أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/273.jpg?v=1763304641&w=220&q=100&f=webp

نجيب يماني

تخيّل!

تاقف على طرف الهدب ما تلمحك عيني

عاتبت أكيد إن العتب ما كان يعنيني

سلم أبرّد السلام وهذا ترى كلّ الكلام

اللي بقى بينك وبيني تخيّل

اليوم مشتاق لسما للشمس والأرض البعيد

اشتقت للقلب الخلي وش هم لو تعتب عليّ

جيتك أنا بليلة ألم قلبي على كفي

همست لي روح يا غريب الشوق ما يكفي

سلم أبرّد السلام وهذا ترى كلّ الكلام

اللي بقى بينك وبيني تخيّل

جيتك أنا في ليلة شتا تهزني ريح الشمال

محتاج أنا لبسمة وشال محتاج لك

تركتني لبرد الطريق وأنا على بابك

أتذكر إنّك قلت لي بالله وش جابك

ودعتني قبل السلام وهذا ترى كلّ الكلام

اللي بقى بينك وبيني تخيّل

نص فخم للأمير البدر يحضر كهمسةٍ مشبعةٍ بالحنين، يسكب روحه على مهلٍ في كأس اللغة، فلا تُقرأ كلماته بقدر ما تُعاش وتُلامس.

تتجاوز كلماته حدود الخيال لتغدو حالةً وجدانية كاملة، يمتزج الألم بالجمال، ويتحوّل الحنين إلى فنٍّ خالصٍ يتقنه شاعر يعرف كيف يلامس أكثر المناطق هشاشةً في النفس الإنسانية.

«تخيّل» ليست مجرد كلمة، هي البوابة التي يدخل منها العاشق إلى هذا العالم الشفيف.

دعوة للاندماج، للانخراط في التجربة، للوقوف في المسافة نفسها التي يقف عليها العاشق، بين الذكرى والانكسار، بين الرجاء الذي يحتضر والصمت الذي يتمدّد.

«تخيّل» وحدها تختصر فلسفة النص، حيث يتحوّل التخيّل إلى واقعٍ أشد حضوراً من الحقيقة.

«تاقف على طرف الهدب ما تلمحك عيني»، افتتاحية تفيض بالدهشة، تقبض على لحظةٍ مستحيلة، حضورٌ يكاد يُرى ثم يتلاشى كطيفٍ عنيد.

صورة بصرية مدهشة تكشف براعة البدر في رسم مشهدٍ دقيقٍ، حيث يصبح الهدب مسرحاً للغياب، وتتحوّل الرؤية إلى حالةٍ من التوتر بين الإدراك والفقد.

هنا تتجلّى القدرة على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى لوحات نابضة بالحياة.

يمضي النص في بناء مفارقاته الشعورية «عاتبت أكيد إن العتب ما كان يعنيني»، عبارة تختزن تناقضاً إنسانياً عميقاً، عتاب بلا رغبة، ولوم بلا قناعة، وكأنّ القلب يمارس طقوس الحنين رغم إدراكه لعجزها.

ازدواجية تمنح النص كثافة نفسية عالية، وتجعل المتلقي شريكاً في هذا الصراع الداخلي.

«سلم أبرّد السلام وهذا ترى كلّ الكلام»، هنا يبلغ الاقتصاد اللغوي ذروته، حيث يختزل بحراً من المشاعر.

السلام يتحوّل إلى محاولة يائسة لإخماد نار الشوق، والكلام يتقلّص حتى يكاد يختفي، وكأنّ الصمت صار أبلغ من كل تعبير، ثم تتسع دائرة الحنين «اليوم مشتاق لسما للشمس والأرض البعيد»، الاشتياق لم يعد موجّهاً لشخصٍ بعينه، بل صار حالة كونية. الحنين يتمدّد ليشمل الوجود كله، وكأنّ الفقد أعاد تشكيل علاقة الشاعر بالعالم.

«جيتك أنا بليلة ألم.. قلبي على كفي»، صورة درامية آسرة، يتجسّد فيها الاستسلام الكامل. القلب لم يعد شعوراً مجرداً، بل كياناً يُقدَّم بلا حماية. ثم تأتي الصدمة: «روح يا غريب.. الشوق ما يكفي»، انكسار حاد، يطفئ وهج الترقب، ويؤكد أن الشوق -رغم عظمته- عاجز عن إنقاذ ما انهار.

يصل النص إلى ذروة الوجع، «تركتني لبرد الطريق وأنا على بابك»، قسوة ظالم تختصر أقصى درجات الخذلان. القرب المكاني يقابله بُعد شعوري هائل، والباب يتحوّل إلى رمزٍ للخذلان، يأتي السؤال الجارح «بالله وش جابك؟»، سؤال يحمل دهشةً باردة، كأنّ الحضور ذاته صار عبئاً غير مرحّب به.

ما يمنح هذا النص فرادته أنّه لا يعتمد على التعقيد، بل على صدق التجربة ونقائها.

اللغة بسيطة، لكنها مشبعة بإحساسٍ عميق، يجعل كل كلمة تنبض بالحياة.

بساطة ليست عجزاً، بل ذروة النضج الفني؛ حيث يتمكّن الشاعر من قول الكثير بالقليل.

تتجلّى عبقرية البدر في قدرته على الإمساك بالتوازن الدقيق بين الهمس والانفجار، بين الحضور الذي يلوح والغياب الذي يهيمن.

نصٌّ يبرهن أن الشعر الحقيقي يُقاس بعمق أثره، لا بكثرة مفرداته.

«تخيّل» تتحوّل إلى تجربة شعورية متكاملة، يعيشها القارئ كما لو كانت جزءاً من ذاكرته الخاصة.

نصٌّ لا يُقرأ فقط، بل يُسكن، ويترك أثراً طويلاً لا يُمحى، كأنّه وشمٌ خفيّ على جدار القلب.. «تخيّل».

منذ 7 ساعات

إعادة تعريف المدينة الحديثة!

شاركت المملكة في المنتدى الحضري العالمي الثالث عشر في أذربيجان، الذي نظّمته الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، لشرح تجربتها الفريدة. فما نشهده اليوم لم يعد مجرد توسع عمراني تقليدي، بل مشروع حضاري متكامل يعيد تعريف فكرة (المدينة) بوصفها كياناً حياً يتفاعل مع الإنسان، ويحترم البيئة، ويؤسّس لمستقبل أكثر اتزاناً واستدامة.

تصريحات الوزير ماجد الحقيل خلال المنتدى، جاءت كقراءة إستراتيجية عميقة لمسار التحول الحضري الذي تعيشه المملكة، وحجم جهد وزارة البلديات والإسكان في إعادة بناء مفهوم المدينة الحديثة على أسس أكثر إنسانية واستدامة وجودة للحياة.

التحوّل الحضري تحت مظلة الرؤية القديرة يعكس وعياً عميقاً بأن المدن الحديثة تُقاس بقدرتها على خلق بيئة إنسانية متوازنة تمنح السكان الإحساس بالأمان والانتماء والراحة النفسية والاستقرار الاجتماعي.

لذلك أصبح مفهوم (المدينة الإنسانية) حاضراً في التخطيط السعودي، بدءاً من تصميم الأحياء ووصولاً إلى تطوير الخدمات الذكية والمساحات الخضراء وأنظمة النقل وجودة البيئة العمرانية، والانتقال من مفهوم الإدارة الخدمية التقليدية إلى مفهوم الإدارة التنموية الشاملة التي أعادت صياغة البيئة الحضرية بكاملها، عبر تطوير التشريعات، وتحفيز الاستثمار العقاري، وإطلاق برامج الإسكان التنموي، وتوسيع خيارات التملك، وتحسين جودة التخطيط العمراني، وربط التنمية السكنية بجودة الحياة والاستدامة الاقتصادية والاجتماعية.

في التجربة السعودية الدولة لم تتعامل مع الإسكان باعتباره ملفاً خَدَمياً محدود الأثر، بل اعتبرته أحد أهم مفاتيح الاستقرار الوطني والاجتماعي.

ارتفاع نسبة تملك المساكن إلى أكثر من 66% يعبّر عن تحوّل اجتماعي عميق ينعكس مباشرة على استقرار الأسر، وتعزيز الطبقة الوسطى، وتقوية شعور المواطن بالأمان والانتماء للمكان.

الإنسان الذي يمتلك منزله يصبح أكثر ارتباطاً بمدينته وأكثر إيماناً بالمستقبل وأكثر قدرة على المشاركة في عملية التنمية والإنتاج، وهو ما عملت عليه الدولة عبر برامج متنوعة استفاد منها أكثر من مليون أسرة سعودية.

المشروع الحضري السعودي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وهي معادلة معقدة فشلت فيها تجارب كثيرة حول العالم.

إطلاق 19 طرازاً معمارياً يعكس الهوية العمرانية السعودية يمثل خطوة شديدة الذكاء؛ لأن المدن التي تفقد هويتها الثقافية تتحوّل مع الزمن إلى نسخ متشابهة بلا روح. العمارة ليست جدراناً وأسقفاً بل ذاكرة بصرية تحفظ شخصية المجتمع وتاريخه وثقافته.

فالحفاظ على الطابع العمراني المحلي بالتوازي مع التحديث يمنح المدن السعودية خصوصيتها الحضارية ويمنع ذوبانها الكامل في النموذج العمراني العالمي المكرر، عبر اعتماد نماذج معمارية تعكس التنوع الثقافي والجغرافي للمملكة.

الاهتمام بالمدن الذكية يكشف عن إدراك مبكر لطبيعة المستقبل.

دخول ثماني مدن سعودية ضمن مؤشر IMD للمدن الذكية يعكس حجم الاستثمار في التقنيات الحديثة والبيانات والتحوّل الرقمي. المدينة الذكية لم تعد ترفاً تقنياً، بل ضرورة اقتصادية وأمنية وبيئية، لأنها ترفع كفاءة الخدمات، وتقلل الهدر، وتحسّن إدارة المرور والطاقة والمياه والنفايات، وتخلق بيئة أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع التحديات المستقبلية.

جهات عدة سعت لتطوير المنصات الرقمية والخدمات الذكية والتوسع في الحلول التقنية المرتبطة بإدارة المدن، فانضمام 16 مدينة سعودية إلى مبادرة المدن الصحية يحمل دلالة أخرى بالغة الأهمية، تؤكد أن التنمية السعودية الجديدة تجاوزت المفهوم التقليدي للعمران إلى مفهوم أكثر شمولاً يربط الصحة العامة بالتصميم الحضري وجودة الهواء والمساحات المفتوحة وأنماط الحياة اليومية.

تشهد الرياض اليوم مشروعاً حضارياً عملاقاً، المسار الرياضي بطول 135 كيلومتراً؛ بهدف تشجيع السكان على تبني أسلوب حياة صحي معتمداً على «الكود العمراني» المستوحى من العمارة السلمانية لتحسين المشهد الحضري والبيئي.

المدن الحديثة تساعد سكانها على الحياة بصورة صحية ومتوازنة نفسياً وجسدياً، وتعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان بعد عقود هيمنت فيها المدن الاستهلاكية وحوّلت البشر إلى مجرد أرقام داخل فضاءات عمرانية فاقدة للروح.

المدينة في المفهوم السعودي الجديد تسعى لأن تكون فضاءً للعيش الكريم، والعمل، والثقافة، والترفيه، والاستدامة، والتفاعل الإنساني، وهو ما يفسر التركيز المتزايد على جودة الحياة والمشروعات البيئية والحدائق والممرات العامة والمرافق الثقافية والرياضية.

العالم اليوم يواجه تحديات حضرية هائلة، تشمل التلوث، والتكدّس السكاني، والاختناق المروري، وضعف الخدمات، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتغيّر المناخ.

لذلك فإن أي تجربة قادرة على تقديم نموذج متوازن للتنمية الحضرية ستجد اهتماماً دولياً واسعاً.

السعودية تحاول أن تقدّم نفسها باعتبارها مختبراً عالمياً لصناعة مدن المستقبل، مستفيدة من قدراتها الاقتصادية، ورؤيتها الإستراتيجية، وسرعة اتخاذ القرار، والانفتاح الكبير على التقنيات الحديثة والشراكات الدولية.

المدن الجديدة التي تُبنى اليوم في المملكة تحمل رسالة تقول إن الإنسان يجب أن يبقى محور التنمية وغايتها الكبرى، وإن المدينة الناجحة تمنح سكانها الشعور بالحياة.

رسالة معبّرة لأمناء المناطق وحافز قوي لهم لينظروا ويتأملوا فعل الرؤية منذ أن أظلّت حاضر حياتنا، باثة طاقة جديدة، ومحركة تروس الإنجاز لترسم الدهشة والغبطة والإعجاب، في كل مجال ومساق، بغير استثناء.

رؤية فتحت الباب لشموس الغد لتعانق سماء الوطن، وترسم لنا الطريق نحو استلهام المستقبل، والبحث عن «جودة الحياة» وتقول للمتقاعسين لا مكان لكم في عقد الرؤية.

00:00 | 17-08-2026

طلال مداح.. صوت تجوهر في ذاكرة الوطن

«فخورة جداً أنّي واقفة على هذا المسرح اليوم، وسعادتي لا توصف، وأعيش هذه اللّحظة الجميلة وعيني على نفسي، عمري وأنا طفلة عمري لا يتجاوز العامين، ورحيل والدي عن هذه الدنيا، الشيء اللي كبرت عليه إنّه طلال ما راح من ذاكرة النّاس، وكبرت وأنا أعرفه منكم، من كلامكم، من حبكم له، من قصصكم وحكاياتكم، من حبكم لأغانيه، من ذكرياتكم اللي عايشة لليوم».

إن لم تكن قد بلغت من التأثير حدّ الشجن، ومن الحنين حدَّ القشعريرة، ومن أسيف اللّحظة حدَّ البكاء، وأنت تسمع لهذه الكلمات الصّادقة، وقد نثرتها الدكتورة نغم طلال مداح في حفل إعادة افتتاح مسرح والدها في عسير، فلن تبلغَ هذا المقام البتة، فكلُّ شيء في ذلك الحفل كان مرفوعاً إلى سامق معاني الوفاء، ومحلّقاً بأجنحة الحبّ والتقدير.

موسقت «نغم» كلماتها، ودوزنت الحضور على إيقاع الذّكريات المجوهرة بالحنين إلى «طلال».

إيهِ يا زمان.. وإيهِ..

فقد كان «طلال».. ويا ما كان..

رأيته في تلك اللّحظة الموحشة الحزينة وقد سقط من على كرسيه محتضناً عوده.

كان المسرح في «أبها» بباهر ضوئه كأنه يتهيّأ لحدث مهول.. الجمهور على حافة الانتظار اللّهفِ ترقباً لـ«صوت الأرض»، وعشّاق فنّه، وحرّاس ذوقه. اعتلى مسرح قرية المفتاحة بأبها، كعهده؛ ودود الابتسامة، مشرق القسمات، مهيب الطلعة، كأن عقوده الأربعة مع الغناء قد جاءت معه في تلك الليلة، وكأن مئات الألحان وصديح الكلمات، وشجي الأصوات قد تبعته في مسرى صعوده الأخير..

أرسل محيّاه في مرايا الحضور، فأشرقت الأمسية إيماضاً بارقاً، كأنّها لن تنتهي بمأساة، كأنّ في الأمل متسعاً، وفي الحياة منافذ، ولكن!

سقط في هدوء، كأنّ «صوت الأرض»، يحنّ إلى الأرض، التي عشق.

انطفأ نور، وغاب سراج.. وأعلن المسرح ختام حفل لم يكتمل، وصديح أغنية ظلت معلقة في ستار الحزن الذي غطّى المكان..

لم يكن المشهد مجرد نهاية حفلة، بل كان واحداً من أكثر مشاهد الفن العربي إيلاماً. ففي مثل هذا الشهر عام 2000، وعلى هذا المسرح نفسه الذي ارتبط باسمه لاحقاً، توقفت مسيرة أحد أعمدة الأغنية السعودية والعربية، لم يغادر طلال مداح المسرح راجلاً كما اعتاد، وإنما خرج منه إلى جنات الخلود وهو يردد: الله يرد خطاك...

ومنذ تلك اللحظة صارت للمسرح حكايتان؛ حكاية الفنان الذي غنى فوق خشبته، وحكاية الإنسان الذي لفظ فيه آخر أنفاسه.

واليوم، بعد مرور ستة وعشرين عاماً على رحيله، يعود المسرح إلى الحياة وتعود الأضواء إلى الخشبة التي شهدت آخر وقوف لقيثارة الفن السعودي.

انطلق مساء 7 أغسطس 2026 موسم صيف عسير على مسرح طلال في حي المفتاحة بأبها، في عودة تحمل معنى ثقافياً يتجاوز مجرد إعادة تشغيل مبنى، إنها عودة لمكان صار جزءاً من الذاكرة الفنية السعودية.

وهكذا يبدو المشهد كأنه رسالة وفاء متأخرة إلى رجل لم يتأخر صوته عن الناس قط.

فمن مكة المكرمة بدأت الحكاية حيث احتضنت طفولته، وشكّلت أذنه الموسيقية. ومن أزقة الحجاز وبيئته الفنية، بدأ الفتى يقترب من عالم الطرب، يستمع ويتعلم ويحفظ ويجرب، إلى أن تحوّلت الموهبة الصغيرة إلى مشروع فني كبير.

بدأت شهرته تتسع مع إذاعة أغنيته الأولى «وردك يا زارع الورد»، وكانت بمثابة العبور من موهبة محلية إلى صوت بدأ يشق طريقه نحو الجمهور السعودي والعربي.

كانت المملكة يومها تعيش مرحلة مختلفة تماماً من مراحل تشكل الأغنية الحديثة.. والإذاعة كانت نافذة كبرى.

والصوت الذي يصل إلى المذياع يستطيع أن يعبر المدن والقرى، ويصل إلى البيوت التي لا يعرف أصحابها الفنان وجهاً لوجه.. وطلال فهم هذه المساحة مبكراً، فكان صوته يخرج من حدود المكان، ويصنع لنفسه مكاناً في الذاكرة.

أجمل ما في طلال أنه لم يكن مجرد مطرب يمتلك صوتاً جميلاً؛ بل كان مشروعاً موسيقياً متكاملاً مغنياً، وملحناً، وعازفاً، ومجدّداً، ورائداً من روّاد انتقال الأغنية السعودية من إطارها المحلي إلى المجال العربي الأوسع.

فالفنان الذي ينجح داخل وطنه قد يكون صاحب موهبة كبيرة، أما الفنان الذي يحمل لون بلاده إلى الخارج ويجعله مفهوماً ومحبوباً لدى جمهور عربي واسع، فهو يؤدي وظيفة ثقافية تتجاوز حدود الغناء.

طلال حمل الأغنية السعودية إلى الفضاء العربي؛ ولهذا ارتبط اسمه بتاريخ التحوّل الذي شهدته الأغنية السعودية في النصف الثاني من القرن العشرين.

من خلال التلحين استطاع أن يثبت أن المطرب يستطيع أن يكون صاحب رؤية موسيقية، لا مجرد مؤدٍّ لنص كتبه آخرون.

تعاون مع كبار الملحنين والشعراء، في العالم العربي، كما ارتبط اسمه بألحان وأعمال ذات حضور عربي واسع. فالعبقرية الموسيقية العربية لم تكن تنظر إلى طلال بوصفه مطرباً سعودياً، فحسب، وإنما بوصفه صاحب شخصية موسيقية قادرة على أن تتجاوز الجغرافيا.

هناك أغنيات أصبحت جزءاً من الذاكرة؛ لأن الأغنية عند طلال لم تكن مجرد لحن يمر في الأذن ثم ينتهي.

بقيت حاضرة بعد رحيله، تتناقلها الأجيال، ويعيد الفنانون تقديم بعضها، ويعود الجمهور إليها كلما اشتاق إلى زمن كانت فيه الأغنية أكثر اتساعاً من لحظة الاستماع.

مئات الأعمال التي شكّلت تجربته، وصنعت لطلال قاموساً غنائياً خاصاً، فقد غنى للحب، وللشوق، وللوطن، وللإنسان، وللحزن، وللانتظار، وللحياة.

وكان يستطيع أن يجعل القصيدة القريبة من القلب تبدو كأنها كُتبت لكل مستمع وحده، وهذه إحدى علامات الفنان الكبير: أن يسمعك صوته، فتشعر أن الأغنية تتحدث عنك:

مشتاق أنا مشتاق.. والبعد ما ينطاق

يكفي عذاب وفراق.. الكون عليا ضاق

والأمر مو بيدي.. يا دمعة فوق خدي

سيظل مسرح المفتاحة في أبها شاهداً على حكايته: هنا غنّى طلال.. وهنا سقط.. وهنا بقي في الذاكرة لا يغادرها.

00:04 | 13-08-2026

اتفاقية مكة للدفاع المشترك.. نجاح الدبلوماسية السعودية

يخطئ، ويجافي الصّواب كلّ من ينظر إلى «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، التي وقّعتها المملكة مع باكستان وتركيا، يوم الجمعة الماضي، بوصفها تحالفاً مؤقتاً اقتضته ظروف الصراع الدائر في المنطقة، وحتّمته فرضية التجييش والمناصرة، إرصاداً لجهة بعينها، أو نذيراً لمحيطها..

وهو فهم منتظر ومتوقّع من قصيري النّظر، من الذاهبين في مسالك «نظرية المؤامرة»، إلى أقصى ما يتشكّل في وعيهم من هواجس وظنون وتخيّلات.

فلو أنّهم نظروا بشمول، وقرأوا سياسة المملكة المعلنة، والقائمة على مبدأ ورؤية «حماية المصالح الوطنية، وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي، والانفتاح على بناء شراكات استراتيجية متوازنة مع مختلف القوى الدولية لخدمة التنمية الاقتصادية والازدهار، عبر دبلوماسية سعودية رائدة، لتحقيق المصالح الوطنية وحمايتها، وتعزيز دور المملكة في إحلال الأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة والعالم»، لكفاهم ذلك مؤونة التخرّص، واصطناع سيناريوهات ما أنزل الله بها من سلطان، ولفهموا موقف المملكة الراسخ والداعم للأمن والسلم في المنطقة، ولاستوعبوا كل مساعي المملكة وتغليبها للدبلوماسية في نزع فتيل أيّ أزمة تنشأ في المنطقة، مهما بلغت درجتها، وتناثرت شظاياها، وعمّت بلواها، فقد ظلّت المملكة تحتمل كل هذا «الرشاش» بتغليب صوت الحكمة، والتزام أقصى درجات ضبط النفس.. فمن يدرك كل هذا إدراك وعي؛ فلا بد أن يقرأ هذه الاتفاقية المباركة على ما حملته ديباجتها من كونها «اتفاقية تهدف إلى تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء، وتنصّ على أنّ أيّ هجوم مسلح على أيّ من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع، كما تُعنى الاتفاقية بتطوير كافة أوجه التعاون الدفاعي بينها».

وإن احتاج «المرتاب» إلى مزيد إيضاح في ذلك فلينظر إن شاء إلى التصريحات البالجة التي عقّب بها وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان بالتأكيد على أن «الاتفاقية لا تمثّل أي توجّه لبناء محور عسكري أو تكتلّ طائفي- مذهبي، وليست مرتبطة بمساعٍ نووية أو سباق تسليح، كما أنّها لا تأتي على حساب علاقات المملكة الاستراتيجية والقوية خليجياً وعربياً ودولياً، وليست تهديداً لأمن أي دولة في المنطقة، ولا تصعيداً في التوتر بين أي دولتين، ولا تلغي أو تحل محل أي اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف بين هذه الدول أو مع الأطراف الأخرى من الدول والمنظمات».. فكل هذه «اللاءات» و«الليسيات» النافية، التي صرّح بها وزير الخارجية، رسائل تطمينية لمن ألقى السمع وهو شهيد، كما أنها تمثّل في الوقت نفسه، «إبر تنفيس» لكلّ من انتفخ باطنه بغازات الحقد والظنون والهواجس. إن مقتضيات العقل البسيط تضع المرتابين والمشككين في ناصع أهداف الاتفاقية، و«تفتيشهم» في طواياها بمجس الهواجس، في حرج كلما نظروا إليها بوصفها «تحالفاً يستهدف جهات بعينها»، داعمين هذه الهواجس، بمستجدات الواقع في المنطقة، وذلك من وجهين:

أولهما: لو نظرنا إلى المملكة قبل توقيع هذه الاتفاقية لوجدنا أنّها، وقبل أيام قليلة، استطاعت، بدبلوماسيتها الفذة، أن توقف هجوماً كاسحاً أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على إيران، فجاء تحرّك المملكة بقيادة ربّانها ولي العهد الأمين، بما عُرف عنه من صائب الحكمة، ونافذ القول، ونجحت دبلوماسية المملكة في إيقاف الهجوم الوشيك، ودفع عملية المفاوضات، وتغليب خيار الذهاب باتجاه التوصل إلى اتفاق يجنّب المنطقة حرباً إقليميةً لا ضابط لنواتجها مع مرور الزمن.

يُضاف إلى ذلك التزامها مبدأ «ضبط النفس» وقد أُقحمت في هذه الحرب، وأُستهدفت أعيانها المدنية بشكل مستفز ومتكرر، فلو أنها أرادت الرد بالمثل لما أعجزها، ولو أنها أرادت استثارة الدول لنصرتها فما عَدَتِ الحق ولا تجاوزت المطلوب، استناداً لمواثيق الأمم المتحدة وأعرافها، لكنها تعالت على الجراح، ونظرت إلى أفق لا يراه المغامرون.

تلك هي مواقف المملكة وقيادتها الرشيدة، فلا مجال إذاً، إلى النظر بعين الريبة لخطوة توقيعها اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان وتركيا، وإنما هي، كغيرها من الاتفاقيات المشتركة، ضوابطها منضوية في مسطور أهدافها، بغير مزيد أو تحريف أو تأويل فاسد.

أما وجه الحرج الآخر الذي يواجه «المرتابين والمشككين» فمتعلّق بواقع الدولتين الموقعتين، فكلتاهما تنتهجان مبدأ الوساطة والحياد لتهيئة الظروف نحو نزع فتيل الأزمة القائمة بسبب هذه الحرب، وسحب أطرافها إلى طاولة الحوار، وتقريب وجهات النظر بينها، وكل هذه المؤشرات تنسف بشكل جذري الاعتقاد بأنهما سيكونان طرفاً مؤيداً لجهة دون أخرى في الصراع الدائر، ناهيك أن يشتركا في عمليات عسكرية، بإدراكهما أن مثل هذا المسلك يعني بالضرورة الذهاب إلى حرب إقليمية، لا يُؤمن معها أن تتطور إلى أكبر من ذلك.

تبعاً لكل ذلك، فما من سبيل للنظر إلى هذه الاتفاقية إلا على الوجه المعلن عنه، والأهداف الوضيئة التي صدعت بها، بما يعكس حرص الدول الثلاث على تعزيز أمنها المشترك، وتحقيق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة والعالم، سعياً إلى مستقبل آمن ومزدهر، غير غافلين البعد العميق الذي تخيّرته المملكة بالنظر إلى توقيت الاتفاقية المتزامن مع المتغيّرات والتحديات التي تعيشها المنطقة، ومكان توقيعها في مكة المكرمة، بكل رمزيتها القدسية، فكلا التقديرين يحملان أهمية بالغة وكبيرة للعالم الإسلامي والمنطقة، وهذا نجاح وبعد نظر يحسب للمملكة وقيادتها، فلا غرو أن تجد هذا الترحيب الكبير حول الاتفاقية، والفهم المشترك لها والتأكيد على أنها ستسهم في تعزيز التعاون الأمني والدفاعي، وتدفع إلى مزيد من التطوير في المشاريع المشتركة المتصلة بالصناعات الدفاعية ومكافحة الإرهاب.

00:00 | 10-08-2026

الفراق لا يرحم !

أنا ضعيف جدّاً أمام لحظة الفراق. أبكي وجعي بحرقة، أكاد أذوب مع دموعي،

أرى تمزّق روحي، وأشاهد تصدعات قلبي بعيون اختلطت دموعها بسواد العين. ليس في معجم الإنسان كلمة تحمل من الوجع ما تحمله كلمة الفراق. مجرد مرورها على السمع يوقظ ذكريات كانت نائمة، ويبعث صوراً ظنّ أصحابها أنها غادرت الذاكرة.

ما أكثر ما يكتشف الإنسان أن الزمن ينجح في إخفاء الألم، لكنه يعجز عن اقتلاعه من جذوره!

الفراق امتحان لا ينجو منه أحد. يمر على القصور كما يمر على الأكواخ، ويطرق أبواب الملوك كما يطرق بيوت الفقراء.

لا يفرّق بين قوي وضعيف، ولا بين شاب وشيخ، ولا بين عاشق وعابد. الجميع يقفون أمامه متساوين، يتكسر كبرياؤهم، وتنصهر قلوبهم، وتملأ أعينهم الدموع.

فراق الموت هو أقسى أنواع الفراق، زلزال رهيب يعصف بالأرواح. يرحل الأحبة، ويبقى كل شيء كما هو، إلا أن الحياة نفسها تصبح مختلفة. يظل الكرسي في مكانه، وتبقى الثياب معلقة، وتظل الصور تبتسم بصمت، لكن صاحبها غاب إلى الأبد.

عندها يدرك الإنسان أن بعض الغياب لا يعوّض، وأن هناك أسماء لا يستطيع الزمن أن يصنع لها بديلاً.

فراق الحبيب هو الحكاية التي أنجبت أجمل قصائد العرب، وأشدها وجعاً.

لا شيء يكسر القلب أكثر من أن يبقى الحبُّ حيّاً، بينما تمضي الحياة في اتجاه آخر. ولعل أشهر من جسّد هذا الألم العاشق العربي قيس بن الملوح، الذي عاش عمره كله أسيراً لحب ليلى العامرية، ثم رآها زوجة لرجل غيره.

لم يجد ما يطفئ نيران قلبه إلا الشعر، فخرجت من أعماقه تلك الأبيات التي ما زالت تهز وجدان العاشقين:

بِرَبِّكَ هَل ضَمَمتَ إِلَيكَ لَيلى

قُبَيلَ الصُبحِ أَو قَبَّلتَ فاها

وَهَل رَفَّت عَلَيكَ قُرونُ لَيلى

رَفيفَ الأُقحُوانَةِ في نَداها

كَأَنَّ قُرُنفُلاً وَسَحيقَ مِسكٍ

وَصَوبَ الغادِياتِ شَمِلنَ فاها

فقال له: طالما سألتني بربي، نعم. فما كان من قيس إلا القبض على جذوة مشتعلة من حطبٍ حتى أحرقت كفيه ثم خرّ مُغمىً عليه.

ليست هذه الأبيات سؤالاً عن قبلة، ولا عن لقاء، وإنما صرخة إنسان يرى حلم عمره بين يدي غيره، ولا يملك إلا أن يسأل ليشقى.

فراق السفر يحمل لوناً آخرَ من الحزن، يشعرك بأن قلبك يغادر مع المسافر، ويبقى الوعد باللقاء معلقاً بين الأمل والخوف. تشتاق القلوب إلى صوتٍ، إلى رسالةٍ، وإلى وجهٍ اعتادت رؤيته. قد يعود المسافر، وقد لا يعود، فتظل الأرواح تترقّب الموانئ والطرقات والمطارات كما لو أنها تنتظر جزءاً منها.

يبلغ الحب ذروته عندما يصبح السؤال نفسه عذاباً، وتغدو الإجابة أشدّ قسوة من الصمت.

عجيب أمر الفراق! يبعد الأجساد، لكنه يزيد الأرواح قرباً. يطفئ اللقاء، لكنه يشعل الذكرى. وربما عاش عاشقان في مدينتين متباعدتين، بينما لا يفترقان في القلب لحظة واحدة. وربما اجتمع آخران تحت سقفٍ واحد، أحدهما يغني والآخر لا يجيد الإنصات.

كم من بيتٍ فقد دفئه برحيل أمه، وكم من مجلس خف ضجيجه بعد غياب صاحبه، وكم من مدينة أصبحت غريبة؛ لأن شخصاً واحداً لم يعد يسير في شوارعها. ليست قيمة الأماكن في حجارتها، وإنما في الذين يملؤونها

أقسى ما يصنعه الفراق أنه يعلم الإنسان قيمة الأشياء بعد غيابها.

يدرك قيمةَ كلمةٍ لم يقلها، واعتذارٍ أخّره، ويدٍ لم يُمسك بها، ولقاءٍ ظنّ أنه سيتكرر بلا نهاية.

الحياة قصيرة إلى حدٍّ لا يسمح بتأجيل المودة، ولا بتأخير الصفح، ولا بإخفاء مشاعر الحب خلف أسوار الكبرياء.

كثير من الذين رحلوا كانوا ينتظرون كلمةً طيبةً، وكثير من الذين بقوا يتمنّون لو عاد الزمن دقيقةً واحدةً؛ ليقولوا ما عجزوا عن قوله.

يبقى الفراق قدراً مكتوباً على البشر، لكنه لا يستطيع أن ينتصر على الذكرى،

فالمحبون قد تغيب وجوههم، لكنهم يواصلون الإقامة في القلوب، وتظلّ أسماؤهم تنبض كلما مرت نسمة، أو هطل مطر، أو عبر طيف قديم.

أجمل ما يتعلمه الإنسان من الفراق أن الحب الصادق لا يقاس بطول اللقاء، وإنما بعمق الأثر.

فثمة أشخاص يغيبون عن الدنيا، لكنهم يظلون يسكنون العمر كله، كأنهم لم يرحلوا أبداً.

00:00 | 6-08-2026

نظام التعليم العام.. حوكمة وجودة

من المقرر والمتفق عليه على نطاق واسع في عالمنا اليوم أنّ المتغيّر في حقل التعليم صار أكثر من الثابت، سواء على مستوى المقررات نفسها، أو طرق ووسائل إيصال المعلومات.

حدثت متغيّرات كبيرة، و«انقلابات» بلغت ذروتها في إحداث قطيعة كاملة مع الماضي، والاتجاه بالكلية إلى الجديد بكل ما حمله من تطور معرفي، وصعود علمي تبعاً للمستكشفات والعلوم الحديثة، خاصة في جانبها التطبيقي، وإن كان التغيير قد طرأ على النّظري أيضاً بوجه من الوجوه، لكنه بوتيرة أقل من العملي التطبيقي؛ لهذا فمن الطبيعي جدّاً، بل من الضروري، أن يظل حقل التعليم مسرحاً مفتوحاً، يتقبّل كل جديد يعين على تلقّي المعارف، ويساعد المُعلّمين والمتعلمين على اللحاق بركب التطور، في زمن باتت فيه هذه الحركة محسوبة بحساب الدقائق، في مشهد ينتج المدهشات بشكل مضطرد، بما يضع «الثوابت» في حرج، ويضع مسألة المواكبة في رهانٍ من التحدّي الضروري.

ومن هذا الباب كانت عناية رؤية المملكة 2030 بقطاع التعليم، في كافة مراحله، كبيرة وجديدة، إدراكاً حقيقياً، ووعياً بدوره المركزي والأساسي في رحلة التنمية والتطور التي تنشدها المملكة في حاضرها المعيش، ومستقبلها المنظور، لبناء اقتصاد معرفي مستدام، قائم على الابتكار وتنمية رأس المال البشري.

ووعياً كذلك بأن العملية التعليمية لم تقتصر على نقل المعرفة فحسب، بل أصبحت منظومة متكاملة تهدف إلى إعداد جيل قادر على المنافسة عالمياً، ومواكبة متطلبات سوق العمل المتغيّر، والإسهام الفعّال في تحقيق التنمية الوطنية. لهذا ركّزت «الرؤية» على إعادة هيكلة النظام التعليمي، وتعزيز جودة المخرجات، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد، من خلال تطوير المناهج، وتبني التقنيات الحديثة، وتحفيز البحث العلمي، ودعم الجامعات لتكون مراكز للإبداع والابتكار.

كما سعت إلى تمكين الطلاب بالمهارات المستقبلية، مثل التفكير النقدي، وحل المشكلات، والمهارات الرقمية، بما يضمن جاهزيتهم لمتطلبات العصر.

وها هو قطاع التعليم، يستقبل اليوم، بكل الترحاب والبشارة، المرسوم الملكي بالموافقة الكريمة على نظام التعليم العام، المنبعث من ذات المنظور الباحث عن التطوّر المستمر، والمنبثق من المراجعات الباحثة عن الأجود والأكثر تطوراً، والأفضل أسلوباً، والأحدث مواكبة، والغاية المنشودة تعزيز إطار حوكمة التعليم العام، وتوفير الممكنات اللازمة لتحقيق مستهدفاته، وتمكينه من رفع جودة البيئة التعليمية ومخرجاتها، إضافة إلى تنظيم دور القطاعين الخاص وغير الربحي بما يواكب مستهدفات رؤية السعودية القديرة.

إنّ هذا النظام بكل ما حمله من بشارات مهمة، من حيث تأكيده على «حماية حقوق الإنسان في التعليم، وحقوق الطلبة والمعلمين، وتوفير بيئة تعليمية آمنة ومحفزة، بما يدعم جودة العملية التعليمية، ويحسّن تجربة الطلاب والطالبات، إلى جانب ترسيخ دور الأسرة في مساندة الرحلة التعليمية، ودعم جودة الرعاية والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة، بما يواكب أهمية السنوات الأولى في بناء شخصية الطفل ومهاراته، وإسهامه في تقديم خدمات تعليمية ومساندة أكثر مواءمة لاحتياجات الطلاب ذوي الإعاقة داخل المؤسسات التعليمية، وكذلك دعم رعاية الطلاب الموهوبين وتنمية قدراتهم، بما يعزّز جودة التجربة التعليمية ويراعي تنوع احتياجات الطلاب.

كل ذلك وغيره لا شك سيكون له تأثيره الإيجابي الكبير في حركة التطوير والنمو المتسارع التي تشهدها المملكة في كل مناحيها، ويرفع من سقف التوقعات بنظام تعليمي قادر على المنافسة عالمياً باستثماره في العقول السعودية، وإخراجها من قمقم الحفظ والاسترجاع الميكانيكي، إلى براحات التفكير والابتكار، واقتحام هذه المجالات التي ظللنا لعقود نجلس في خانة الفرجة، والاستهلاك، ونضرب بيننا وبينها حجاباً من العجز، وستاراً من التهيّب، ولا نتعامل معها بوصفها معارف إنسانية بمقدورنا أن نعالجها بالدرس، ونفتح لها مساراً في عقول ناشئتنا، ونجعلها مركزاً للتحدي في مناهجنا، على نحو ما نشاهده اليوم في مقرراتنا الدراسية، التي تمضي في خطوات تطويرية كبيرة، أثمرت عن حضور مشرف لطلابنا في المحافل العلمية العالمية، وفوزهم بالعديد من الجوائز المرموقة كفاء تفوقهم الأكاديمي والمعرفي الباهر، وتلك من ثمار «الرؤية» اليوانع، التي نتوقع لها المزيد من النضج، والتقدّم في ظل نظام التعليم العام الجديد.

تمام القول وزبدته، إن قيادتنا في رشد توجهها مدركة كل الإدراك إلى أن قطاع التعليم هو نافذة التحليق نحو بلوغ الغايات المسطورة في سجل «الرؤية»، ولا سبيل إلى تحقيقها إلا بتعليم قادر على إحداث التغيير المنشود، ومواكبة التطور الذي يشهده العالم ويتحرك بمفاصل وتروس سريعة، تستوجب معها متابعة دقيقة، ورصداً مستمراً، وأنظمة تعليمية في المرونة غاية، والشمول آية، وبعد المرمى شأواً تلوّح به كل راية خفّاقة في المعالي.

00:08 | 3-08-2026

بافقيه.. تحديات كبيرة مع أمانة جدة

أُهنّئ أ. إحسان بن عباس بافقيه، على ثقة القيادة بتعيينه أميناً لمحافظة جدة، التي تشهد اختلالات جسيمة تتطلّب مبضع جراح بصير، يعالج كافة التشوّهات، والنهوض بها كفاء مكانتها وتاريخها العريق، حتى يوفّي هذه الثقة حقّها ومستحقها. جدة تحتاج إلى حملة إصلاح شاملة لرسم ملامح المدينة التي تشوهت بعوامل كثيرة. حملة يشارك فيها أصحاب المراكز التجارية والمطاعم والفنادق وأصحاب الفلل والعمائر لإزالة كل ما ران على وجهها الجميل من ندوب وحفر وتجاعيد وتشوّه بصري، نتيجة عدة عوامل، منها تعاقب الأمناء عليها حيث جعلها بعضهم حقلاً لتجاربهم وميداناً لأفكارهم غير المجدية.

شوارع جدة وأرصفتها وضعها مزرٍ، لا يتناسب مع مدينة تراهن عليها المملكة في محفل جودة الحياة عالمياً، تعضدها رؤية طموحة بمستهدفاتها الوضيئة، سلوكيات خاطئة أوصلت شوارع جدة إلى هذه الحالة، منها غسيل السيارات أمام البنايات، إذ ترى العاملين فاتحين خراطيم المياه بأقصى طاقتها، محوّلين الشارع لبركة مياه، تنتهي مع تراكم الفعل يومياً إلى حفر، وتشققات ونتوءات، ولن يجدي التنبيه مع هذا السلوك غير الحضاري، في هدر ممقوت لغياب العقوبة الرادعة والموجعة من جهة مسؤولة تحفظ للشارع كرامته واحترامه.

وزادت الشركات العاملة في المشاريع الوضع سوءاً، فما من شارع حفرته وأعادته كما كان لا تراعى اشتراطات لجودة، أو مراقبة، وإنما حفر ولصق والمحصلة «خرائط» وندوب وحفر وأخاديد ونتوءات على «جسد الطريق» تجعلنا زبائن دائمين عند الورش ومحلات بيع قطع الغيار.ثالثة الأثافي التي خرّبت شوارع جدة الشجرة «القبيحة» «البزروميا»، ودورها في زحزحة طبقة الأسفلت، وتخريب الأرصفة، وقلع بلاطها وجعلها مشوهة لا فائدة منها، وإفشال كافة جهود النظافة مع أوراقها وثمارها المتساقطة على الأرض تذروها الريح في الأنوف والحلوق، تسلقت أغصانها أعمدة الإنارة، فحرقت لمباتها، وجعلت الشوارع مظلمة موحشة دون أن تكلف الأمانة نفسها قصها وتهذيبها وإصلاح ما خرّبته.

ويتصل بملف الطرقات ملف مواقف السيارات، التي أسندتها الأمانة إلى شركة خاصة خصّصت مواقف مدفوعة الأجر مما جعل أصحاب الحاجات يقفون في مواقف أصحاب البنايات والفلل ببلاش دون حياء أو خجل؛ مما يسبّب ربكة الشوارع وخناقات لا تنتهى. كما أنه من غير المناسب أن تكون المواقف في المقابر والمساجد والمستشفيات مدفوعة الأجر.

أما ثالث الملّفات فيتصل بإصحاح البيئة، والأمل كبير في الأستاذ «إحسان» لإيلاء هذا الملف أهميته القصوى، فمن غير اللائق أن جدة، بكل إرثها التاريخي، وقيمتها الحضارية، ما زالت تعيش على الأساليب القديمة في طرق معالجة الإصحاح البيئي، فأول مظاهر الاختلال حاويات فاغرة فاهها مفتوحة من الفجر وحتى المساء، تستقبل الفضلات بكافة أنواعها، يعلّق على أكتافها ما زاد من طعام، ويترك بجوارها من حطام الأثاث، والمراتب، والوسائد، وما الله به عليم، لتفرغ بعد يوم «حافل» مع الذباب والهوام، والحشرات، والجراثيم، والروائح الكريهة.. ولا تخلو عملية الإفراغ من سلوك لا يتناسب ومقتضيات الإصحاح البيئي، فما أن «تعصر» المحتويات المتناقضة، حتى تسيل العصارات النتنة، وتزكمك الروائح الكريهة، وتبقى كمّيات من الأوساخ لم تستوعبها الحاويات فاستقبلها الشارع بكل أريحية.

هناك حاويات ذكية تستقبل مخلفات مفروزة سلفاً، بما يسهل تدويرها، والاستفادة منها لو وجد التخطيط السليم، والغرامة المُوجعة على المخالفين.ظاهرة عربات الطعام المنتشرة في الشوارع وقد سرحت الفيران بينها، تستطيب ما يلقى إليها من فائض الطعام، فبشمت وتجشّأت، وزادت أوزانها، لا شيء يزعجها، ولا «أمانة» تسائلها، فإن أكثرت النظر إليها زادت جرأة وتحدياً توشك أن تسألك «أيش فيك»؟!

غربان جدة استوطنت السماء، ولوّثت سمع المدينة بنعيقها المشؤوم، ومظهرها الكالح، ومارست «حياتها الطبيعية» على أسطح البنايات، وأشجار البزروميا وأعمدة الإنارة المحروقة أمنت من أي إزعاج يعكر صفو عيشها.

نعيش في عصر تحولي جديد، رسم خارطته الأمير محمد بن سلمان بنظرة متفائلة تحمل الأمل لغد مشرق واعد، ورؤية أنارت للوطن طريقاً مفعماً بالخير، والأمانة عليها واجب كبير في الخروج بالرؤية من محضن التنظير إلى براح الفعل الملموس، لمواكبة التحوّل الوطني، بمعالجات جذرية، وتخطيط سليم، لضمان مدينة قابلة لمواجهة مستقبلها، واحتضان ما ينتظرها من مناسبات عالمية.

الملفات كثيرة، والعشم أكبر أيها الأمين، لا تفعل كما فعل بعض السابقين تترك جدة خلفك وتنظر إلى البحر من مكتبك وتُغلق دونك الأبواب. اذهب بنفسك، وشاهد تشوّهات الشوارع ومخالفاتها وغياب الرقابة ومعاناة الناس خاصة في الحواري الداخلية. صادق دعائي بالتوفيق والسداد.

00:01 | 30-07-2026

الطاقة النووية.. «رؤية» لا تعرف المستحيل

كالفجر الصادق، والوعد المنجز بلا إبطاء أو مطل أو تسويف؛ جاءت البشارة بإعلان اتفاق المملكة والولايات المتحدة لتطوير البرنامج النووي السعودي، لحظتها جالت في خاطري كلمح البرق، مواقف مشرقة حفيلة بكلمات بارقة، صدع بها وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، في العديد من المحافل العالمية، معلنًا اقتراب دخول المملكة إلى النادي النووي العالمي، وتحديدًا في العام 2026م، من الباب السلمي، والاستفادة المشتركة مع العالم.

وقتها زاد يقين الواثقين بمستشرفات «الرؤية»، في تحقيق ما يبدو عسيرًا على ذوي الخيال الضّامر، والهمة المتقاعسة، والعزيمة الفاترة، فانحبسوا في خانة التشكيك في القدرات، ولاث آخرون القول بمحركات الحسد، تحذيرًا من امتلاك المملكة لأسباب هذه الطاقة الحيوية، وبعثوا «نظرية المؤامرة» من مراقد الفتنة، وادّعوا ما ادّعوا تخويفًا وترهيبًا وتحشيدًا ضد هذا المشروع المهم..

لكنّ المملكة كانت على الوعد، كما حالها منذ انبثاق فجر «الرؤية»، قولًا متبوعًا بعمل، ووعدًا مسطورًا بمداد الإيفاء وفق منضبط المواعيد، ومجدول المواقيت، كلّ شيء محسوب بمقدار، ومرسوم بتخطيط واعٍ، ويستند إلى «رجال» تخيّرتهم القيادة على مقياس الثقة، وميزان الاقتدار، وعزيمة الإنجاز.

ولذا فلمقالهم في المحافل وزن، ولتصريحاتهم وقع يدرك الآخرون صداه.. كما كان الحال مع وزير الطاقة في الدورة الـ(68) للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في فيينا العام الماضي، حين أشار سموه إلى أن المملكة ماضية في تنفيذ مشروعها الوطني للطاقة النووية بجميع مكوّناته، ومن ذلك بناء أول محطة للطاقة النووية، وأنها تقدّمت للوكالة الدولية للطاقة الذرية في يوليو الماضي بطلب إيقاف بروتوكول الكميات الصغيرة، والتحول إلى التطبيق الكامل لاتفاق الضمانات.

كما جدّد الوعد في كلمته بمؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» بالرياض، قبل أقل من عام، حين أعلنها بصوت الواثق المطمئن نواجه باستمرار تساؤلات حول نجاحنا في قيادة قطاع الطاقة العالمي وتحقيق هذه الإنجازات الكبيرة، والإجابة ببساطة هي أننا لدينا عمل مستمر في قطاعات الطاقة المختلفة بالتعاون مع الشركات الكبرى المحلية والعالمية، وخاصة في قطاع الطاقة المتجدّدة مع توفير أفضل أسعار لشراء الطاقة للمحافظة على نمو وتنافسية القطاع.

إن الشواهد المدلّلة على مضي المملكة في هذا الاتجاه، والتخطيط له؛ كثيرة بما ينفي بشكل قاطع وحاسم أي محاولة للنظر إلى خطوتها الحالية من ثقب نظرية المؤامرة، وربطها بالأحداث الجارية في المنطقة، فهو أمر سعت له المملكة مع الولايات المتحدة الأمريكية وفق حاجتها لتنويع مصادر الطاقة، وموافاة المتغيّرات العالمية في هذا السوق ببحثه عن بدائل للطاقة التقليدية، بما توجّب على المملكة أن تكون حاضرة في الصدارة، بمثل ما ظلت في صدارة العالم من حيث الطاقة التقليدية.

هو توجه صريح وواضح، وهدف نبيل صرّح به الأمير عبدالعزيز بن سلمان في مؤتمر الاستثمار بقوله نحاول في قطاع الطاقة أن نثبت قدرتنا التنافسية على توفير الطاقة للعالم في ظل مشهد عالمي يدعم التحول خاصة في قطاع الصناعة.

من هذا الباب، لا غيره، يجب أن تُقرأ خطوة المملكة المباركة باتجاه الطاقة النووية، مقرونة أيضًا بالتطمين الأمريكي الذي صدر عن وزارة طاقتها بالتأكيد على أن الاتفاق (ومعه اتفاق آخر مرافق يتعلق بالضمانات) يضع الإطار القانوني لشراكة تمتد لعقود وتُقدَّر بمليارات الدولارات، بما يدعم تلبية احتياجات المملكة من الطاقة، ويتيح للشركات الأمريكية المشارَكة في البرنامج النووي السعودي، الالتزام بأعلى معايير السلامة والأمن النووي ومنع الانتشار

مقرونًا مع تصريح وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت في قوله يمكنكم الاطمئنان إلى أن هاتين الاتفاقيتين تلتزمان بأعلى معايير السلامة النووية ومنع الانتشار، وتعتمدان على أفضل التقنيات النووية والعلماء في العالم، وهي تقنيات طُوّرت هنا في الولايات المتحدة. وبفضل الرئيس ترمب، تشهد الولايات المتحدة نهضة نووية ستعود بفوائد طويلة الأجل على الشعبين الأمريكي والسعودي.

نحن في ظل عهد جديد، ينحسر فيه ظل المستحيل، ويمتد بإزائه أفق الممكن بأقصى الاحتمالات، لا شيء يوقف الطموح، ولا مصدات تمنع الرهان بالتحدي في سوح الإنجاز.

ستمضي المملكة مع «النووي» على مدارج الطريق السلمي، لتفيد وتستفيد، بغير تهديد يقلق الجيران، ولا وعيد يعكر صفو العالم.. سيكون إضافة حقيقية لسيادة المملكة في سوق الطاقة، وعندها سنعيد جميعًا رهان التحدي الذي رفعه وزير الطاقة، وزير الصناعة والثروة المعدنية الأمير عبدالعزيز بن سلمان، في وجه الصين إبان مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار».. «نقول لأصدقائنا الصينيين حول نقل وتوزيع الطاقة عليكم تطوير مشاريعكم وإلا ستصبح السعودية في المركز الأول. نعمل بمختلف مجالات الطاقة بدون استثناء».

فيا له من رهان وشيك ستكسبه المملكة دون ريب، فليثق الواثقون، وليزداد المرتابون ريبة في محضن عجزهم المغبون.

حفظ الله هذا الوطن وقيادته الغالية وكل من يعيش على ترابه.

22:28 | 26-07-2026

معجم وِرِث بناء الذاكرة المجتمعية !

من الأسباب القوية التي تمنح رؤية المملكة وقود الاستمرار، والقدرة على إنفاذ إستراتيجيتها على النحو المرسوم، هو «الوعي» المستنير والمدرك لماهية التأصيل، والمعاصرة، والتأسيس عليها في حركة الانطلاق نحو المستقبل.

صدر عن المعهد الملكي للفنون التقليدية معجم وِرِث لمصطلحات الفنون المختلفة ضمن مبادرات وزارة الثقافة وبرنامج جودة الحياة.

المملكة تزخر بشتى أنواع الفنون تحمل كل الممارسات والتقاليد والعادات لحياة يومية مارست طقوسها وأصبحت أثراً خالداً لا يموت، يحمل عوامل حياته وخلايا تجديده.

إيمانًا بأن الحِرف والفنون التقليدية ليست مجرد ممارسات ماضية، بل هي مكوّن أصيل من مكونات الهوية الوطنية، ورافد مُهم من روافد الثقافة المعاصرة، ونافذة ننظر من خلالها لتاريخنا وثقافتنا وفنوننا.

كان وِرِث المنجز الوطني الذي وثق وحفظ الموروث الثقافي، لأكثر من 2000 مصطلح، من الفنون التقليدية بوصفه مشروعًا معرفيًا يتجاوز حدود الجمع اللغوي إلى تأسيس رؤية ثقافية متكاملة، للمصطلح بوصفه حاملاً للذاكرة، ووعاءً حيًا للخبرة الإنسانية المتراكمة في الحروف والفنون لبناء خطاب ثقافي وطني راسخ.

يفرض المعجم نفسه باعتباره ثمرة تلاقٍ بين ثلاثة مسارات المعرفة الأكاديمية، والخبرة الحرفية، والتوثيق الميداني. ثلاثية منحته قدرًا معتبرًا من المصداقية؛ لا يكتفي بالنقل من مصادر مكتوبة، بل يستنطق الذاكرة الشفهية ويستدعي الحِرفي بوصفه شريكًا في إنتاج المعرفة، لا مجرد موضوع لها.

فالفنون التقليدية في جوهرها معرفة مُعاشة، لا تُختزل في تعريفات جامدة.

الرهان الأكبر في هذا العمل يتمثل في إحياء المصطلح، لا بوصفه وحدة لغوية فحسب، بل باعتباره مفتاحًا لفهم بنية الثقافة ذاتها. فالمعجم ينطلق من فرضية عميقة مفادها أن ضياع المصطلح يعني ضياع جزء من الوعي التاريخي، وأن استعادته هي استعادة لطبقات من المعنى كانت مهددة بالاندثار.

هذه الفرضية تمنح المشروع بعدًا حضاريًا، وتجعل منه أداة مقاومة للنسيان.

على المستوى المنهجي، يظهر جهد واضح في ضبط المصطلحات، وتصنيفها ضمن حقول دلالية دقيقة، مع ربطها بسياقاتها الوظيفية والثقافية. هذا التصنيف يفتح أفقًا لفهم العلاقات البينية بين الحرف والفنون والبيئة الاجتماعية.

حين تُدرج الأدوات، والمهن، والفنون، والأزياء، والعمارة ضمن منظومة واحدة، تعكس وعيًا بأن الثقافة التقليدية نسيج متكامل لا يمكن تفكيكه إلى وحدات معزولة.

غير أن هذا الطموح لا يخلو من بعض الملاحظات النقدية.

فالمعجم، في سعيه إلى التبسيط، يميل أحيانًا إلى تقديم تعريفات وظيفية مقتضبة، تُعرّف الشيء بما يُستعمل له، دون الغوص الكافي في أبعاده الرمزية أو التاريخية.

كان يمكن لبعض المداخل أن تستفيد من توسيع الشرح ليشمل سياق النشأة، وتحوّلات الاستخدام، والدلالات الاجتماعية التي تحيط بالمصطلح.

كما أن الحضور القوي للمنهج التصنيفي، على أهميته، قد يُفضي أحيانًا إلى شيء من الصرامة التي تُضعف انسياب القراءة.

فالقارئ غير المتخصص قد يجد نفسه أمام بنية أقرب إلى الفهرسة العلمية منها إلى السرد المعرفي الحي.

كان بالإمكان موازنة ذلك بإدخال شذرات تفسيرية أو أمثلة تطبيقية تُقرب المصطلح من التجربة اليومية، ما يميّز هذا المعجم قدرته على بناء جسر بين الماضي والحاضر. فهو لا يتعامل مع الفنون التقليدية بوصفها بقايا أثرية، بل يقدّمها كطاقة قابلة للتجدّد، وكمورد معرفي يمكن أن يُستثمر في التعليم، والتصميم، والصناعات الثقافية، منسجمًا مع التحوّلات الكبرى التي تشهدها المشاريع الثقافية المعاصرة، والتي تسعى إلى تحويل التراث من مادة للعرض إلى عنصر فاعل في الاقتصاد الإبداعي.

المعجم، لبنة أولى في مشروع أوسع لتأصيل المعرفة بالفنون التقليدية، وبناء قاعدة بيانات لغوية وثقافية يمكن أن تتسع وتُطوَّر.

وتكمن قيمته الحقيقية في كونه يضع الأساس، ويُعيد ترتيب العلاقة بين اللغة والتراث، ويُذكّر بأن كل مصطلح هو أثر حيّ، يحمل في طياته قصة مجتمع، وصوت إنسان، وملامح زمن.

بهذا المعنى، يغدو (معجم وِرِث) أكثر من كتاب مرجعي؛ إنه إعلان ثقافي عن استعادة الذات عبر اللغة، وعن وعي جديد بأن الهوية لا تُصان بالشعارات، بل تُبنى بالكلمات الدقيقة، والمعاني المحفوظة، والجهد العلمي الذي يمنح التراث حياة أخرى في وجدان الحاضر.

يبقى على وزارة الثقافة في حراكها المبارك المبادرة بإنشاء مكتبات في كل مول وسوق ومطار لزيادة المعرفة وإثراء العقل.

جهود مقدرة لوزارة الثقافة.

00:01 | 23-07-2026

السعودية ترسم مستقبل زراعة الخلايا الجذعية عالمياً   

عندما قال الدكتور ماجد الفياض، بثقة العالم المتمكن في قمة «مستقبل الصحة» في واشنطن، إن التحول الذي يشهده القطاع الصحي ضمن رؤية السعودية القديرة يرسّخ مكانتها نموذجاً عالمياً للأنظمة الصحية المرنة والمبنية على الابتكار، وأن هذا التحول يمتد إلى مجالات العلاج الجيني والخلايا الجذعية، حيث تتخذ المملكة خطوات جريئة نحو ترسيخ مكانتها مركزاً رائداً للعلاجات الحيوية المتقدمة، كان يعي هذا الكلام وواثقاً منه، مرتكزاً على سياج الرؤية التي أكدت على امتلاك المعرفة قبل امتلاك الموارد، وأن المملكة أحد أبرز صنّاع التحول العلمي والطبي على مستوى العالم متجاوزة دورها التقليدي إلى إنتاج المعرفة الطبية، وابتكار معايير سريرية جديدة يمكن أن تعيد تشكيل الممارسة الطبية العالمية.

قبل أيام عشنا إنجازاً جديداً حققه مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بجدة في تطوير وتطبيق أول بروتوكول سريري في العالم يعتمد على خوارزمية تنبؤية دقيقة لتقدير كمية الخلايا الجذعية المتوقع جمعها من كل متبرع، ما أسفر عن تحقيق نتائج غير مسبوقة في تاريخ زراعة الخلايا الجذعية عالمياً

بنسبة نجاح بلغت 100% لدى المتبرعين الذكور في جمع الخلايا الجذعية من الجلسة الأولى، بينما بلغت نسبة النجاح 94.9% على مستوى جميع المتبرعين، مع الاستغناء الكامل عن الحاجة إلى الجلستين الثالثة والرابعة، وهو ما لم تستطع البروتوكولات العالمية السابقة تحقيقه، ليسجل عالمياً باسم المملكة العربية السعودية، مما يعني الانتقال من أسلوب يعتمد على المحاولة والتكرار إلى أسلوب يقوم على التنبؤ العلمي الدقيق والتخطيط المسبق، أحد ملامح الطب الحديث، حيث تتحوّل البيانات والخوارزميات إلى أدوات تساعد الطبيب في اتخاذ القرار الأمثل قبل بدء العلاج.

فالابتكار الحقيقي لا يكمن فقط في تطوير بروتوكول علاجي، وإنما في بناء منظومة تعتمد على الذكاء التحليلي والخوارزميات التنبؤية، بما يسمح للطبيب بمعرفة كمية الخلايا المتوقع جمعها قبل بدء الإجراء بدقة عالية.

القرار الطبي لم يعد يعتمد فقط على الخبرة السريرية، بل أصبح مدعوماً بتحليل علمي دقيق يقلل هامش الخطأ ويرفع كفاءة العلاج. وهذا يمثل أحد ملامح الطب الحديث، حيث تتكامل المعرفة الطبية مع علوم البيانات والذكاء الاصطناعي لإنتاج أفضل النتائج العلاجية.

أثر هذا الابتكار يمتد إلى البعد الإنساني، حيث يحفظ كرامة المتبرع ويعزز سلامته.

على مدى عقود طويلة، كان كثير من المتبرعين يضطرون إلى العودة عدة مرات لاستكمال جمع الخلايا الجذعية، وما يصاحب ذلك من إرهاق جسدي ونفسي، وآثار جانبية، واحتمالات التنويم بالمستشفى.

البروتوكول السعودي الجديد نجح في تقليل هذه المعاناة، وخفض الحاجة إلى تكرار جلسات الجمع، وتقليل جرعات أدوية التحفيز، والحد من المضاعفات المحتملة، لتصبح تجربة التبرع أكثر أماناً وإنسانية وكفاءة.

وإذا كان المتبرع هو المستفيد الأول، فإن المريض يبقى الرابح الأكبر من هذا الإنجاز. فمرضى سرطانات الدم وأمراض نخاع العظم يعيشون سباقاً مع الزمن، إن تأخر الحصول على الخلايا الجذعية قد يؤثر بصورة مباشرة في فرص نجاح العلاج.

فجمع الخلايا من الجلسة الأولى يختصر الزمن، ويُسرّع عملية الزراعة، ويمنح المرضى فرصة أفضل لتلقي العلاج في الوقت المناسب، وهو ما ينعكس على نسب التعافي وجودة الحياة.

التخصصي برعاية وتوجيه صاحب الرؤية الأمير محمد الخير لم يعد مجرد مؤسسة تقدّم العلاج، بل أصبح مؤسسة تصنع المعرفة الطبية.

هذا الإنجاز لم يبقَ داخل جدران المستشفى، بل نُشر في مجلة Blood Global Hematology التابعة للجمعية الأمريكية لأمراض الدم باعتباره بحثاً علمياً أصيلاً، ما يمنحه قيمة علمية دولية، ويجعل نتائجه قابلة للتقييم والتطبيق حول العالم.

يأتي هذا النجاح امتداداً لمسيرة طويلة من التميّز، والريادة في مجالات زراعة الأعضاء، وعلاج الأورام، والطب الجينومي، والعلاجات الخلوية، والأبحاث الطبية المتقدمة، وثمرة مباشرة لرؤية المملكة التي جعلت البحث العلمي والابتكار الصحي ضمن أولوياتها الإستراتيجية، وأن الاستثمار في الإنسان، وفي مراكز الأبحاث، هو الطريق الحقيقي لبناء اقتصاد المعرفة.

المملكة اليوم تنتقل من استيراد المعرفة إلى تصديرها، إذ تقدّم للعالم بروتوكولاً سريريّاً جديداً، وخوارزمية مبتكرة، ومعياراً علاجيّاً ليكون مرجعاً دوليّاً في مراكز زراعة الخلايا الجذعية.

هذا هو التحول الحقيقي؛ أن تنتقل الدولة من موقع المتلقي إلى موقع المنتج، ومن استهلاك المعرفة إلى صناعتها، ومن متابعة التطورات الطبية إلى قيادتها.

ما أنجزه التخصصي في جدة ليس مجرد نجاح لمؤسسة طبية، بل هو نجاح لوطن آمن بأن الاستثمار في العلم هو الاستثمار الأكثر بقاءً، وأن الريادة الحقيقية بما تنتجه العقول من معرفة رصينة، وما تقدمه من ابتكارات تُغيِّر حياة البشر، وترسم مستقبل الطب، وتضع اسم المملكة في طليعة الدول التي تصنع المعرفة الطبية وتُسهم في توجيه مسارها العالمي.

00:03 | 20-07-2026