالَ، انظر، اشمم، واسمع».

منذ 16 ساعة

الثقافة والنقد

مقال البروفيسور عبدالله الخطيب «الثقافة السعودية العبور إلى المركب» يمثل قراءة تأسيسية عميقة للتحوّل الثقافي السعودي، ويستحق التأمل. استهله بتعريف يربط مفهوم الثقافة في اللغة العربية «بجذر (ثقف) الذي من معانيه الحذق والتقويم والتهذيب. ومن أشهر استعمالاته القديمة: (ثقف الرمح) أي: قوّم اعوجاجه وسوّاه وهيأه لأداء وظيفته. وخاصة قول «هذا المعنى تحيل الثقافة على فعل تدخل واعٍ في مادة موجودة أصلًا». وقد أحسن الدكتور الخطيب عندما ذهب إلى أن الثقافة السعودية اليوم بالفعل تتجاوز الثنائيات الجامدة (أصالة/انفتاح، هوية/عالمية) إلى فضاءات تركيبية أكثر تعقيداً وإنتاجية. للانتقال من «خطاب النفي» إلى «خطاب الإثبات» هو تشخيص دقيق لما حدث. فالماضي كان مشغولاً بتعريف نفسه عبر نفي الآخر (لسنا كذا)، بينما الحاضر يبني ذاته عبر الكشف عن كنوزها الإنسانية والثقافية. هذا التحوّل كان نتاج القرار السياسي الرشيد في تشييد علاقة جديدة مع التدين والتحديث. كما نوه الدكتور عبدالله إلى مخاطر «المحاكاة غير المستوعبة» و«الوعي المستعار». لأن التجربة السعودية ليست استيراداً ثقافياً، بل هي جهد حقيقي يهدف إلى إعادة بناء من الداخل، وهذا يتطلب يقظة نقدية دائمة.

أجاد الدكتور الخطيب عندما أوضح أن الثقافة السعودية المزدهرة اليوم هي ثمرة لقاء منظومة قيم ما قبل الإسلام (الأخلاقية والإنسانوية) التي أتى ليتممها الدين كما أشار النبي الكريم (عليه الصلاة والسلام) والقيم التي تضمنها القرآن. الفعل الثقافي السعودي الذي تخاطب به العالم هو هذا الامتداد التاريخي، وفي الوقت نفسه هو حالة انغماس الإنسان السعودي الرائعة في عصره وظروف إنتاجه وتأويلاته الإنسانية والتقنية. إن التمازج مع العصر بفاعلية يعني تبني الاعتراف الثقافي المتبادل، كما يعني الانتقال من موقع النفي إلى موقع الإثبات. ولطالما أرهقت الثقافة السعودية نفسها خلال فترة الانكفاء الثقافي في ممارسة النفي وآلياته.

إن سمة العصر الذي سبق البعثة المحمدية، فيه ظلم للتاريخ المشرق القديم والحضارات القديمة التي قامت في أرجاء الجزيرة العربية والممالك والإمارات التي سادت في ذلك الوقت.

المقال ليس مجرد وصف للتحول الثقافي، بل هو إسهام في تأطيره نظرياً. وقد نجح في تقديم رؤية تركيبية تتجاوز الاحتفائية المجردة أو النقد المتشائم. ووضع إصبعه على المفارقة الجوهرية: كيف يكون الانفتاح من دون ذوبان، والتحديث من دون قطيعة، والعالمية من دون فقدان الخصوصية. وهذا بالضبط هو التحدي الأكبر الذي يواجه أي نهضة ثقافية معاصرة في منطقتنا.

لم يفت على الكاتب توضيح أهمية النقد كوسيلة يساهم في وتيرة تحول وتطور الفعل الثقافي السعودي المتسارعة، مما يجعل الحاجة ملحّة ليقظة نقدية تساير وتنغمس في قراءة وتفكيك آليات ومآلات الفعل الثقافي السعودي الراهن. نقد وانتقاد سيرورة ما يحدث على مستوى الفعل الثقافي السعودي يشكل أعلى درجات التضامن معه؛ إذ «لا تضامن من دون نقد» كما يرى- إدوارد سعيد.

إنني أتفق مع الدكتور الخطيب في تشخيصه الدقيق الذي قدمه للحظة الثقافية السعودية الراهنة، متجاوزاً السجال العقيم بين «الأصالة» و«المعاصرة». التركيز على مفهوم «الاستنبات» بدل «التقويم» وهو ما يُحدث نقلة نوعية: فالثقافة لم تعد مجرد تصحيح لأخطاء، بل إنباتٌ لوعي جديد من تربة التاريخ ذاتها.

«بهذا المعنى، يُشكّل المقال قراءةً في ‹أنثروبولوجيا القرار الثقافي› السعودي، حيث لم يعد الفعل الثقافي ردّة فعلٍ على الآخر، بل لحظةَ بناءٍ سياديٍ للذات. هذه اللحظة تستلزم استمرار النقد الذاتي كشرطٍ أصيلٍ لصحتها، لا كترفٍ أكاديمي. فكما أن ‹ثقف الرمح› كان تقويماً لغرضِ الرمي، فإن ثقافة اليوم يجب أن تُقوّم نفسها باستمرار، ليس خوفاً من الانكسار، بل طموحاً إلى إصابة هدفها الأسمى: إنسانٌ ينتمي إلى تراثه دون أن يسجن فيه، وينفتح على العالم دون أن يذوب فيه».

في المحصلة، يُقدّم المقال أكثر من تشخيص؛ إنه يُقدّم إطاراً للتعامل مع لحظتنا الثقافية من دون هلع أو غرور. فالانتقال من «تقويم الرمح» إلى «استنبات الأرض» ليس مجرّد استعارة بلاغية، بل هو تحوّل في الوعي بالذات: من ثقافة الدفاع إلى ثقافة الإنتاج. غير أن هذا المسار الطموح، كما لا يخفى على الدكتور الخطيب، يظلّ رهيناً بقدرتنا على امتلاك نقدٍ عضويٍّ يواكبه، لا ينحاز إلى الماضي بحنين، ولا يُذهل بالمستقبل باستعارة. ويبقى السؤال المفتوح: هل سيكون هذا النقد حاضراً في صميم الممارسة، أم سيظل هامشياً كما كان في فترات التحوّل السابقة؟

00:00 | 4-09-2026

الوعي النقدي ترياق الوهم..

في مقال سابق تحدثت عن بعض تعاريف الوهم. واليوم نطرح سؤالاً عن هل نحن نعيش الوهم؟ الجواب هو أن البشر بطبيعتهم يعيشون قدراً من الوهم، لكن ليس بالمعنى المرضي أو الفلسفي المتطرف. لأن الوهم ليس حالة ثنائية (نعم/لا)، بل طيف يتفاوت حسب الوعي والنقد الذاتي.

هنا نقسم الوهم إلى نوعين:

١. الوهم الفردي

الضروري للحياة لأن الدماغ البشري يبني «نماذج» مبسطة للواقع ليتخذ قرارات سريعة. هذه النماذج ليست الحقيقة المطلقة، بل «وهم عملي» يساعدنا على العيش. مثال: الإحساس بالاستمرارية الزمنية وهمي فيزيائياً، لكنه ضروري للحياة اليومية.

٢. الوهم الاجتماعي والثقافي

هذا الوهم خطير جداً لأنه عندما تصبح المعتقدات الجماعية (كالخرافات، تقديس التراث البشري، نظريات المؤامرة) منيعة ضد النقد، تتحول إلى وهم مرضي· مجتمعاتنا تعاني من ذلك المرض بوضوح· ويتجسّد هذا الداء في تقديس النصوص البشرية كأنها مقدسة، رفض مراجعة التراث تحت ذريعة «العزوف عن الشبهات» أو بحمايته من غير المختصين. وكذلك في استسهال تفسير الأحداث بنظريات مؤامرة بدلاً من التحليل الموضوعي.

هذا التقسيم يذكرنا بجدلية «الأنا» و«الجماعة» في علم الاجتماع. فالإنسان قد يتسامح مع وهمه الشخصي (كاعتقاده أنه سيحقق حلمه غداً)، لكنه لا يتسامح مع وهم الجماعة لأنه يهدد وجوده الرمزي.

فيما يخص «الوهم الاجتماعي في مجتمعاتنا»، أرى أن له سببين جذريين؛ أولهما غياب مؤسسة «النقد الذاتي» الرسمية، بينما في الغرب، النقد جزء من مؤسسات (كالمعارضة البرلمانية، الصحافة المستقلة، الأوساط الأكاديمية). أما عندنا، فالنقد غالباً ما يُعتبر «تشكيكاً» في المقدسات، أو في التراث حتى لو كان علمياً. النتيجة: يتحوّل التراث إلى صنم، ويُمنع الخوض فيه إلا بـ«مفاتيح» غير واضحة، وهذا هو عين الوهم. ثانياً: تسليع «الهوية» عوضاً عن تفعيلها، حيث أصبحت الهوية سلعة تُباع في الخطاب الإعلامي (لافتات، شعارات، احتفالات)، بدلاً من أن تكون مشروعاً فكرياً قابلاً للمراجعة. فبدل أن نسأل: «ماذا نريد أن نكون؟»، نردد: «نحن بخير كما نحن». وهذا يغذي الوهم الجماعي.

كما يجدر التفريق بين الوهم والظن المشروع الفرق بين الوهم والظن المشروع؛ لأن الظن هو موقف مؤقت قابل للتعديل بالأدلة (مثلاً: «أظن أن السبب الفلاني وراء المشكلة»). أما الوهم فهو تصلب في الاعتقاد رغم تناقضه مع الواقع (مثلاً: «كل ما يحدث مؤامرة غربية» دون دليل). الكثير مما نسميه «ظناً» في خطابنا العام هو في الحقيقة وهم، لأنه غير قابل للنقاش.

لذا الكثير يعيش الوهم الاجتماعي حين يستبدل التفكير بالنقل، والتساؤل باليقين الجاهز، والتحليل بالانفعال. لكن السؤال الأهم: هل نملك الشجاعة لمواجهة أوهامنا الجماعية؟

الحل في رأيي أن نمارس الوعي النقدي فهو الترياق الذي به نميز بين «ما نعرفه»، و«ما نظنه»، و«ما نتمناه»، و«ما ورثناه دون فحص».

00:00 | 28-08-2026

هل نعيش الوهم؟

شتان ما بين الوهم والشك والظن! عند العودة إلى بعض القواميس والمعاجم العربية وكتب الفقهاء، نجد أن هناك خلطاً واضطراباً شديداً في تعريف هذه المفاهيم. على سبيل المثال، قيل في تعريفها:

- الشك: هو تردد الذهن بين أمرين على حد سواء.

- الراجح: هو الظن.

- المرجوح: هو الوهم.

وقيل أيضاً: الشك هو خلاف اليقين، وأصله اضطراب النفس، ثم استُعمل في التردد بين الشيئين سواء استوى طرفاه أو ترجح أحدهما على الآخر. قال تعالى: «فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ» «يونس: 94»، أي غير مستيقن. وقال الأصوليون: هو تردد الذهن بين أمرين على حد سواء. وقيل: التردد بين الطرفين إن كان على السواء فهو الشك، وإلا فالراجح ظنٌ، والمرجوح وهمٌ. والأقرب للدقة أن الشك هو حالة ذهنية من التردد بين أمرين أو أكثر دون ترجيح لأحدهما على الآخر. بمعنى أن الشخص لا يكون متأكداً من صحة أو خطأ فكرة أو حقيقة معينة.

يظهر من تعاريف بعض القواميس عدم الدقة وافتقادها للوضوح، كما تتداخل مع ما هو معروف في علم النفس عن مرض الوهم، حيث قيل إن أصله اضطراب النفس. التعاريف السابقة التي نجدها في بعض القواميس لا تستقيم مع ما وصلت إليه المعرفة الحديثة، وفيها خلط بين الوهم والشك والظن.

وعلى سبيل المثال، ذهب البعض إلى أن مراتب العلم أربع، التي يجب على طلاب العلم التركيز عليها:

1. اليقين.

2. الظن.

3. الشك.

4. الوهم.

هذا التقسيم يعد خلطاً وقصوراً في التعريف، لأن الوهم مفهوم معقد يُتناول من زوايا مختلفة في الفلسفة وعلم النفس. لذا، يجب الابتعاد عن التعاريف الموجودة في القواميس والمراجع الفقهية الأصولية العربية، والاعتماد على المناهج الحديثة لفهم هذه المفاهيم. والتعريف الأكثر انضباطاً.

الوهم في الفلسفة وعلم النفس:

في الفلسفة:

يرتبط الوهم بالمعرفة والإدراك الخاطئ للواقع. يمكن أن يكون نتيجة لقيود الحواس أو العقل، أو بسبب تأثير الأفكار المسبقة أو الأوهام الثقافية. بمعنى أن العقل قد يكون غير قادر على التمييز بين ما هو حقيقي ومنطقي وبين التخيلات والأوهام.

- في الفلسفة المثالية، كما في أسطورة الكهف لأفلاطون، يُعتبر العالم المادي وهمياً أو ظلالاً للحقيقة المطلقة. يرى السجناء ظلالاً على الجدار ويعتقدون أنها الحقيقة، بينما الواقع الحقيقي موجود خارج الكهف.

في الفلسفة التجريبية، يرى ديفيد هيوم أن الوهم قد ينشأ من تفسير خاطئ للإحساسات. فالإدراك البشري قد يخدعنا أحياناً، مما يؤدي إلى اعتقادات غير صحيحة.

في الفلسفة الوجودية، يرى جان بول سارتر أن الوهم قد يكون نتيجة لإنكار الذات أو الهروب من المسؤولية. قد يخلق الإنسان أوهاماً لتجنب مواجهة حقيقة وجوده.

في علم النفس:

ينظر إلى الوهم على أنه تشوه في الإدراك أو التفكير يؤدي إلى تفسير خاطئ للواقع. يمكن أن يكون مرتبطاً بالحالات العقلية أو الاضطرابات النفسية.

- الوهم الإدراكي: مثل الأوهام البصرية أو السمعية، حيث يرى أو يسمع الشخص شيئاً غير موجود في الواقع. هذه الأوهام قد تكون نتيجة لطريقة عمل الدماغ في تفسير المعلومات الحسية.

- الوهم الناتج عن الاضطرابات النفسية: مثل الفصام أو اضطراب الوهم (Delusions)، وهي اعتقادات راسخة لا تتوافق مع الواقع ولا يمكن تغييرها بالمنطق أو الأدلة. على سبيل المثال، قد يعتقد الشخص أنه مضطهد أو أنه شخصية مهمة دون أي أساس واقعي.

- الوهم في علم النفس الاجتماعي: قد تنشأ الأوهام نتيجة للتأثيرات الاجتماعية أو الثقافية، مثل الاعتقاد في خرافات أو نظريات مؤامرة بسبب تأثير المجموعة أو المجتمع.

الفرق بين الوهم والهلوسة:

- الوهم (Illusion/Delusion): هو تفسير خاطئ لحافز حقيقي. على سبيل المثال، رؤية حبل على أنه ثعبان.

- الهلوسة (Hallucination): هي تجربة حسية دون وجود حافز خارجي حقيقي، مثل سماع أصوات غير موجودة.

السؤال الجوهري:

هل مجتمعاتنا تعيش الوهم، مثل الاعتقاد في خرافات أو نظريات المؤامرة أو تقديس التراث الذي صنعه البشر؟ الإجابة عن هذا السؤال بموضوعية مفتاح الحل.

00:01 | 21-08-2026

عندما يصير الرقم إنسانًا

الاهتمام بالتميّز في الأرقام وما تعكسه من تفرد وسبق، له ما يبرره. غير أنه عندما يصبح الرقم مطلبًا وهاجسًا يسعى المرء إلى تحقيق السبق فيه، فعندئذ يكون هناك خلل يوجب التوقف عنده. لأن تحول الوسيلة (الرقم) إلى غاية، يعد أحد أمراض العصر الحديث. نعم، الرقم الأول قد يعني الفوز في مضمار سباق الخيل أو السيارات، وقد يعني باكورة الإنتاج.

الأرقام تتنوع من ناحية الدلالة، فهناك الرقم الأول والرقم الأكبر والرقم الأطول، وكل رقم يُشار إليه كسبق أو ضخامة أو تمييز في عالم الأرقام، لا يكشف أبعاد الصورة.

الرقم تجريدٌ لا يعكس الكنه: الرقم الأول في السباق لا يخبرك بجهد المتسابق، والرقم الأكبر في المبيعات لا يخبرك بجودة المنتج، والرقم الأطول في المبنى لا يخبرك بمتانته. إنه «قشر» المعنى، وليس لبّه.

الهوس بالسبق يُفسد الغاية: عندما يصبح الرقم هاجسًا، يتحول العمل إلى مجرد «منافسة رقمية»، فيُضخم الإنجاز ظاهريًا على حساب الجوهر، وقد يُلجأ إلى الالتفاف أو التضخيم أو حتى التزوير للفوز بالرقم. الأرقام وحدها صورة باهتة: هي كالخريطة، مفيدة للملاحة، لكنها ليست الأرض نفسها. التميّز الحقيقي يُقاس بآثارٍ نوعية لا تدخل في الإحصاء: الأثر الأخلاقي، الإتقان، السعادة، الاستدامة.

الخلل يظهر حين ننسى أن الأرقام أداة للوصف، وليست هدفًا للوجود. فالإنجاز الحقيقي قد يكون في الرقم «الثاني» إذا كان أكثر إتقانًا، أو في الرقم «الصغير» إذا كان أكثر بركة ونفعًا. إن موازين التقييم الحقيقية لا تُختزل في أرقام، بل في القيمة المضافة التي لا تُحصى. الرقم نافذة، لكن المشهد كله لا يُرى إلا بالوعي.

عندما يُقاس أداء الموظف بالأرقام، أو مقدار ما ورده من مبيعات أو رسوم أو تحصيل، دون الاهتمام بالقيمة المضافة التي هي جوهر العملية الحسابية، تُختزل كفاءة الموظف في أرقام (مبيعات، تحصيل، مكالمات)، عندها يتحول الإنسان إلى آلة إحصائية، ويُهمش فيها الإبداع، وحسن التعامل، والقدرة على حل المشكلات، التي لا تُحصى في لوحة القيادة الرقمية.

التركيز على الأرقام قد يؤدي إلى تنمية السلوكيات السلبية، فالموظف قد يضغط على العميل لشراء ما لا يحتاج، أو يتجنب الحالات المعقدة التي تستغرق وقتًا طويلاً (لأنها تخفض معدله)، أو يُعطي وعودًا لا يفي بها لمجرد إغلاق الصفقة. الهوس أو التركيز على الأرقام قد يتسبب في إغفال «القيمة المضافة» مثل بناء الثقة مع العميل على المدى البعيد، وتقديم استشارة صادقة وإن خسرت صفقة اليوم، أو التعامل مع شكوى قد تحوّل عميلًا غاضبًا إلى سفير للمؤسسة.

الأرقام أداة عادلة ظاهريًا، لكنها جائرة حقيقيًا عندما تُستخدم وحدها. والقيمة المضافة هي «روح» العمل، وهي التي تبقى بعد أن تتلاشى الأرقام في دفاتر الحسابات، لأن الأرقام مؤشرٌ أولي لا نهائي.

«أزمة القياس» في العصر الرقمي، حيث صار المقياس الكمي هو «المقدس» الجديد، والمؤسسات تقف عنده بإجلال. والواقع يظهر أنه كلما زاد اعتمادنا على الأرقام في تقييم الأداء، قلت قدرتنا على رؤية الأداء الحقيقي. وهذا ليس نقصًا في الأدوات، بل خلل في الفلسفة الإدارية نفسها.

الأرقام تُنتِج واقعًا جديدًا، لا تعكسه فقط. فحين يُقاس الموظف بالمكالمات، سيصبح حديثه سريعًا سطحيًا، وحين يُقاس بالمبيعات، سيصبح بيعيًا لا استشاريًا. الأرقام تشكّل السلوك، وليست مجرد مرآة له. التقييم الرقمي يُكافئ «السرعة» ويعاقب «العمق». الموظف الذي يقضي ساعة في حل مشكلة معقدة لعملٍ واحد، سيُعتبر «أقل إنتاجية» من زميله الذي أنهى عشر مكالمات بسيطة. وهنا الرقم يظلم الجودة. القيمة المضافة الحقيقية هي ما يُسمى في الفكر الإداري «العمل غير المرئي»، والتي تتمثل في بناء الثقة، ونقل المعرفة، وتحسين العمليات الداخلية، والتعامل مع العملاء بحكمة. كل ذلك لا يُحصى، لكن تُبنى عليه المؤسسات.

الأرقام ليست فقط أداة قياس، بل هي لغة سلطة. من يتحكم بالأرقام يتحكم بالسرد، ومن يتحكم بالسرد يتحكم بالقرارات. لذلك، مقاومة هوس الأرقام ليست مجرد تحسين إداري، بل استعادة للإنسانية في زمن الآلة. لأن مشكلة الأرقام ليست في الأرقام ذاتها، بل في عقولٍ اختزلت الإنسان إلى رقم، ومؤسساتٍ نسيت أن خلف كل رقم قصة، وخلف كل عملية حسابية إنسانًا يحتاج إلى من يراه، لا من يحصيه.

00:07 | 14-08-2026

سردية الهوية الخليجية

لم تنجح السردية الخليجية في تقديم مفهوم متماسك لما هو خليجي. فهي لم تستوعب التنوع الطبيعي للمجتمعات في المنطقة. بخلاف الهوية العربية التقليدية قبل تعرّضها للتفكيك الذي أصابها نتيجة السردية الغربية التي سرقت تاريخ المنطقة وشوّهت هويتها العربية التي تقوم على وحدة اللغة والتاريخ أكثر من كونها هوية عرقية ضيقة. ولا شك أن التوظيف السياسي الذي استخدمها كأدوات للبقاء، حوّل القومية إلى شعارات، والطائفية إلى هندسة ديموغرافية.

منطقة الخليج لها تاريخ قديم (حضارة دلمون، مجان، الممالك العربية قبل الإسلام، ودور المنطقة في التجارة البحرية)، ولها تاريخ معاصر (الإمارات المتصالحة، الكويت كمركز تجاري، ظهور النفط). المشكلة ليست في غياب التاريخ، بل في الاختيار الانتقائي له وفي توظيفه، وليس في عدم وجوده.

السردية الحالية لا تملك تاريخاً قديماً ومعاصراً في وعيها الذاتي، بسبب الانتقائية والتوظيف السياسي. لأن التاريخ كموضوع وجودي موجود، لكن السردية هي التي تتعامى عنه أو تنتقيه. ولا تكشف السردية الخليجية عن تنوع مجتمعات المنطقة وجغرافيتها وامتدادها بين بحر وصحراء، وتنوعها الطبيعي الزراعي والاقتصادي والاجتماعي. إن اختزال المنطقة في تسمية الخليج، واستبعاد الامتدادات الطبيعية نحو بحر العرب والمحيط الهندي، جعل السردية متجزئة وفقيرة، منغلقة على شريطها الساحلي، مقارنة بالفضاء الثقافي الأوسع الذي كانت المنطقة جزءاً منه.

تعاني الهوية الخليجية من أزمة التأصيل، حيث لم تنجح في ترجمة الماضي، وفشلت في امتلاك المفاهيم الخاصة بالمستقبل. صناعة هوية خليجية تحتاج إلى أسس حقيقية تقوم على أرضية صلبة. السلطة والإعلام وحدهما لا يخلقان هوية خليجية حقيقية، بل ينتجان خطاباً آنياً يذوب بمجرد تغيّر الظروف. الهويات تتشكّل عبر طبقات متعاقبة، وتعيد بناء ماضيها باستمرار. والمشكلة الخليجية ليست في غياب التاريخ، بل في قطيعته مع مرحلة ما قبل النفط، وفي تسطيح السردية الرسمية التي تهمّش الأدوار الثقافية والفكرية والاقتصادية القديمة.

لكن الأخطر من أزمة التأصيل هي أزمة التجربة المعاشة. فالفرد الخليجي اليوم يعيش هوية مزدوجة: هوية رسمية تفرضها المناسبات والأعلام، وهوية يومية تعيش في اللهجة والذاكرة العائلية والممارسات الاجتماعية. وهاتان الهويتان نادراً ما تلتقيان. وهذا الانفصام بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش هو ما يجعل الهوية الخليجية هشّة، لأنها لا تُختبر في التفاصيل اليومية، بل تُستهلك في الاحتفالات.

ليست هذه الأزمة حكراً على الخليج. فقد عانت دول أخرى من قطيعة مشابهة بين الماضي والحاضر، مثل تجربة المكسيك بعد الثورة، أو تجربة الهند ما بعد الاستعمار، أو حتى تجربة أوروبا الشرقية بعد انهيار الكتلة السوفياتية. لكن الفارق أن تلك التجارب أنتجت خطاباً نقدياً ومؤسسات بحثية وأدباً وسينما حاولت إعادة بناء الجسور بين الماضي والمستقبل. أما في الخليج، فالسردية الرسمية ما زالت تتعامل مع النقد باعتباره تهديداً، لا كأداة بناء.

السردية الخليجية لا تعاني من غياب التاريخ، بل من تسييس الذاكرة وإخضاعها لبراغماتية السلطة. وهي ليست فقيرة التنوع بقدر ما هي مهملة التنوع في خطابها الرسمي. والحل ليس في رفض المشروع الخليجي فقط، بل في تعميقه بمراجعة نقدية تعيد الاعتبار للتواريخ المحلية، وللمفكرين والأدباء، وللتجارب الاجتماعية قبل النفط، وللعلاقة بالفضاء العربي والإسلامي الأوسع.

00:00 | 7-08-2026

الهوية العربية والسردية

تأثرت الهوية العربية بالغرب مع حملة نابليون (1798)، ثم حركة التنوير العربية (رفاعة الطهطاوي، خير الدين التونسي). وفي مطلع القرن العشرين، عانت الهوية العربية كثيراً من استبطان السردية الغربية، حيث تم نقل كافة المشاكل والعناصر التي عانى منها الغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ الأمر الذي أدى إلى اندلاع الحربين العالميتين. وهكذا تم تصدير فكرة القومية والطائفية والمذهبية إلى العالم العربي الذي خرج من تحت الاحتلال العثماني ثم الاحتلال الأوروبي.

إذ إن العديد من النخب العربية في مرحلة النهضة تأثرت بشكل عميق بالصراعات الأوروبية (كالصراع بين الكنيسة والدولة، والصراعات القومية)، وترجمت تلك الإشكاليات إلى واقع عربي لم يكن يعاني منها بنفس الدرجة، مما خلق حالة من «الاغتراب الهوياتي». كما أن الحدود الوطنية التي رسمتها اتفاقيات سايكس-بيكو، إلى جانب توظيف الطائفية كأداة للسيطرة، حوّلت التنوع الطبيعي في المنطقة إلى صراعات حادة، بينما كانت الهوية العربية التقليدية تقوم على وحدة اللغة والدين والتاريخ أكثر من كونها هوية عرقية ضيقة. ولا شك أن التوظيف السياسي الذي استخدمها كأدوات للبقاء، حوّل القومية إلى شعارات، والطائفية إلى هندسة ديموغرافية.

المأزق المعاصر يكمن في صعوبة الخروج من هذه السردية المستوردة، ومن التأصيل؛ لأن إعادة بناء الهوية اليوم تتطلب نقداً ذاتياً للخطاب العربي دون الوقوع في فخ «التبعية» أو «الرفض المطلق»، ونخباً سياسية تنويرية تؤمن بالحاجة الماسة لهذا المشروع الهام.

لذا من الضروري استعادة المنظومة القيمية التي كانت تميّز المجتمعات العربية وتحديثها، وإنتاج خطاب تاريخي عربي ينطلق من خصوصيته دون تجاهل إنجازات الغرب أو صراعاته. من المهم ألا نقع في «مقابل سردي» يختزل المشكلات العربية كلها في المؤامرة الخارجية، فهناك عوامل داخلية (كالفقر، والاستبداد، وضعف المؤسسات) ساهمت في تعميق تلك الأزمات. أزمة التأصيل ليست فشلاً في ترجمة الماضي فقط، بل فشلاً في امتلاك مفاهيمنا الخاصة للمستقبل. فعندما نقول «كيف نوحّد العرب؟» نحن نطرح سؤالاً غربياً (أمة-دولة)، بينما السؤال الأعمق: «كيف نكون عرباً في عالم متعدد الأقطاب؟». الحل ليس في إعادة تدوير التراث، بل في «تأصيل الحداثة»، أي جعل الحداثة تنبع من سياقنا، لا أن نستوردها كمنتج جاهز.

التعليم أحد الركائز المهمة لرسم الهوية العربية، حيث يجب إعادة كتابة المناهج التاريخية بحيث تُعرض الصراعات القديمة (كالفتنة الكبرى) كـ«دروس في إدارة الخلاف» لا كـ«ملاحم بطولية». وعلى الإعلام إنتاج دراما تاريخية تعكس التعايش اليومي لا البطولات الحربية فقط (مثل مسلسلات عن الأسواق القديمة، والرحلات العلمية بين المذاهب). وفي الفقه السياسي، يتعيّن أن نحيي مبدأ «المصالح المرسلة» كآلية لتوليد أحكام جديدة تناسب العصر، بدلاً من الجمود على النصوص أو استيراد قوانين غربية بحذافيرها.

هذه الظلمة أو الدلامة التي تعاني منها الهوية العربية تتعدى ما تمر به من «أزمة ترجمة» حقيقية، حيث تُرجمت مفاهيم غربية في سياقات مختلفة تماماً، إلى أزمة تأصيل. نعم، الهوية العربية لا تعاني من «أزمة ترجمة» فقط، بل من «أزمة تأصيل»؛ أي فشل في ترجمة الماضي إلى لسان الحاضر. الحل ليس في رفض الغرب أو تقليده، بل في امتلاك جرأة الاجتهاد، بأن نطرح أسئلتنا الخاصة (كيف نوحّد العرب؟ كيف نوزع الثروة؟ كيف ندير التنوع؟) ثم نبحث عن أجوبة في تراثنا وتجارب الآخرين معاً، دون عقدة نقص أو شعور بالتفوق. هذا هو الطريق إلى هوية مرنة، لا منغلقة ولا مذابة.

الهوية ليست كنزاً نحميه، بل مشروعاً نبنيه كل يوم. وهذا المشروع يحتاج إلى معماريين (مفكرين)، لا حراس (أيديولوجيين).

00:00 | 31-07-2026

سردية التفوق..

العالم الثالث، أو ما يعرف بالدول النامية، هل هو مصاب بعقدة التخلّف وضحية للسردية الغربية التي تفترض فوقية الغرب وتخلّف العالم الثالث، وتقدّم تفوّق الغرب؟ الواقع يكشف وجود عقدة لدى أغلب مجتمعات دول العالم الثالث. لأن السردية الغربية تكاد لا تترك جانبًا من جوانب الحياة إلا وقد تخلّلته، وأظهرت تفوّقها المنقطع النظير، وطالت الهوية وأنظمة المعرفة المحلية واللغة وخلافها.

الهوية في الدول اللاتينية ذات نسيج معقّد، نتاج صراع وتفاعل مستمرّين بين عناصر متعددة. فأسطورة «التمازج» (Mestizaje) في القرن العشرين، التي روّجت لها النخب، تقوم على فكرة «العرق الكوني» كرمز للوحدة. وهي في واقعها طمس للهويات الأصلية والأفريقية لصالح نموذج «أوروبي» موحّد، وتبرير للتمييز العنصري تحت شعار «الديمقراطية العرقية». لا تزال الهوية في الدول اللاتينية تعاني حتى بعد ما عُرف بـ«التمازج» في أواخر الثمانينيات، حيث تم الاعتراف رسميًا بالتنوع العرقي والثقافي. لكن حتى مع هذا التغيير، لا يزال التسلسل الهرمي العنصري قائمًا.

باختصار، هي هوية «كاليدوسكوبية» (متغيّرة) تعيش حالة توتر دائم بين التمازج القسري، والاندماج، والبحث عن اعتراف بالاختلاف الذي طال إقصاؤه.

في أفريقيا قام المستعمر الأوروبي، خاصة الفرنسي والبلجيكي، بطمس التاريخ، إذ لم يكتفِ باحتلال الأرض، بل أعاد كتابة التاريخ الأفريقي وكأنه يبدأ بوصول الأوروبي. حيث قُدِّمت المجتمعات الأفريقية على أنها «قبلية» و«بدائية» لا تملك دولةً أو حضارةً، رغم وجود ممالك عريقة كـ«غانا» و«مالي» و«صنغاي» ومملكة «كنغو».

سردية «التفوق الغربي» ليست وهمًا، بل هي خطاب استعماري متجدّد. مجتمعات «العالم الثالث» تعيش أثر خطاب راكمته قرون من الهيمنة. لكن المشكلة ليست في الاعتراف بفجوات تنموية حقيقية، فهذا واقع، بل في جعل هذه الفجوات داخل سردية أخلاقية؛ وذلك بتحويل التخلّف من حالة تاريخية (نتاج نهب واستعمار) إلى «جوهر» أو «عقدة نفسية». وهنا تكمن الخدعة: فتصبح الحداثة الغربية معيارًا كونيًا، وأي انحراف عنها مرضًا يحتاج إلى «شفاء» بتقليد أعمى. الاستعمار لم ينهب الموارد فحسب، بل دمّر أنظمة المعرفة المحلية، واستبدلها بأخرى تغيّب الذات.

الخطير في الأمر أن تصبح عقدة التخلّف سببًا رئيسًا في سجن الذات؛ وعندها يصبح استعمارًا للعقول، وهو الأكثر فتكًا. التبعية المعرفية التي تعاني منها مجتمعات العالم الثالث تكمن في استيراد نظريات اجتماعية وسياسية صُمّمت لسياقات أخرى، وتطبيقها كما هي. الاعتراف بأننا نعاني من استبطان الخطاب الغربي لا يعني الاستسلام، بل هو الخطوة الأولى نحو التحرر المعرفي.

المطلوب ليس رفض الغرب جملةً، ولا تقليده، بل نزع الأسطرة عنه، وذلك بتفكيك خطابه كمنتج تاريخي، لا كحقيقة مطلقة، وبناء معرفة محلية تنطلق من هموم المجتمعات الجنوبية ذاتها. واستعادة الهوية ليست برومانسية الماضي، بل بقراءته نقديًا، واستلهام حلول هجينة تليق بالواقع المعقّد.

العقدة حقيقية، لكنها ليست قدرًا؛ فهي نتاج تاريخي للهيمنة، لا طبيعة أزلية. التحرر يبدأ بفك استبطان خطاب الغرب، وبناء معرفة محلية تنطلق من همومنا، لا من مرآته. والمعركة الأخيرة هي تحرير الخيال، ليتوقف العالم عن أن يكون أحادي البعد، ويصبح فضاءً للتعدد والإبداع. الجمال في التنوع والتعدد والألوان التي تجعل الصورة مليئة بالتفاصيل.

00:00 | 24-07-2026

صناعة المعنى

سؤالٌ يستحقُ أن نطرحَه. كيف لنا أن نصنعَ معنىً يتماشى مع هويتنا، معاصراً ومتحرّراً من سياقاتٍ مختلفةٍ نشأ فيها النص وفي ظروفٍ قد تكون مغايرة؟ السؤال الآخر الذي يجب أن يُطرَح: هل نحن مستهلكون أم منتجون؟ لأنه وإن بدا، شكلياً، أننا نتفاعل مع الرموز والمفردات، غير أن ذلك لا يجعلنا شركاءَ في إنتاج الدلالة، لأن صناعة المعنى أبعدُ من مجرد التفاعل مع النص.

جواباً على السؤال الأول: كيف نصنع معنى؟

يتطلب الأمر أولاً التحرر من السياق الأصلي، دون إنكارٍ له أو رفض، بل فهمُه كـ«أرضية»، ثم تجاوزُها من خلال التفكير والتأمل: ماذا يعني هذا لي أنا، هنا والآن؟ إذاً، صناعة المعنى تتطلب التفكير والتحليل والتأمل. فالتعاريف في حد ذاتها ليست محرّرةً من سياقها وتاريخها ومفاهيمها التي نشأت فيه. صناعة المعنى ليست استخراجاً، بل بناءً يحدث في فجوةٍ بين النص والقارئ. وهذه الفجوة هي المساحة للتحرر مما يحتويه المعنى. المنتِجُ يُخضِعُ النصَ لأسئلتِه، لا يخضِعُ نفسَه لأسئلة النص. المنتجُ يجرؤ على قول: «أفهم ما قصدت، لكنّي أختار معنىً آخر».

وهذه الجرأةُ لا تأتي من فراغ، بل من وعيٍ بأن المعنى ليس جوهراً مودَعاً في النص ينتظر من يكتشفه، بل هو حدثٌ يقع بين قارئٍ يقرأ بقلقٍ ونصٍّ يكتبُ بغموض.

إن التحرر لا يعني النسيان، إنما هو عدم جعل السياق الأصلي سجناً، بل مادةً أوليةً تصلح للهدم والبناء. إنها الجرأةُ على معنى آخر. فالمنتج الحقيقي لا يهدم تعسفاً، بل يبني بديلاً مبرراً بأسئلته الخاصة.

وهكذا تكون الهويةُ ليست سجناً يحدد القراءة، بل منجماً يستخرج منه القارئ أسئلته، لا أجوبته. وكلما كان السؤال أعمق، كان البناءُ أكثر تماسكاً، لأن المعنى الصنيع لا يُقاس بصدقه مع النص، بل بصدقه مع روح القارئ.

أما الجواب على السؤال: هل نحن مستهلكون أم منتجون؟

فالجواب: المستهلك يبحث عن إجابة تطمئنه، أما المنتج فيبحث عن سؤال يزعجه.

صناعة المعنى أن لا تكون المتلقيَ الذي يكون حبيسَ السياقات، وزمنِ الماضي، والمفاهيمِ المعرفيةِ غيرِ المعاصرة.

صناعة المعنى أن تُعيدَ المعاني، وأن تُثيرَ الأسئلة، وأن تَبنيَ معنىً يتجاوز المحتوى الموروث، أو المسيطر، أو المختزل.

صناعة المعنى أن تَعرفَ ما ترفض، وأن تَبنيَ ما تهدم، وأن تمتلكَ شجاعةَ إعادةِ النظرِ والبناء، وأن تقولَ «لا أدري» حين تستدعي الحقيقةُ ذلك.

صناعة المعنى ليست فعلاً فردياً محضاً، إنها حوار بين نصٍّ ميتٍ وقارئٍ حيٍّ، بين تاريخٍ جامدٍ وحاضرٍ مائعٍ. وأنت في هذا الحوار لست مستمعاً فقط، بل شريك في تأليف الموسيقى.

فالموسيقى هنا ليست لحناً مكتوباً سلفاً، بل ارتجالةٌ تتشكّل في لحظة القراءة، حيث يتوقف النص عن كونه سلطةً، ويصبح رفيقاً في رحلة التأويل. وهكذا، في كل مرّة نقرأ، نعيد اختراع العالم قليلاً، ونعيد اختراع أنفسنا كثيراً.

00:02 | 17-07-2026

تعليم الفرقة..

التعليم حجر الأساس لأي تطور، وهو المعني بالحفاظ على النسيج الاجتماعي، وتوفير يد عاملة تلبي المخرجات الاقتصادية ومتطلبات السوق. لكن التعليم الديني في بعض المجتمعات يعاني - بالفعل - من أزمة منهجية، حين يُقدَّم التراث الفقهي وكأنه نصوص مقدسة لا تقبل المراجعة، مع إهمال سياقها التاريخي ومقاصدها الكلية. وهذا يحوِّل الخلاف الفقهي من رحمة إلى فتنة، ومن تنوّع إلى تضييق.

مشكلة التعليم في بعض مجتمعاتنا العربية والإسلامية تكمن في أن المجتمع نفسه لديه تصور مفاده أن «تعلم الدين» يعني حفظ الأحكام والمواقف المتشدّدة، وقد يقاوم الآباء أي منهج يبدو لهم «مخففاً» أو «علمانيّاً». كما أن المناهج الحالية لا تستطيع تقديم منتج قادر على التفكير والإبداع، لأن ما تقدّمه للتلاميذ - في بعضه - هو أصل المشكلة. فالخطورة الحقيقية ليست في تعليم الفقه، بل في احتكار تفسيره، وفي ربطه بالهوية السياسية أو الطائفية، مما ينتج أجيالاً تحفظ الخلافات ولا تفهم جوهر الدين القائم على التوحيد والأخلاق.

والقداسة الممنوحة للآراء الفقهية هي لبّ الأزمة، لأنها تجعل الاجتهاد البشري في مرتبة الوحي، وهذا يناقض مقولة الأئمة أنفسهم: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب». فالمشكلة تكمن في تعليم الطلبة أفكاراً وعلوماً من مدارس فقهية تكرّس الفرقة والاختلاف، والخطورة في هذه الفرق أنها تدّعي القداسة، وتملك الحقيقة المطلقة، وتقوم بتفسيق المخالف بل - في بعض الأحيان - تكفيره. فالخلاف الفقهي ليس المشكلة، بل المشكلة في توظيفه كأداة للتفريق. لقد نشأ الفقه الإسلامي غنيّاً بتنوع مدارسه، غير أن التوظيف السياسي أوجد الفرقة.

التعليم الديني بحاجة إلى مراجعة منهجية، تنتقل به من التلقين إلى التفقه، ومن التعصب للمذاهب إلى التعاون على البر والتقوى، مع فصل تدريس التراث الفقهي عن التربية العقدية والأخلاقية التي ينبغي أن تكون جامعة. وينبغي للتعليم العصري أن يعلّم الطالب كيف يفكر لا ماذا يفكر، فيُقدَّم له المذاهب الفقهية كمناهج اجتهاد، مع تدريبه على أدوات النقد والموازنة، وعلى فهم مقاصد الشريعة التي تتجاوز جزئيات الفروع.في رأيي، إن بعض الإصلاحات في المناهج الفقهية لم تتجاوز المشاكل التي يعاني منها التراث الفقهي، فلا يزال التعصب للمذهب قائماً بدلاً من الوحدة، وهذا خلاف للتوجيه القرآني الذي يأمر بالتعاون على البر والتقوى. كما أن التربية المعتمدة ينبغي أن تكون جامعة.

بعض المناهج الحالية قد تسهم في تكريس الفرقة في الوطن الواحد، وهذا واقع مرير، خصوصاً حين تُدرّس التفاصيل الخلافية التي لا تمس ضروريات الدين، مع إهمال تعليم الطالب كيف يتعامل مع المختلف. والمشكلة ليست في التراث الفقهي بشكل عام، بل في طريقة انتقائه وتقديمه، فالتراث يحتوي على آراء مرنة وأخرى متشدّدة، وبعض المؤسسات التعليمية قد تختار ما يخدم المذهب الرسمي، وتهمل الآراء المخالفة التي قد تكون أكثر انسجاماً مع العصر.

كذلك، يحتاج المعلم إلى تأهيل، فالتعليم العصري القائم على «كيف تفكر» لا «ماذا تفكر» يحتاج معلمين مؤهلين فلسفياً ومنهجياً، وهذا نادر في منظومتنا التعليمية التي تُخرِّج معلمين يحفظون ولا ينقدون.

وكل مرحلة تعليمية تحتاج إلى مناهج تتناسب مع سنّ الطالب، وأن تبقى التربية في كل المراحل مبنية على القيم الجامعة (كالعدل والرحمة والتسامح) كأساس مشترك. حتى في الجامعات، ينبغي تدريس تاريخ الفقه وتطوره، لا تدريس الفقه كمجرد أحكام جامدة، وتقديم الخلاف كدرس في الاجتهاد، لا كصراع بين حق وباطل. والتركيز على مقاصد الشريعة (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال) كإطار جامع، مع النظر إلى تفصيل الفروع بمنظور معاصر يتماشى مع روح العصر.

التعليم هو السفينة التي تنقل المجتمعات من التخلف إلى الرقي، لكنها لن تبحر إن ظلت مناهجها تكرّس الفرقة بدل الوحدة، وتقدّس القديم بدل اجتهاد الجديد. فإصلاح التعليم يبدأ بتحرير العقل من وصاية الآراء البشرية، وإعادة الدين إلى جوهره الأخلاقي الجامع، لا إلى فقه الخلافات المفرقة. ومتى تحقق ذلك، كان التعليم حقاً حجر الأساس لمستقبل زاهر، يبنيه جيل يفكر، لا يقلد، ويتعاون، لا يختلف.

00:01 | 10-07-2026