أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/273.jpg?v=1763304641&w=220&q=100&f=webp

نجيب يماني

ما يموت الود لو مات الكلام!

ما يموت الود لو مات الكلام

‏لك مكان وذكريات ولك شعور

‏ما انت عابر في حياتي والسلام

‏أنت حتى في غيابك لك حضور

أبيات عميقة للأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن ليست بوحاً عاطفياً عابراً، بل بيان وجداني مكثّف عن طبيعة العلاقة التي تتجاوز سطح القول إلى عمق المعنى.

بدر رحمه الله لا يكتب عن حبٍّ عاديٍّ، بل يكتب عن مقام الودّ، عن تلك الرابطة التي لا تنكسر بالصمت ولا تتلاشى بالمسافة.

(ما يموت الود لو مات الكلام)

جملة تُقيم الفرق بين اللغة والروح.

الكلام أداة، والودّ جوهر الأداة قد تصمت وقد تتعثر، وقد تُساء قراءتها؛ أما الجوهر فيبقى نابضاً في الأعماق.

تصوير يأتي لإعلاء قيمة المعنى على اللفظ، ولصدق الشعور على فصاحة العبارة. الودّ هنا كائن مستقل، لا يعيش على حروف، بل يسكن الضمير.

يتوالى البوح الصادق (لك مكان، وذكريات ولك شعور)

ثلاثية محكمة البناء؛ مكانٌ في القلب، وذكريات تؤسّس العلاقة المشتركة، وشعور يمدّ العلاقة بطاقة البقاء.

التكرار المقصود لكلمة (لك) يمنح النص إيقاعاً تأكيدياً، يرسّخ الحضور تثبيتاً بعد تثبيت، ويمنح المخاطَب شرعية الإقامة في قلبه بلا منازع.

(ما انت عابر في حياتي والسلام)

إعلان رفض لفكرة المرور المؤقت، العابر يمرّ كنسمة صيف لا تترك أثراً، أما هذا المخاطَب فصار جزءاً من النسيج الداخلي. يمثل شعوراً ناعماً مثل الشعور الذي تمنحه المخدة لمن أرهقه السهر. جملة تحمل نبرة حسم، قطع للطريق أمام أي محاولة لتصغير العلاقة أو اختزالها في لحظة شعور يمنح الأمان والحماية

(أنت حتى في غيابك لك حضور)..

ذروة المفارقة الجمالية، الغياب عادة نقيض الحضور، غير أن الشاعر يعيد تعريف المفاهيم؛ الحضور ليس جسداً يُرى، بل أثرٌ يُحَسّ.

صورة الشخص قد تغيب عن العين، لكنها تبقى في الذاكرة، في التفاصيل، في الأشياء التي تذكّر به. بذلك يتحوّل الغياب إلى شكل آخر من أشكال البقاء.

قمة الحب الخالص تأتي هنا (لو يخطي الطيب علينا عذرناه طيبه نُشوفه والخطا ما نشوفه)..

هنا لا يُقاس الإنسان بزلاته، بل بصفائه. النظرة تتجه إلى الأصل لا إلى العارض، إلى الطيبة لا إلى العثرة.

هذا اختيار أخلاقي راقٍ؛ فالحب الحقيقي لا يبرر الخطأ، لكنه لا يجعل منه هوية.

الطيب يبقى هو العنوان، والخطأ تفصيل عابر في هامش الصفحة.

تتجلى براعة بدر فنياً في قدرته على تحويل اللغة اليومية إلى شعر يفيض رهافة. مفردات مألوفة، لكن توزيعها يمنحها وهجاً خاصاً. الإيقاع هادئ، متوازن، خالٍ من التكلف. العاطفة صادقة، غير مثقلة بالمبالغة.

تلك هي فرادة الأمير الشاعر؛ بساطة ظاهرية تخفي عمقاً إنسانياً واسعاً.

نص يعكس رؤية للحياة تقوم على الثبات لا على التقلب، وعلى الصفح لا على التشدّد، وعلى الاعتراف بقيمة من أحببنا حتى لو فرّقت بيننا الظروف ودارت بنا الايام

في عالم سريع النسيان، تبدو القصيدة وصية وفاء، تذكّر بأن العلاقات العميقة لا تُقاس بوفرة الكلام، بل بصدق الأثر.

البدر لا يكتب كلمات فحسب، بل يشيّد مقاماً للودّ، ويضع أمام القارئ معياراً راقياً للحب.. أن ترى الخير أكبر من الخطأ، وأن تعترف بالحضور حتى في المسافة، وأن تؤمن بأن بعض الناس لا يمرّون.. بل يقيمون فينا إقامة دائمة ومميّزة لا خروج فيها ولا عودة.

00:00 | 14-05-2026

السعودية ملحمة التحوّل وصناعة الجمال..

بعد سنوات الصحوة العجاف وتصحّر عقول سدنتها وتمرغهم في وحل التشدّد والتنطّع تتوهّج السعودية اليوم وسط التحوّلات الكبرى التي تعيشها.

يتقدّم المشهد الفني بوصفه أحد أكثر المسارات إشراقاً وتأثيراً، حيث تتداخل الرؤية مع الطموح، ويتحوّل الإبداع إلى لغةٍ كونية تعيد تعريف المكان والإنسان.

من أروقة بينالي الدرعية التي تستنطق الذاكرة وتعيد تشكيلها بصيغ معاصرة، إلى تجارب ديزرت إكس العلا التي تفتح حواراً عميقاً مع الطبيعة، يتجلّى أن الفن في السعودية تجاوز حدود العرض والتلقي، ليغدو تجربة وجودية تتشابك فيها الفكرة مع المكان، والهوية مع المستقبل.

الحديث عن الحراك الفني السعودي لا يُقرأ بوصفه طفرة عابرة، بل يُفهم كتحوّل بنيوي عميق، تأسّس على رؤية استراتيجية جعلت الثقافة ركيزة من ركائز التنمية.

فقد انتقل الفنان السعودي من هامش المشهد العالمي إلى مركزه، يحمل رؤيته الخاصة، ويقدّم سرديته التي تنبع من بيئته وتاريخ مجتمعه، ثم تنفتح بثقة على العالم.

ويبدو واضحاً أن الاحتفاء باليوم العالمي للفن داخل المملكة يكتسب بُعداً يتجاوز الطابع الرمزي، ليصبح منصة تأكيد على أن الفن بات جزءاً من النسيج اليومي، وعنصراً فاعلاً في تشكيل الوعي الجمعي.

فالتجربة السعودية لم تعد تكتفي بالمشاركة، بل تسعى إلى التأثير وصناعة الاتجاه.

اللافت في هذه التجربة قدرتها على الجمع بين الأصالة والتجديد؛ فكما يُحتفى بالخط العربي والحِرف اليدوية بوصفها امتداداً لذاكرة حضارية عريقة، تتقدّم في المقابل فنون رقمية وتجارب تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بما يعكس وعياً متكاملاً بحركة التاريخ، حيث لا تعارض بين الجذور والانطلاق، بل تكامل يثري كليهما.

وفي هذا السياق، تمثل المشاريع الكبرى مثل حديقة الملك سلمان وما يتفرع عنها من صروح ثقافية، إلى جانب دار الأوبرا الملكية في الدرعية، ملامح مرحلة جديدة يتجسد فيها الفن كجزء من الفضاء الحضري، لا كعنصر منفصل عنه. فالفن يغادر القاعات المغلقة ليقيم في الشوارع والساحات، ويصبح جزءاً من تجربة المدينة اليومية.

أما الحضور الدولي، فيكشف نضج التجربة السعودية، حيث لم يعد الظهور في منصات كبرى مثل بينالي فينيسيا مجرد تمثيل ثقافي، بل مشاركة فاعلة تسهم في صياغة الأسئلة الجمالية المعاصرة. ويتعزّز ذلك عبر الشراكات مع مؤسسات عالمية مثل مركز بومبيدو، التي تفتح آفاقاً جديدة للحوار والتبادل الثقافي.

كما أن تنامي سوق الفن، ودخول دور المزادات العالمية مثل سوذبيز وكريستيز، يعكس تحوّل الفن إلى قوة اقتصادية مؤثرة، تسهم في تنويع مصادر الدخل وتعزيز الصناعات الإبداعية.

ولا يمكن إغفال الدور الحيوي للمؤسسات الثقافية، وفي مقدمتها هيئة الفنون البصرية، التي تقود هذا الحراك برؤية واضحة تستهدف تمكين الفنان، وتوسيع دائرة المشاركة، وترسيخ حضور الفن في تفاصيل الحياة اليومية. فالمسألة لم تعد رعاية للمواهب فحسب، بل بناء منظومة متكاملة تُنتج المعرفة وتدعم الابتكار.

كما يبرز أثر برامج مثل مسك للفنون، والمعهد الملكي للفنون التقليدية، في إعداد جيل جديد من المبدعين، يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويتحرك بثقة داخل المشهدين المحلي والعالمي.

هذا التحوّل المتسارع خلال سنوات قليلة يبعث على التأمل؛ فالفن في السعودية لم يعد ترفاً ثقافياً، بل أصبح لغة تعبير حضاري، ووسيلة لبناء الجسور بين الشعوب، وأداة لإعادة صياغة الصورة الذهنية للمجتمع.

وفي عمق هذه التجربة، يبرز سؤال جوهري: ما هو الفن؟

ذلك السؤال الذي تطرحه الحملة المعاصرة بوصفه مدخلاً للتفكير، لا بحثاً عن إجابة نهائية، بل دعوة مفتوحة لاكتشاف الفن في كل شيء؛ في التفاصيل الصغيرة، في التحوّلات الكبرى، في العلاقة بين الإنسان ومحيطه.

هكذا تتشكّل ملامح المشهد الفني السعودي، تجربة حية، نابضة، تتجاوز التعريفات الجامدة، وتمضي بثقة نحو المستقبل، حاملة معها إرثاً ثرياً، ورؤية طموحة، وقدرة مدهشة على تحويل الجمال إلى قوة ناعمة تعيد رسم موقع المملكة على خريطة الثقافة العالمية.

21:52 | 10-05-2026

صناعة مستقبل الطب الرياضي!

لم تعد الرياضة في وطني مجرد نشاط جماهيري، وإعجاب وتشجيع، بل مشروع سيادي متكامل، فرضته رؤية المملكة القديرة، التى أعادت تشكيل خريطة الحركة الرياضية باستثمارات بلغت مليارات الريالات في الأندية والبنية التحتية.

من هذا المنطلق كانت الشراكة حاضرة بين مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، الذي يسعى بخطى واثقة نحو توسيع أفقه الاستراتيجي، عبر شراكات نوعية تُعيد تشكيل العلاقة بين الصحة والرياضة، وتُحوّلها من تقاطع محدود إلى تكامل عميق يثمر قيمة مضافة على مستوى الفرد والمجتمع.

أتى توقيع اتفاقية تأسيس «مركز القدية للطب الرياضي» مع شركة القدية للاستثمار تجسيداً حياً لهذا التوجه الطموح، الذي يستند إلى رؤية واضحة، ويستهدف بناء منظومة متقدمة للطب الرياضي بمعايير عالمية.

الخطوة الجديدة تعكس وعياً متنامياً بأهمية الطب الرياضي كأحد الأعمدة الأساسية لتطور القطاع الرياضي، خاصة في ظل التحوّلات الكبرى التي تشهدها المملكة ضمن رؤية المملكة 2030، والتي وضعت الرياضة في قلب مشروعها التنموي، ليس بوصفها نشاطاً ترفيهياً فحسب، بل باعتبارها صناعة متكاملة ذات أبعاد صحية واقتصادية واجتماعية.

المركز المرتقب في عاصمة الوطن يحمل في مضمونه نقلة نوعية، إذ يجمع بين الخبرة الطبية العريقة للتخصصي، والطموح الاستثماري لمشروع القدية، ليقدّم نموذجاً متكاملاً يجمع الوقاية والتشخيص والعلاج وإعادة التأهيل، إلى جانب برامج تطوير الأداء، وهي منظومة متكاملة تضع الإنسان في قلب الاهتمام، سواء كان رياضياً محترفاً أو موهبة ناشئة أو فرداً يسعى إلى نمط حياة صحي.

الدور المحوري الذي سيتولاه المستشفى التخصصى في الإشراف الفني والتشغيلي يمنح المشروع بعداً نوعياً، حيث تتجسّد فيه خبرات تراكمية عميقة، مدعومة بسجل عالمي حافل بالإنجازات والتصنيفات المتقدمة.

هذا الامتداد العلمي والسريري يضمن أن يكون المركز منصة للتميّز، لا تكتفي بتقديم الخدمات، بل تُسهم في إنتاج المعرفة، وتطوير الأبحاث، وابتكار حلول طبية متقدمة في مجال الطب الرياضي.

الحضور القيادي في توقيع الاتفاقية، ممثلاً في الدكتور ماجد بن إبراهيم الفياض والأستاذ عبدالله بن ناصر الداود، يعكس جدية المشروع وعمق الرهان عليه، بوصفه خطوة استراتيجية تتجاوز حدود التعاون التقليدي، نحو بناء نموذج يحتذى به في التكامل بين القطاعات الحيوية.

الأبعاد الاقتصادية لهذه المبادرة لا تقل أهمية عن أبعادها الصحية، إذ يُنتظر أن يسهم المركز في جذب الاستثمارات النوعية، وتعزيز مكانة المملكة مركزاً إقليمياً للطب الرياضي، خاصة مع تزايد الاهتمام العالمي بهذا المجال، وارتباطه المباشر بصناعات الرياضة واللياقة البدنية والتقنيات الصحية.

المشهد العام يوحي بأن المملكة تتجه نحو بناء منظومة رياضية صحية متكاملة، تقوم على أسس علمية راسخة، وتستفيد من أحدث ما توصلت إليه الممارسات العالمية، مع الحفاظ على خصوصية التجربة الوطنية.

في هذا الإطار، يغدو «مركز القدية للطب الرياضي» أحد أبرز معالم هذه المرحلة، وجسراً يربط بين الطموح الرياضي والتفوق الطبي.

المكانة التي يحتلها مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث على خارطة المؤسسات الصحية العالمية تضفي على هذا المشروع مصداقية عالية، وتمنحه زخماً إضافياً، خاصة مع تصنيفه المتقدّم ضمن أفضل المؤسسات الأكاديمية الصحية، وما يحمله ذلك من دلالات على جودة الأداء وعمق التأثير.

بهذا التكامل بين الخبرة الطبية والرؤية الاستثمارية، تتشكّل ملامح مرحلة جديدة، تتداخل فيها مسارات الصحة والرياضة، لتنتج نموذجاً متطوراً يعزز جودة الحياة، ويدعم مسيرة التنمية، ويؤسّس لواقع تتكامل فيه العافية مع الإنجاز، والعلم مع الطموح.

ما يتحقق على أرض الوطن انعكاساً لتحوّل وطني أوسع يرى في الصحة ركيزة سيادية، وفي البحث العلمي قوة ناعمة، وفي الإنسان محور التنمية،

اتفاق يفتح أفقاً جديداً لدور سعودي متقدّم في صياغة مستقبل الطب الرياضى إقليمياً وعالمياً.

23:45 | 6-05-2026

مع السعودية.. الكل على أصابع أقدامهم !

«متعة السعودية أن تجعل الناس كلهم على أصابع رجولهم» عبدالعزيز بن سلمان..


ما احتفت اللغة العربية بأمرٍ قدر حفاوتها بجوامع الكلم، بما تستبطنه من قدرة مُطلقها على الإيجاز في اللفظ، مع شمول في المعنى، وخُلوصٍ بارع من مساقط التعقيد، ومنزلقات الالتواء، فتأتي العبارة حينها محتشدة بطاقة عابرة للزمن، حاضرة في لحظة التفسير المباشر، مجنّحة من ثمَّ مع نوافذ التأويل المطلق، كأنّها مرآة يقرأ فيها من يُطالعها مقدار ما يدخره في جَنانه من علمٍ ومعرفةٍ وثقافةٍ وإداركٍ وشعورٍ، وغيرها.


على أنّها حين تُشحن بطاقة الإيحاء في مسارب الرسائل المبطنة تلك المفصحة وجهاً، والمرمّزة في وجوه أُخر، فإنّها حينئذٍ تغدو أشدّ وقعاً، وأكثر حضوراً، وأعمق غوراً، وأدعى على أن تُؤخذ إلى المرامى التي يتغيّاها قائلها ويرمي إليها؛ لهذا ما تنفكُّ مثلُ هذه الرسائل أن تكون قرينة بقائلها، يُنظر إلى أثرها من موقع صاحبها، وتُقرأ بمصاحبة زمانها، ولا مناص ثمّة من أخذها بملحقات الظّرف الذي أُنتجت فيه، فتسهل عندئذٍ قراءتها على الوجه الصّحيح، وتبلغ سَمْع من تعنيه، وتستقرّ حيث يجب أن تستقر، وتبقى رسالة قادرة على عبور اللّحظة، ودالة عليها وعلى ما سبقها ويليها.


على هذا المهاد والتهيئة انظر بعين التدقيق الفاحص، والنّظر المستبصر، والتأمّل البصير في عبارة «متعة السعودية أن تجعل النّاس كلّهم على أصابع أرجلهم» أرسلها وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، في استضافة تلفزيونية تعليقاً على مجرى الأحداث الأخيرة.


جاءت العبارة مجيبة على الظرف بما يستحقه من عابر الرسالة لمن تعنيه، بيقين أنها قد وصلت بريده، وأدّت غرضها المَعنِي، فمن هذه الثّقة القادرة جاءت العبارة محمولة في ابتسامة الواثق، واطمئنان المقتدر أنّ «كلّ شيء تحت السيطرة».. وعلى الجميع الترقّب والانتظار، وأن يقفوا على «أصابع أرجلهم»؛ ليروا صنيع المملكة وقدرتها على ترتيب سوق النفط بما يلائم التحديدات الجديدة..


في الوقت نفسه نجد أنّ العبارة تعدّت بشمولها إلى أرحب من ذلك، حين نأخذها بأجنحة التأويل إلى كافة الفضاءات، ونفكّ مغلاقها على رويّة ومكث، ونذهب في مسالك بلاغتها، ودروب جوامع كلمها، فتتراءى في شاشة الخاطر صورة الناس وقوفاً على أطراف أصابعهم كناية عن التأهّب والترقّب والانتظار، وهي حالة لا ترافق صاحبها إلا مع نوازع القلق، وطائف الشّوق، وجائش الرغبة، فلا استقرار، ولا سكون، ولا ركون، إنّما هي حركة فوّارة دؤوبة من المُصْدِر، ونشاط متصل من الفاعل، وقرارات ومعالجات تفوق توقع المترقب، وتهزم تخرّصات المتأهّب، وتدهش خاطر المنتظر، وتبقى للسعودية «المتعة» وهي تصنع كلّ ذلك في خطو الواثق، وصنيع القادر، وسديد الرّائي..


هذا ما صنعته السعودية مع «الرؤية» منذ فجر انطلاقها في 2016، وهي مع مشرق كل شمس توقف الناس على أطراف أصباع أقدامهم، مع تباين مشاعرهم، وتفاوت مناظيرهم، واختلاف مشارب تقييمهم، بما أحدثت من تغييرات مهولة في وجيز الزمن، وقصير العمر، فلقد سقطت كافة الصور النمطية، وتلاشت كافة المُسلّمات التقييمية، وسقطت كلّ الأقنعة التي وَسَمت المملكة سابقاً، في كافة المجالات، وبقيت المملكة اليوم منظورة في مرآة «الرؤية»، ولا شيء سواها، حاضرة كما ينبغي، مدهشة بعطائها، واثقة من قدراتها وإمكاناتها، مهما عظُم الخطب، واشتدت الأزمات..


إنّ هذه «المتعة» التي تصنعها السعودية اليوم وهي ترى النّاس وقوفاً على أصابع أرجلهم لصنيعها، تستطيع أن تقرأها بسهولة ويسر، لو قَصَرت النظر فقط على منهجية قيادتها الرشيدة في فقه التعامل مع الأزمات، فلا تحسبن أنّ أزمة سوق النفط اليوم، أشدّ وقعاً مما حدث عند «جائحة كورونا»، وقد تعطّل العالم كلّه بلا استثناء، واهتزّ ميزان الاقتصاد في أقوى الدول وأكثرها رسوخاً، وبقيت المملكة كالسيف المجرّد وحيدة، وتجاوزت بصمودها وقدرتها حدود المحافظة على وتيرة نموّها الاقتصادي؛ بل امتدت لتواسي وتضمد الجراح، وتعين كافة الدول المحتاجة، وتحمل لواء دول العشرين في أصعب دوراتها، فكان صنيعها مدهشاً، وقدرتها محل تقدير العالم أجمع، وذلك رهان أدار بوصلة الاهتمام والنّظر المغاير للمملكة، والتعامل معها، وشطب من الذواكر الصور النمطية المتكلسة، واستبدلها بواقع جديد مغاير.


فمن ذلك الفعل الذي أوقف العالم على أطراف أصابعه حينها، أتي رهان الأمير عبدالعزيز بن سلمان، بأن ذات الأقدام عليها أن تظل واقفة على أطراف أصابعها في موقف الترقب والانتظار، وأن تدخر ما تستطيع من طاقة الدهشة لما ستفعله المملكة من «متعة» في طوايا ما ستقوم به مستقبلاً، قريباً أو ممتداً ما امتد العطاء واستمر مع هذا العهد الزاهر، والقيادة الباصرة الرشيدة.


لن أستثني نفسي من حظّ الوقوف على أطراف أصابع قدمي انتظاراً، غير أني سأكون مملوءاً بالثقة، ومزهوّاً بالافتخار لما سيأتي؛ لقناعتي أنه سيكون كما عهدناه فوق المتوقع، وأبعد من الاحتمال، وأرحب وقعاً في عالم الإنجاز و«المتعة» السعودية الخالصة..


فشكراً للأمير عبدالعزيز بن سلمان على هذه العبارة الموحية، والرسالة التي تعنينا نحن أولاً قبل أن تعبر لغيرنا.


فأنعِم بقيادة تقول وتفعل، قولها جوامع كلم، وفعلها «متعة» تلجم.

00:36 | 5-05-2026

تراتيلُ الفناءِ في مِحْرابِ الوجْد

يقول مجنون ليلى

لَو مالَ قلبي عَنْ هَواكَ نَزعتُهُ

‏وَشَرَيتُ قَلبًا فِي هَواكَ يَذوبُ

‏آياتُ حُبِّكَ في فؤادي أُحكِمَتْ

‏مَنْ قالَ أنّي عَن هواكَ أتوبُ

كلما قرأت شعراً لقيس بن الملوح أقف مندهشاً لسحر كلماته الصادقة واشتعال حبه الذي ظل متّقداً طوال حياته، حب يستحيل وجوده في أيامنا هذه بل قد يكون معدوماً.

في كلماته لليلى تتوارى اللغاتُ خجلاً أمامَ سطوةِ بوحه، وتنكفئُ الحروفُ على أرصفةِ الذهولِ وهي تُطالعُ دستوريّةَ العشقِ التي خطّها مجنون بني عامر.

في شعره لا نقرأُ شعراً، بل نشهدُ عمليةَ تشريحٍ وجوديّة، حيثُ يغدو القلبُ مجردَ رداءٍ يُخلعُ إذا ما قصّر في حقِ المحبوب، ويُستبدلُ بكيانٍ أدقَّ وأرقَّ، لا وظيفةَ له سوى الذوبانِ السرمديِّ في ملكوتِ الهوى.

يتجلّى قيسٌ كصوفيٍّ في محرابِ الجمال، يرفضُ فكرةَ استبدالِ القلبِ بِلُجّةِ الشوقِ أو الميلِ ولو لغفوةٍ واحدة.

يُعلنُ للعالمِ أنّ الوفاءَ لديهِ ليس اختياراً، بل قدَرٌ ممهورٌ بالدم. فإذا ما حدثَ وخانَ القلبُ نبضَه بالالتفاتِ لغيرِ وجهِ ليلى، فالخلاصُ يكمنُ في انتزاعِ هذا العضوِ المتمرد.

إنها تضحيةٌ تفوقُ حدودَ المألوف؛ فمن ذا الذي يشتري قلباً جديداً لغرضِ الاحتراقِ والذوبانِ فحسب؟

(​وَأَهجُرُ قَلبي فيكَ إِن كانَ مائلاً

وَأَترُكُ روحي أَن تَكونَ تَطيبُ)..

تمضي الأبياتُ لترسمَ آياتٍ مُحكماتٍ في إنجيلِ الهوى، حيثُ غدا حبُّ ليلى نصاً مقدساً لا يقبلُ التأويلَ أو النسخ. هي «آياتٌ» نُقشت بأزاميلِ الوجعِ على جدرانِ الفؤاد، فاستحالتْ إلى عقيدةٍ راسخةٍ لا تزعزعها رياحُ العذلِ ولا نصائحُ اللائمين.

يتساءلُ قيسٌ باستنكارٍ يملأُ المدى: كيفَ يتوبُ المرءُ عن كينونتِه؟ وكيفَ يعتذرُ الغريقُ عن احتضانِ الماء؟

يمتدُّ ألقُ قيسٍ في فضاءاتِ التيه مؤكداً عهدَ الدمِ والدمع، وموضحاً أنَّ العشقَ لديهِ هو الطوافُ الأبديُّ حولَ فكرةٍ واحدة، لا شريكَ لها ولا شبيه.

الحبُّ هنا صيرورةٌ من الألمِ العذب، ومخاضٌ لا ينتهي إلا بالانصهارِ التامِّ في ذاتِ الآخر.

(​أَرى كُلَّ مَعشوقَينِ غَيرِيَ وَغَيرَها

يَنالانِ حَظاً في الهَوى وَيَتوبانِ

وَأَصبَحُ كَالمَجنونِ أَهذي بِذِكرِها

تَمَلَّكَ مِني الحُبُّ كُلَّ جَنانِي)..

خاتمةُ القولِ إنَّ هذا النصَّ يظلُّ منارةً لكلِّ الأرواحِ الهائمةِ التي ترفضُ أنصافَ الحلولِ في العاطفة.

المجنون لم يكتب شعراً لِيُطربنا، بل سكبَ روحَه في قوالبَ من نور، ليخبرنا أنَّ الحبَّ الحقيقيَّ هو ذلك الذي يجعلُ الفناءَ في المحبوبِ أسمى مراتبِ الخلود. كأنما خُلِقَ هذا الرجلُ ليعلّمَ البشريةَ أنَّ القلوبَ التي لا تذوبُ، هي محضُ حجارةٍ صماءَ لا تستحقُّ أن تنبضَ في صدورِ الأوفياء.

00:06 | 30-04-2026

رؤية 2030.. النموذج الاستثنائي

في كل عام يمضي على «الرؤية»، منذ انطلاقتها المباركة في العام 2016م، وهي تقدم جرد حسابها، وتطرح ما أنجزت، وما هي بصدد إنجازه.

يقيناً لا شك فيه، أن الله أنعم على هذه البلاد المباركة بقيادة لا مثيل لها في كافة دول العالم. ومن يرى في ما أقول مبالغة أو «شطح» محب في حضرة الوطن، ومقام قيادته، فلينظر ما وسعه النظر، وليقلب طرفه أينما شاء، ولينظر في كراسة التاريخ الإنساني الحديث. فإن رأى أن هناك دولة واحدة في القديم والحديث استطاعت أن تنجز ما أنجزته «الرؤية» في عقد واحد من الزمن فليأتني، وأنا قمين له بالاعتذار، وضمين له بالاعتراف بالفضل ولن يجد ثمة مبتغاه.

فما أعظم كلمات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في تصدير تقرير الرؤية للعام 2025، وقد جاءت حاملة البشرى، مبرقة بالأمنيات الصوادق، بقوله البالج الأغر «بلادنا تمضي نحو مستقبل أفضل مع منجزات رؤية 2030 منذ إطلاقها»، وهي كلمة صدق، ورؤية حق، تدعمها المنجزات الماثلة، وتعضدها العطاءات المنظورة، وتكشفها الأرقام التي لا تتجمل ولا تكذب، ولست بصدد التطرق لها، فذاك مجال تضيق عنه المساحة، وتتراحب آفاقها لذوي الاختصاص كلٌّ في مجاله، لينهلوا من معين الإنجاز، وليكشفوا ما حققته الرؤية في وجيز الزمن، الذي تتلامع حقائقه في مرآة كلمات خادم الحرمين الشريفين «بلادنا أصبحت نموذجاً في استغلال الطاقات والثروات من أجل تنمية شاملة»،

كلمة قائد بصير، عارف بحقائق الأشياء ودقائقها، ومدرك بأن ما قدمته المملكة من إنجاز مع الرؤية، تتقاصر دونه كبريات الدول الراسخة في ميدان التقدم التقني والصناعي والاقتصادي، لتقف المملكة برؤيتها موقف الند، وموقف المزاحم بالعطاء في ميدان العطاء الإنساني.

ومن ذات منسج الثقة العميق، ومنطق القول المفحم، جاءت كلمات ولي العهد المرافقة لإعلان تقرير الرؤية عن العام 2025، لتؤكد أن «المملكة قدّمت نموذجاً استثنائياً في تحويل الرؤى إلى واقع»، وهو الميدان الذي تبيّن فيه المسافة بين الأقوال والأفعال، والنظريات والتطبيق، وتستجلى في تفاصيله القدرات وموازين الدول، وحكمة ورشد قيادتها، وقدرتها في الصعود بأوطانها إلى المراقي الساميات، وتدفع بها إلى سوح التنافس الشريف في ميادين التقدّم، خدمة للإنسانية جمعاء، وهذا حال المملكة لمن أراد أن يبصرها بعين النصفة دون انحياز أو تطفيف.

فلئن كان ما تحقق من إنجاز يحمل المنصفين على الدهشة، فالدهشة أعظم حين يقرر ولي العهد الأمين أن «ما حققته الرؤية من إنجاز يضعنا أمام مسؤولية لمضاعفة الجهود»، فنحن هنا أمام قائد لا ينظر إلى المنجز بوصفه نهاية الطريق، والغاية المبتغاة التي لا تحتاج إلى مزيد؛ بل يراها منطلقاً لمرحلة أرحب تحدياً، واستشرافاً لأفق أبعد، بلا ركون أو إبطاء، وهذا دأب «الرؤية»، ما صعدت قمة إلا رنت لقمة أسمق، وما أنجزت فرضاً إلى رسمت أفقاً آخر لفروض تتطلع إلى الكمال، فنظرك قاصر، وخيالك ضامر إن حسبت أنّ «المجد» قد ختم سطوره في ربوع بلادي، وأنّ «الإنجاز» قد سكن ذاكرة الماضي الحاشد، ولم يبقَ للحاضر ما يضيف، وللمستقبل ما يدهش.. فما مضى كان أزهر، لكن الحاضر أورق وأنضر، والمستقبل أزهى وأبهر.

انظر وتأمل فعل «الرؤية» منذ أن أظلّت حاضر حياتنا، وتجذّرت سريعاً في نسيج المجتمع، باثة في حياتنا طاقة جديدة، ومحركة تروس الإنجاز لترسم الدهشة والغبطة والإعجاب، في متواليات من إبهار، ومتتاليات من البدائع المتفردات في كل مجال ومساق، مسجلة في دفتر السبق العالمي حضورها المميّز، ومنجزها الباعث على استمطار الحمد والثناء..

لست بصدد مناقشة ما جاء في تقرير الرؤية لهذا العام، فما احتشد به التقرير عصيٌّ على التلخيص، فمن رام ذلك فقد ركب غير ذلول، وقامر بمهزوم، وراهن رهان خاسر مكلوم، فذاك محيط فسيح تضاربت أمواجه بالإنجازات العصيّة على الحساب، واحتشدت بواطنه الفسيح من العطاءات التي جاوزت المتوقع، وتخطت المنظور، ولا غرو ولا عجب.. فعلى مقياس «العزم» فصّلت القيادة هياكل «الرؤية»، وبيقين الواثق في شعبه راهنت على النجاح، فما خاب عزم، ولا انهزم رهان؛ بل كان «المحصول» أكبر من مظان «الحقل»، والمحصود أوفر من وعد السلال، ليسجل التقرير هذا العام سطور مرحلة استثنائية من تاريخ الوطن، غير أن إشارة التقرير أن «المملكة تتقدّم من المرتبة 37 إلى 22 بمؤشر السعادة العالمي»، زادني سروراً، وملأني بهجة، فذاك ما أرجوه لوطني وبني وطني، خاصة الذين تأذوا في شبابهم، وساءهم في كهولتهم صنيع «الصحوة».

فما أعظم الرؤية وقد رفعت معدل السعادة إلى هذا المقام السامق، وأعادت ترتيب وجه المملكة كما ينبغي، فهل آن للعالم أن يعيد ثوابت ترتيبه للدول على مقياس التفريق بينه أولاً وثانياً وثالثاً..

فالمملكة برؤتها قمينة وجديرة بمكان الصدارة في عالمها الأول.

حفظ الله للوطن وأهله الملك سلمان وولي عهده الأمين محمد الخير

والحمد لله رب العالمين.

23:59 | 26-04-2026

الخالدي.. مراقي الشهادة وجلال الوفاء

ألا ما أعظم اللّحظة، وما أجلَّ الموقف؛ حين يستقرّ بك المقام في نصف المسافة الواشجة بين «الفداء» في أعلى مراقيه، و«الوفاء» في أسنى مراتبه، فتمضي مُقلّبًا طَرف الزّهو بينهما، منعقدٌ لسانك عن جائش التعبير هيبة، وملتزم الصمت إجلالًا وتقديرًا واعتزازًا.

فانظر بمِ تُماثل فداء شهيد الوطن جراح بن محمد الشعلان الخالدي، رحمه الله، وقد أدى فرضه، وجاد بنفسه، فدًى لوطنه، وذودًا عن حماه وأرضه.

وانظر بذات الطرف بحثًا عن مكافآت المعاني لصنيع صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة، وقد أمر بتسمية مسجد الشركة السعودية للطاقة في المركز الرئيسي بالقطاع الشرقي باسم الخالدي وهذا ديدنه، ودأبه، وخلّة كأنّها «جين» توارثه كابرًا عن كابر منذ فجر «التوحيد» الأبلج، إلى هذا العهد الرَّخِي الزاهر.

معانٍ معتقة بعبق التراب الغالي، ووفاء يعلّق في أعناق المستحقين من أبناء الوطن، كفاء ما يهبون الوطن من جليل الصنائع، وعظيم المواقف، فتتكامل الصورة، وتبقى أيقونة في أضابير التاريخ، ورمزًا نباهي به العالم أجمع، ومثالًا نعرضه في مسرح المباهاة والفخر، يثبت جوهر الوطنية فعلًا مؤصّلًا، لا قولًا مرسلًا، ويعمّق المعاني الإنسانية الأصيلة بين القيادة في رشدها، والمواطنة في عطائها..

لقد صدق الشاعر بقوله

والفخرُ يلمعُ والأمجاد ساطعةٌ

والنصرُ ينهمرُ والتاريخُ يمليني

درٌّ تألّق في تاجٍ على ملكٍ

من وحيهِ كلُّ منثورٍ وموزونِ

تاريخُ آل سعودٍ في جلالتِهِ

فصلُ الفصول وعنوانُ العناوينِ..

هكذا عشنا الحياة على مرّ عهود آل سعود الزواهر، عطاء، وفداء، وكفاح، ووفاء، فشكرًا للأمير عبدالعزيز بن سلمان، فقد خلّدت معنى، وحفظت اسمًا، ورفعت ذكرًا، وسجلت في ذاكرة التاريخ سطرًا جديدًا من سطور عهدكم الباذخ..

موقف تراه مجلوًّا في مرآة قول الشاعر:

أرضُ الفداءِ ومهدُهُ وغراسُهُ

أفدي بنفسي المفتدي والمُفتدَى

أمّا إن رحلت ببصرك تلقاء «الخالدي»، وتخيلته في تلك اللحظة الفارقة، وهو يقف طودًا شامخًا، وقلعة صمود بانتسابه إلى رجال الأمن الصناعي، ورأيته وهو يصد التهديدات التي استهدفت قلب الاقتصاد الوطني ومصادر قوته، والمنبعثة كرهًا من تلقاء «الحقد الصفوي» الأعمى، وأبصرته وهو يجود بنفسه في موقف الفداء، والشهادة مبتغاه، فكأنك حينها تكاد تسمعه، وهو يجسّد بلسان الحال الناطق، ما سطّره يراع الشاعر الأمير عبدالله الفيصل رحمه الله:

أفديكَ يا وطني إذا عزَّ الفدا

بأعزِّ ما جادتْ به نِعمُ الحياة

كلُّ الوجودِ وما احتواهُ إلى الفنا

إلا هواك يظلُّ مرفوعًا لواه

كأنّ اللحظة تلك لا كفاء لها غير تخليد اسمك يا «جراح» يا «خالدي»، رفعت اسمك عاليًا، وعلوت بذكرك، فحقّ لنا أن نستعيد ذكراك في الخالدين من أبناء الوطن الخُلّص، فقد آثرت أن تمثل خط الدفاع الأول عن المنشآت الإستراتيجية، من حقول النفط إلى المصافي إلى مراكز الطاقة، حيث أي اختراق يعني تهديدًا مباشرًا للاقتصاد والأمن معًا، فكنت واحدًا من هؤلاء الذين اختاروا أن يكونوا في مواقع الخطر، لا خلفها، وتزداد صورتك وضوحًا وعمقًا في تفاصيل سيرتك الإنسانية؛ كونك من أبناء مدينة «عنك» بمحافظة القطيف، في المنطقة الشرقية، وقد بلغت من العمر (44) عامًا، وهي مرحلة نضجٍ واكتمال، حيث يكون الإنسان في ذروة عطائه ومسؤوليته تجاه أسرته ومجتمعه.

لم تكن رقمًا في سجل الوظائف، بل إنسانًا له جذور في أرضه، وامتداد في أسرته، وحضور في مجتمعه.

عُرفت بين زملائك بالإخلاص والتفاني، حتى لُقِّبت بأبي محمد إشارة إلى مكانتك الإنسانية القريبة من القلوب، قبل أن يكون اسمًا في ميادين العمل.

وها أنت اليوم يُخلّد ذكرك بتسمية اسمك لبيت من بيوت الله في الأرض، يقرأ داخله السلام عليك، ويخصّك بالدعاء جلبًا للرحمة، ويحفظ سيرتك في سجل الشهداء الأبرار.

إنّه فعلٌ رمزي عميق الدلالة، من أمير هذا دأبه، وذاك ديدنه.

فعل يختصر فلسفة الوفاء في الدولة السعودية، ويؤكد أن من يحرس الوطن يُحفظ اسمه في ذاكرته الحية، فهذا التكريم يعكس وعيًا مؤسسيًا عميقًا، بأن الأمن الصناعي ليس عملًا تقنيًا فقط، بل رسالة وطنية، وأنّ العامل في هذا المجال يقف على خطّ تماس مباشر مع التهديدات، ويواجهها بإرادة صلبة وكفاءة عالية؛ ولذا سيبقى مسجد «شهيد الوطن جراح الخالدي» أكثر من معلمٍ معماري؛ سيكون ذاكرةً حيّة، وشاهدًا على أن في هذه الأرض رجالًا إذا ناداهم الواجب لبّوا، وإذا واجههم الخطر ثبتوا، وإذا جاءهم القدر ارتقوا بكرامة.. ينادون بصوت العزم والحزم والإخلاص:

يا وطني تفدي ترابَك أنفسٌ

تجودُ بلا خوفِ المماتِ وخطبهِ

رحم الله الشهيد، وجعل اسمه نورًا في سجل الخالدين، لتصبح قصته درسًا يُتلى، لا بالحروف، بل بالمواقف.. وشكراً الأمير عبدالعزيز وفيت وكفيت.

00:01 | 23-04-2026

رياض مود... نهاية زمن النكد..!

أعلن المستشار تركي آل الشيخ إطلاق الألبوم الموسيقي الأول بعنوان «رياض مود». توليفة موسيقية عالمية فريدة، تجمع بين الحداثة والأصالة، لتعزيز دور الموسيقى عنصراً أساسيّاً على الصعيد الترفيهي والثقافي، بعد زمن الصحوة الكالح، الذي صنع من مفردة «البدعة» فزّاعة تمنع أي خروج عن «الصندوق» العقلي، الذي جعلته السائد وسط مجتمعنا، فجافينا الفرح وانشغلنا بالموت والنكد. الموسيقى ليست اهتماما طارئاً، ولا فناً مستعاراً من حضارات أخرى، هي امتدادٌ حيٌّ لتاريخٍ طويلٍ تشكّل في الصحراء، وتغذّى من الإيقاع الفطري للحياة. حب قديم تمكّن من قلب العرب منذ الجاهلية، تأصل في مكة، المدينة، الطائف، خيبر، دومة الجندل واليمامة.

عرفوا الحداء، وغنّوا للشعر، وضبطوا أوزانه على إيقاعٍ موسيقيٍّ فطري،

ومع تطوّر الحضارة العربية، تحوّلت الموسيقى إلى علمٍ وفن، فازدهرت المقامات، وتطوّرت الآلات، وانتقل تأثير العود والناي والربابة إلى العالم، حاملةً معها روح الشرق وإحساسه العميق بالنغم.

فموسيقى الجاز والسمبا والرمبا أصلها موجود في ألحان الجزيرة العربية. كما قدّمت الموسيقى العربية أعظم المغنين والملحنين إلى العالم مثل إسحاق الموصلي والفارابي وابن سينا والكندي وطويس ومعبد وابن سريج وابن طنبور وجميلة الحجازية وإبراهيم الموصلي والسهمي وإبراهيم بن المهدي الذي أنشأ أول مدرسة لقواعد الفن والموسيقى

في دولة الأندلس أدخل العرب الموشحات والزجل وعرفوا أوزاناً ومقامات جديدة، وكان رائد الموسيقى زرياب بن جعفر الحاجب الذي زاد في أوتار العود إلى خمسة بدلاً من أربعة.

على أرض المملكة تشكّلت هوية موسيقية فريدة، يمكن تتبعها عبر نماذج حيّة من التراث القديم، فـالعرضة السعودية لم تكن مجرد رقصة، بل إيقاع حرب وهيبة، تتداخل فيها الطبول مع الإنشاد الجماعي، بينما حملت السامري طابع الطرب الشعبي الهادئ، وجسّدت المجرور في الحجاز تمازج الإيقاع بالحركة، في حين قدّمت الخطوة الجنوبية نموذجاً مختلفاً ينبض بالحيوية والسرعة، كلها كانت تعبيراً عن الهوية والانتماء والذاكرة الجمعية، حتى جاءت مرحلة التحول المؤسسي فأصبحت الموسيقى مشروع دولة، تقودها هيئة الموسيقى التي تأسست عام 2020 لتطوير القطاع وبنائه على أسس احترافية، لدعم وتمكين التعليم الموسيقي، والإنتاج، بما يخلق منظومة متكاملة تعزز حضور الموسيقى محلياً وعالمياً.

الهيئة العامة للترفيه، لعبت دوراً محورياً في إعادة تقديم الموسيقى للجمهور بصورة حديثة، عبر مشاريع نوعية، منها برنامج توثيق إيقاعات الجزيرة العربية؛ بهدف حفظها للأجيال القادمة. مؤتمر الموسيقى العربية، لتوثيق المقامات والإيقاعات وتطويرها أكاديمياً دعم الحفلات الكبرى والمواسم الفنية؛

بهدف إعادة صياغة الموسيقى العربية بوصفها علماً وصناعة وثقافة، وإعادة تقديمها بلغة معاصرة، مع ربطها بالبحث الأكاديمي والتقنيات الحديثة

المملكة لم تبدأ من فراغ، بل انطلقت من إرثٍ عريق، وأعادت بناءه برؤية حديثة، ضمن إطار رؤيتها المباركة التي جعلت الثقافة والفنون جزءاً من جودة الحياة، وأداةً لتعزيز الهوية الوطنية، وصناعة متكاملة تُدرّس وتُنتج وتُصدّر.

وهكذا تكتمل الدائرة، من إيقاع البادية الأول، إلى منصات العالمية الحديثة، حيث تلتقي الأصالة بالتجديد، ويُكتب للموسيقى العربية فصلٌ جديدٌ من التألق، عنوانه المملكة العربية السعودية... حيث يُعاد تشكيل الذائقة الموسيقية بروح العصر.

رياض مود قفزة نوعية في عالم الموسيقى، مطلب ملح لرئيس هيئة الترفيه بتعميم رياض مود على الفنادق والمنتجعات وخطوط الطيران، ترددها قاعات الأفراح في حفلات الزواج والمناسبات السعيدة، بدلاً من التشوه السمعى والبصري والمعاناة مع فرق لا تمت للفن بصلة.

00:15 | 20-04-2026

العطاء غير المشروط.. قوة لا يفهمها الجميع..!

يقول جلال الدين الرومي:

«الشمس لا تقول.. سأشرق على الصالح وأترك العاصي، بل تضيء على الجميع.

تعلّم من الشمس كيف تُحب بلا حساب، وكيف تمنح بلا انتظار، وكيف تضيء حتى للذي يسبّك».

عبارة تشير إلى فكرة العطاء غير المشروط. فالشمس تشرق على الجميع دون تمييز، ولا تختار من يستحق نورها ومن لا يستحق.

إنها تمنح بطبيعتها، لا بدافع المكافأة أو الامتنان.

الحب الحقيقي يشبه هذا النور؛ فهو لا يقوم على الحسابات الدقيقة أو انتظار المقابل أو الوعود الكاذبة أو الحجج الواهية.

عندما يصبح العطاء جزءاً من طبيعة الإنسان فإنه يمنح الخير؛ لأن ذلك يعكس ما في داخله، لا لأن الآخرين يستحقونه بالضرورة.

الرسالة التي يحملها القول إن القيمة الأخلاقية للعطاء لا تُقاس بردّ فعل الآخرين، بل بصدق المصدر الذي يصدر عنه.

فالإنسان الذي يمنح بمحبة يشبه الشمس: يضيء العالم من حوله، حتى لو لم يدرك الجميع قيمة هذا الضوء.

تتجلّى في هذه الكلمات التي قالها المتصوف جلال الدين الرومي رؤية روحية عميقة لطبيعة الإنسان السامي.

فالرومي لا يتحدث عن مجرد فضيلة أخلاقية عابرة، بل يضع أمامنا نموذجاً كونياً في السلوك الشمسي ذلك الجرم المضيء الذي لا يعرف التمييز ولا يدخل في حسابات البشر الضيقة.

الشمس رمز للعطاء الخالص؛ لأنها تمنح بلا سؤال ولا انتظار. نورها يسقط على الجبال والبحار، وعلى الحقول والمدن، وعلى بيوت الصالحين كما يسقط على بيوت العصاة والخطائين، الجميع يستفيد من ضيائها، دون أن تُطالبهم الشمس باعتراف أو امتنان.

هذا المثال الكوني يكشف حقيقة جوهرية في الأخلاق الإنسانية قيمة العطاء لا تُقاس بمدى تقدير الآخرين، بل بصفاء القلب الذي يصدر عنه.

العطاء الذي ينتظر الثناء يتحوّل بسهولة إلى تجارة خفية، بينما العطاء الذي ينبع من صفاء الروح يظل عطاءً خالصاً لا تشوبه المصلحة.

الإنسان في حياته اليومية يميل إلى الحساب. يقدّم الخير لمن يتوقع منهم الخير، ويغلق أبواب قلبه أمام من يظن أنهم لا يستحقون. هذه الحسابات قد تبدو منطقية في ظاهرها، لكنها تحرم الروح من أسمى معانيها، الحرية في المحبة.

الحب الذي يقترن بالشروط يتحوّل سريعاً إلى صفقة كل طرف يراقب الآخر، وكل فعل ينتظر مقابلاً يعادله. بذلك يفقد الحب صفاءه ويتحوّل إلى علاقة متوترة تقوم على التوازن الدقيق بين الأخذ والعطاء.

الحب الذي يتحدث عنه الرومي هو حالة روحية أوسع من تلك الحسابات حب يشبه النور؛ ينتشر لأنه جزء من طبيعة صاحبه. الشخص الذي يحمل هذا النور لا يمنح لأنه ينتظر مقابلاً، بل لأنه لا يستطيع أن يعيش بغير العطاء.

التاريخ الإنساني مليء بأشخاص امتلكوا هذا الضوء الداخلي، أنبياء ومصلحون وعلماء تركوا أثراً عظيماً في حياة البشر؛ لأنهم لم يقيسوا عطاياهم بميزان المكافأة.

ادركوا أن الخير في ذاته قيمة عليا، وأن إشعال شمعة في حياة الآخرين أسمى من انتظار الشكر.

كلمات الرومي تذكّر الإنسان بحقيقة بسيطة: القلب الذي يمنح لا يخسر شيئاً.

العطاء الحقيقي يوسّع الروح، ويجعل الإنسان أكثر قرباً من جوهر إنسانيته.

أما البخل بالمحبة والمشاعر فيضيق القلب ويثقل الحياة بالمرارة والضيق.

الشمس، في رمزيتها البديعة، تقدّم درساً يومياً للبشر. ضياؤها يشرق كل صباح دون ضجيج أو ادعاء، ودون أن تعلن فضلها على أحد.

تفعل ما خُلقت له، ذلك هو المعنى الأسمى للعطاء الذي أراده الرومي أن يتحوّل الخير إلى طبيعة، وأن تصبح المحبة لغة تلقائية تصدر من القلب كما يصدر الضوء من الشمس.

الإنسان الذي يتعلم هذا الدرس يعيش حياة أكثر صفاءً واتساعاً، يوزع الدفء حوله دون خوف من الجحود، ويزرع الخير دون قلق من الحصاد.

وبهذا يصبح حضوره مصدرَ نورٍ، شمساً صغيرة تمشي على الأرض، تضيء ما استطاعت إليه سبيلاً.

00:04 | 16-04-2026

«خوجة» ووجع الجبروت..!

يا ربَّ المشْرقِ والمغْربْ

يَا ربَّ المَلَكُوتْ

جَبروتْ في عَينيها،

يا ربِّي جبروتْ

أيْنَ المَنْجَى مِنها، أينَ المهربْ

مَن علَّمَها أسْرارَ الكَهَنوتْ

وتَمائمَ هاروتَ، ومَاروتْ

فَطربتُ ومَالي لا أَطربْ

وتَركتُ قِيَادي لِرُموشٍ لا تَتْعَبْ

وتسهّدَ فيها فَسَقَتْهُ الوجدَ وأسرارَ اللاهوتْ

ومَضَى في رِحْلةِ عمرٍ يَكتَشِف الملكوتْ

يمَّمْتُ بأشرعتي شرقاً فأبتْ سُفُني إلا المغرب

إلاَّ المغربْ.

يا لروعة الكلمات وسحر الشعر وبلاغة الوصف عندما يتدفّق الإبداع من لحظة خاطفة، من ومضة ألم ودهشة لا تُخطئها روحٌ مرهفة حساسة.

كان هذا هو حال الوزير والدبلوماسي السعودي الشاعر الدكتور عبدالعزيز خوجة، في حكاية تتجاوز حدود الصدفة لتصبح ميلاداً حقيقياً لنص شعري مبهر.

الشعر يتأثر بموقف أو تجربة تلهب وجدان الشاعر وترغمه على أن يخطها شعراً في ولادة حقيقية يحملها الشاعر في صدره.

كان العقاد يؤمن بأن الشعر ليس خيالاً خصباً، ولا هو بطلاء مزركش، بل يحمل بعض الحقيقة؛ لذا فإنه ينفذ إلى النفس ويضاعف إحساسها به، فهو خطفة من خطفات الوجدان، وومضة من ومضات الروح لها دور في كلمات اللغة الشاعرة فتعطيها طاقة وتنفلت كقطرة من سحابتها نقية صافية.

فالشعر عند الدكتور الخوجة هو الشعور لا الكلام الموزون المقفى الخالي من المشاعر.

يروي الخوجة لحظة ميلاد نصه

هناك بعض اللحظات لا تُقاس بالزمن، بل تُقاس بقدرتها على إشعال الروح.

لحظةٌ خاطفة، كوميض برقٍ في ليلٍ ساكن، كفيلة بأن تُعيد تشكيل وجدان شاعر. يقول في أحد ردهات فنادق المغرب العربي: لم يكن في المشهد ما يوحي بولادة نصٍّ غير أن العيون إذا أُصيبت بدهشة الجمال، انفتحت أبوابٌ لا تُغلق.

وقفت أمام مشهدٍ أربك الحواس، جمالٌ باغت القلب دون استئذان حسناء فاتنة، دخلت إلى بهو الفندق فتوقّفت مأخوذاً، وانفلتت من بين شفتي كلمة (جبروت) دهشة صافية، مكثّفة، تحمل في طيّاتها انبهاراً لا يُوصف.

كلمة واحدة، لكنها كانت كافية لتعلن أن شيئاً استثنائياً قد بدأ.

يضيف الخوجة لم تكن زوجتي بعيدة عن هذا الوهج، فقد التقطت الإحساس قبل أن يكتمل، نظرت إلي وبادرت إلى حقيبة يدها التقطت ورقة وقلماً، وهمست بثقة العارف اكتب عنها ترجم أحاسيسك..

انساب الشعر كما لو أنه كان ينتظر تلك الإشارة، فكانت ولادة كلمات ساحرة، تنبض بالحياة وتفيض بالدهشة.

وُلدت حالة شعرية كاملة، لها نبضها وسرّها ودهشتها.

من هذه الشرارة، تشكّلت القصيدة جبروت بوصفها واحدة من التجارب الغنائية العربية التي تمزج بين الشعر الصوفي والوجدان العاطفي في قالب موسيقي مهيب، تتعانق فيه الكلمة مع اللحن في حالة من السمو والتجلّي.

منذ المطلع، يتبدّى البُعد الروحي عبر النداء

يا ربَّ المشرقِ والمغربْ

يا ربَّ الملكوتْ

يستدعي النص فضاءً كونياً مفتوحاً، يتجاوز حدود العاطفة الأرضية ليُلامس تخوم المطلق.

افتتاح يمنح النص هيبة خاصة، ويؤسّس لحالة من الانبهار العميق الذي يسيطر على الشاعر أمام حضور الأنثى، حضور يتجاوز الجمال الحسي ليبلغ مرتبة (الجبروت)، كما يتجلى في قوله:

جبروتْ في عينيها، يا ربّي جبروتْ

أين المنجى منها، أين المهربْ

نص يشتغل على ثنائية مدهشة العشق بوصفه تجربة إنسانية، والتصوف بوصفه حالة فناء وذوبان. تتجلى هذه الثنائية في عبارات مثل من علّمها أسرار الكهنوت

وتمائم هاروت وماروت

يتم استدعاء الرموز الدينية والأسطورية لتكثيف الشعور بالعجز أمام سحر الأنثى الجبروت، فيتحوّل الحب إلى قوة قاهرة تُشبه القوى الغيبية التي لا تُقاوم.

يتصاعد الإيقاع الشعوري في النص مع انتقال الشاعر من حالة التساؤل والدهشة إلى حالة الاستسلام الكامل:

فطربتُ ومالي لا أطربْ

وتركتُ قيادي لرموشٍ لا تتعبْ

صورة تختزل لحظة الانقياد التام، حيث يفقد العاشق إرادته أمام سطوة الجمال، فتغدو الرموش رمزاً لهيمنة ناعمة، تمارس سلطانها بسحر خفي لا يُرى.

تداخل عميق بين مفردات العشق ومصطلحات التصوف، كما في قوله

وتسهّد فيها فسقته الوجد وأسرار اللاهوت

ومضى في رحلته يكتشف الملكوت

ليتحوّل الحب إلى رحلة كشف ومعرفة، ويغدو العاشق سالكاً في طريقٍ روحي، ينهل من أسرار الوجد ويغوص في عوالم اللاهوت والملكوت، باحثاً عن معنى يتجاوز حدود التجربة الحسية.

أما على المستوى اللحني، قدّم عبدالوهاب الدوكالي لحناً يوازي هذا العمق الشعري، حيث تتصاعد الجمل الموسيقية في تناغم مع تصاعد الحالة الشعورية، خصوصاً مع تكرار اللازمة يا ربَّ المشرقِ والمغربْ

بما تحمله من شحنة وجدانية عالية، يتردد صداها في النفس كأنها دعاءٌ أو نشيد تأملي. الأداء الصوتي جاء محمّلاً بخشوعٍ داخلي، يجعل المتلقي يعيش التجربة بدل أن يكتفي بسماعها.

وتأتي الخاتمة محمّلة برمزٍ بالغ الدلالة، يتجلّى في هذا المقطع:

يمّمتُ بأشرعتي شرقاً

فأبت سفني إلا المغرب

إلا المغربْ

في المحصلة، تقف (جبروت) عملاً فنيّاً متكاملاً، تتضافر فيه الكلمة واللحن والصوت لتشكّل تجربة استثنائية، تعيد تعريف الغناء بوصفه مساحة للتأمل والكشف، وتجعل من الشعر الغنائي باباً نحو عوالم أعمق، حيث يلتقي الحب بالروح، والإنسان بالمطلق.

في هذه القصيدة الرائعة يتألق الشعر، ويبدع الشاعر المفتون، وتسهم الزوجة بتشجيعها لتكون محفّزاً يلهم الشاعر نكهة خاصة لكلماته..

00:05 | 13-04-2026