أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/273.jpg?v=1763304641&w=220&q=100&f=webp

نجيب يماني

حين تُعلّق أستراليا الجرس !

على قصر المدة الزمنية بين إعلان أستراليا عزمها على حظر دخول الأطفال دون سن السادسة عشرة، لمنصات التواصل الاجتماعي، وإقرار ذلك بتشريع جديد، ودخوله التنفيذ في خواتيم الأسبوع الماضي، إلا أنّ حجم التفاعل كان كبيراً جدّاً، وواسع الانتشار، كونه الحظر الأول من نوعه عالمياً، ولما انطوى عليه من «جرأة» تكاد تمسّ مبدأ «الحرية المقدّس» في المجتمعات الغربية، واستعلائها دوماً بفكرة رفض الوصاية بأيّ شكل من الأشكال، وتعظيم حرية الاختيار؛ انصياعاً للعبة الديمقراطية والليبرالية، قديمها وجديدها، ليبرز هذا التشريع قافزاً فوق هذه الثوابت، تعبيراً عن قلق حقيقي، و«أزمة» ماثلة، وخطر داهم يتهدّد مستقبل الأجيال في أستراليا، بما حرّك مستشعراتها نحو إقرار هذا التشريع، في محاولة لوقف تداعيات هذا الخطر، وإدراك ما يمكن إدراكه، في ضوء أبحاث ودراسات كثيرة نبّهت على عظيم أثر منصات التواصل الاجتماعي على المراهقين واليفّع، ولعلّ أبرزها الدراسة الحديثة التي قامت بها مؤسسة «ديمِنشيا أستراليا» بمشاركة خبراء مختصين، وخلصت إلى الربط بين الإفراط في استخدام الهواتف الذكية وتراجع صحة الدماغ لدى المراهقين والشباب، حيث ذهب المشرف على الدراسة، أخصائي علم الأعصاب البروفيسور مارك ويليامز، إلى القول بأن «نتائج الدراسة بيّنت وجود تغيّر ملحوظ في قدرات الذاكرة والانتباه لدى مستخدمي الأجهزة الإلكترونية لفترات طويلة، مؤكداً أن الاعتماد المستمر على شاشات الهواتف الذكية يقلّل من القدرة على معالجة المعلومات، ويزيد فرص نسيان المهام، ويؤثر في الذاكرة» الأمر الذي وجد فيه رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، الحجة المنطقية، والسند العلمي، لدعم التشريع، معضداً موقفه في رسالة مصورة، أوضح من خلالها أن «الهدف من الحظر هو دعم الشباب الأسترالي وتخفيف الضغط الذي يمكن أن يتعرّض له من البث والخوارزميات التي لا نهاية لها».

وذهب إلى أبعد من ذلك بالقول: «هذا هو اليوم الذي تستعيد فيه العائلات الأسترالية زمام الأمور من شركات التكنولوجيا العملاقة، إنهم يؤكدون حقّ الأطفال في عيش طفولتهم، وحقّ الآباء في الشّعور براحة البال».

على أن هذا «الفرح الرسمي»، ومناصريه، واجهته في المقابل آراء مخالفة، بدوافع متفرقة، فأنصار الحرية بلا قيود رأوا في التشريع الجديد تجاوزاً للحريات بلا مبرر منطقي، أما الأكثرية فذهبت إلى «صعوبة التطبيق»، مع توقع واسع وعريض بتجاهل بعض الأطفال وذويهم هذا الحظر، وهو ما أقر به رئيس الوزراء نفسه، بالقول: «الأمر لن يكون سهلاً».

أما موقف الشركات المعنية بالتشريع الجديد، فليس بمستغرب أن تقف في الضفة الأخرى منه، قياساً على الخسائر الاقتصادية من جرّائه، لكنها في المقابل اتخذت من «صعوبة التطبيق»، ومناصرة بعض أولياء الأمور حجة لتقوية موقفها الرافض للتشريع، وتقديم بدائل أخرى، ضمّنها المتحدث باسم «ميتا»، في بيان؛ جاء فيه «يتفق الخبراء وجماعات الشباب والعديد من أولياء الأمور على أن الحظر الشامل ليس هو الحل، فهو يعزل المراهقين عن المجتمعات والمعلومات عبر الإنترنت، مع توفير حماية غير متسقة عبر التطبيقات العديدة التي يستخدمونها، فهناك طريقة أفضل تشريع يُمكّن أولياء الأمور من الموافقة على تنزيل التطبيقات والتحقق من العمر، مما يسمح للعائلات وليس الحكومة بتحديد التطبيقات التي يمكن للمراهقين الوصول إليها».

إن المراقب لهذا المشهد المائج بالآراء المختلفة، لا بد أن يقف موقف المتأمل، والمستبصر، ليدرك أن هذه المعضلة لم تعد شأناً يخص مجتمعاً دون مجتمع، وأن حاجتنا إلى المعالجة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية عامة، والسعودية على التخصيص باتت كبيرة، فلئن كانت دوافع الحظر لدى المجتمع الأسترالي قائمة على «صيانة عقول المراهقين من الاستهلاك، وفتح النوافذ أمامهم لممارسة حياة طبيعية بما فيها من ترفيه بريء وممارسة الرياضة وتكوين علاقات في العالم الواقعي بعيداً عن الافتراضي»، فإن دوافعنا تبدو أكبر لما نلمسه من تقاطعات كثيرة في مشهد تعامل المراهقين عندنا مع وسائل التواصل الاجتماعي، وكلها لا تصب في شيء إيجابي، بل تنطوي على مخاطر كبيرة، سواء من حيث تعاطيهم مع المواقع المشبوهة، أو جماعات الهوس الديني والتطرف العقدي، أو شبكات الجريمة المنظمة، وغير ذلك من «البلاوي» التي نعيشها كل يوم، ونكتوي بنارها في صمت، ليبقى السؤال معلّقاً كيف العلاج، وما هي طرق الحل؟

فلو كان لنا أن ننظر إلى تجربة أستراليا الوليدة، فالحقّ أنها – على نصاعة أهدافها – قابلة للخرق والتحايل والالتفاف لصعوبة الضبط بصورة مثالية، في ظل منظومات أسرية لا تعمل بمحركات «الوصاية الأبوية» الصارمة، بما يمثّل رادعاً أو جرس تنبيه للأطفال والمراهقين، ولهذا ربما لا تجد التجربة ما تصبو إليه من النجاح المنشود، لكنها تظل جرساً معلّقاً يقرع باستمرار تنبيهاً لهذا الخطر الداهم، لهذا فمن المهم أن نبدع وسائل جديدة منسجمة مع واقعنا، وقابلة للتنفيذ بصورة منطقية ومعقولة، وفي خاطري تجربتنا «المريرة» مع كل المستحدثات التي «غزت» مجتمعنا؛ بدءاً من «الدش»، مروراً بالجوال، والجوال المزوّد بالكاميرا، وغير ذلك؛ حيث ظل «خطابنا الوعظي الصحوي» يستهدف الآلة «المسكينة» بالحظر والمنع، وكان الأولى بها استهداف الإنسان المستخدم، وتحصينه بقيم إيجابية، تجعل من الآلة بين يديه «نعمة»، بدلاً من كونها «نقمة» جرّاء سوء تصرفه، وسلوكه المُلغّم، فلا حظر سيفيد، ولا مراقبة ستجدي، ولا تشريعات ستحد، بالشكل المؤثر ما لم يصحب ذلك تبصير وتوعية وتوفيق..

بظنّي أن الأمر جدير بالنقاش المستفيض، حتى لا يتسع الفتق على الراتق، بأكثر مما هو متسع الآن في صمت مقلق، حفظ الله أبناءنا وبناتنا.

منذ يوم

اللي شبكنا معك يا حلو يخلصنا..!

في رواية دوستويفسكي الإخوة كرامازوف

قالت البطلة لإيفان إنني أحبك ولا أدري ما السبب ؟

فكان جوابه: «أنتي لا تحبينني إلا لأنني قريب منك، أنتي لا تحبينني، بل تحبين فكرة وجودي بجانبك، تحبينني لأنك تستطيعين أن تحدثينني وقتما شئتي وأن تصبي غضبك علي وأن تملأي راسي بترهاتك التي لا تنتهي، وأنا بالطبع ابقى بجانبك أستمع كالتلميذ النجيب، لكن ما أن أغيب عن ناظريك يوم حتى تستطيعي من صباح الغد أن تجدي مسكينًا آخرًا يحل مكاني.

أنتي تحبين نفسك فقط رغم أنك من أعماقك تعتقدين بالفعل إنك تحبينني

‏ لكن لا ليس كذلك».

هناك لحظات في الأدب لا تُقرأ بل تُرتجف الروح أمامها.

مشهد اعتراف البطلة لإيفان واحدٌ من تلك اللحظات التي تُشعل الأسئلة القديمة كلها

ما الحب؟ ومن يحبّ مَن؟

وما الذي يختبئ خلف الكلمات التي تُقال بخفوتٍ شبيهٍ بارتجاف جفنٍ مُثقَل؟

جملة واحدة نطقتها البطلة إنني أحبك ولا أدري ما السبب

ففتحت بابًا مظلمًا على أعمق ما في النفس من خداعٍ وسوء فهم، واستدعت جوابًا يشبه السكين في قسوته.

تنبثق كلمات إيفان كصاعقةٍ تمزّق سكون اللحظة، كمن يلقي الحجر الأخير في بئرٍ امتلأت بظلال الوهم.

لا يتحدث كعاشقٍ يردّ على اعتراف حبيبة،

بل كفيلسوف يحمل مشرطاً حادّاً يفتح جرح الحقيقة دون خشية من الدم والألم..

اعتراف البطلة إنني أحبك ولا أدري ما السبب يبدو للوهلة الأولى اندفاعًا رقيقًا، ولكن إيفان بطباعه المأزومية وذهنه المشتعل يرى خلف العبارة ما لا تراه هي يرى قناعًا أنيقًا يغطي فراغًا عاطفيًا هائلاً.

تتحوّل كلماته إلى مرآةٍ لا ترحم، مرآة تكشف أن بعض الحب ليس حبًّا أصلًا، وإنما اعتياد على وجود آخر يملأ اللحظات، لا القلوب. يصرّح بوضوح صادم

أنتِ لا تحبينني... تحبين فكرة وجودي بجانبك.

جملة تكفي لخلخلة جبال كاملة من العلاقات البشرية المعاصرة.

كم من إنسان يحبّ (الدور) لا (الشخص)؟ كم من امرأة أو رجل يتشبث بالآخر لأنه متاح، منصت، حاملٌ طيبٌ للهموم، سهل الاستبدال؟

إيفان يعرّي العلاقة بجرأة لا تُحتمل.

يصف نفسه كتلميذ نجيب يستقبل غضبها وترّهاتها وصمتها الثقيل.

لا يملك اعتراضًا لا يطرح سؤالًا.

يقف كجدارٍ تستند إليه متى تشاء، لكنّه جدار يمكن أن تستبدله بجدار آخر يومًا ما.

الكارثة ليست في غياب الحب، بل في توهّم وجوده.

دوستويفسكي يمسك هنا بواحدة من أعمق حيل النفس..

إنسان يتخيّل أنه يحبّ الآخر، بينما هو في الحقيقة يحبّ ذاته من خلال الآخر.

يحبّ الشعور بأنه مرغوب، مسموع، مُعتنى به، يحبّ السيطرة الهادئة التي تمنحه القدرة على استدعاء شخص متى احتاجته.

هذا النوع من الحب يلتهم الآخر كما تلتهم النار قطعة حطب ببطءٍ لذيذ

إيفان يعرف هذا، ولهذا كانت كلماته قاسية قسوته ليست هجومية؛ إنها دفاعٌ عن كرامته. لقد رفض أن يكون ديكورًا جميلًا في غرفة من أحب،

تبرز عبقرية دوستويفسكي حين يكتب اختبارات دم للمشاعر البشرية.

يكشف الزيف كأنما يزيل قشرة ذهبية عن معدن رخيص.

حبّ البطلة ليس حبًّا؛ بل احتياجٌ نفسي مُغلّف بشاعرية مزيّفة.

إيفان ليس قاسيًا؛ هو فقط يملك شجاعة قول الحقيقة التي يهرب منها الآخرون..

نبرة كلماته لا تشبه رفضًا، بل تشبه حكمة رجلٍ يُدرك أن الحب لا يُبنى على قرب المسافة، بل على وضوح القلب.

أن يكون الآخر حرًا، كاملًا، مستقلاً... لا متكئًا على ظلّك.

يبقى السؤال الذي يتركه دوستويفسكي معلّقًا في الهواء كجرسٍ مكسور

هل نحبّ الشخص لأنّه هو

أم لأن وجوده يجمّل هشاشتنا؟

جواب إيفان كان مذهلًا

(الحبّ الذي لا يعرف نفسه، لا يمكنه أن يعرف الآخر)

حقيقي فرغتُ منكِ، حتى وإن جئتِ بثقل الأرض ندمًا، لن تَملائيني مرة أخرى.

00:00 | 11-12-2025

العدالة والشفافية في آلية «أوبك+» الجديدة..!

من بين كافة السلع غير المرنة (Inelastic Commodities)

يقف النفط في منطقة «قلقة» حيال المبادئ الاقتصادية في أبعادها التنظيرية، والمعروفة في مناهج الدرس، وكليات المال والاقتصاد، فعند استصحاب مفهوم السلع غير المرنة، بوصفها سلعاً لا تقبل الانصياع لقانون «العرض والطلب»، ولا يتأثر الطلب عليها كثيراً حال زيادة أو نقصان سعرها، بما يجعل من عرضها سوقياً في مستوى ثابت قياساً على الحاجة الضرورية إليها.

لكن يبقى النفط في «منطقة حسّاسة»، تتقاطع فيها حدوس كثيرة، منها: الاقتصادي والسياسي والأمني، وغير ذلك، بما يكسبه ميزة خاصة، كون الطلب عليه والعرض كليهما غير مرنين، فارتفاع سعره لا يؤدي إلى انخفاض الطلب بنفس النسبة، ولا تؤدي إلى زيادة العرض بنفس النسبة كذلك، والمحصلة أن تخفيض الدول المنتجة (أوبك / أوبك بلس) لحجم إنتاجها من النفط يضخ أرباحاً كبيرة في خزينتها، فيما تقل إيراداتها في حال زادت حجم إنتاجها، لكن تبقى الحقيقة الاقتصادية أن خفض الإنتاج يؤدي إلى ارتفاع في السعر بأكبر من نسبته حال خفض الإنتاج..

إن هذه التقاطعات السياسية والاقتصادية في مسرح «النفط»، تجعل من مسألة تحقيق نقطة الاتزان (Point Of Equilibrium) في غاية الصعوبة، لتوازي وتقاطع المصالح، وما تفرضه المتغيّرات المستمرة في العالم. لهذا ظلت المملكة العربية السعودية، بوصفها في صدارة منتجي النفط، تعلن وتقرر وتكرر بأن تعاملها في إنتاج النفط خاضع للتقديرات الاقتصادية، ولا ينحاز بأي حال من الأحوال إلى تقديرات سياسية، ومن هذا الباب ظلت تقود دفة العمل الاقتصادي الصرف في منظومة «أوبك / أوبك +» بما يحقق تطلعاتها وتطلعات الدول الأعضاء، ويضمن في الوقت نفسه انسياباً طبيعياً، في سوق النفط، وتحكماً منضبطاً لأسعاره.

ومن ذلك ما أعلنته منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، الأسبوع الماضي، من أن تحالف «أوبك+» وافق على آلية لتقييم الطاقة الإنتاجية القصوى للأعضاء، لاستخدامها في تحديد خطوط الأساس للإنتاج ابتداءً من عام 2027 التي تُحدد بناءً عليها حصص الإنتاج.

الأمر الذي قوبل بالإشادة والتقريظ من قبل المملكة العربية السعودية، ورأت فيه «نقطة تحوّل»، ووصفتها بـ«العادلة والشفافة»، بحسب تصريحات وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، في «منتدى الاستثمار والأعمال السعودي - الروسي 2025»، بقوله لدينا الآن النهج الأكثر تفصيلاً، والأكثر تقنية وشفافية حول كيف يمكننا المضي قدماً في المستقبل في إدارة السوق وكيفية الاهتمام بالإنتاج

بل زاد عليها مقرظاً بالقول ربما كان يوم أمس أحد أنجح الأيام في مسيرتي المهنية الشخصية، وأنا ممتن جداً لدعم أصدقائنا في روسيا.

على أنّ هذا الموقف السعودي الداعم لآلية تحالف «أوبك+»، والمقترن مع قرار تمديد تعليق زيادات الإنتاج حتى مارس 2026، وإبقاء مستويات الإنتاج على ما هي عليه، في إطار نهج حذر للحفاظ على استقرار السوق؛ يرسّخ مفاهيم الاقتصاد القائمة على الممايزة وفق العطاء والجهد والبذل وحجم الإنتاج، والإسهام.

كل هذه الميزات التي تتفاوت فيها الدول بحسب القدرات والإمكانات، وهو عين ما أتى عليه الأمير عبدالعزيز بن سلمان، بالتأكيد أن هذه الآلية ستكون وسيلة تُكافئ من يستثمر، ومن يؤمن بوجود النمو والتطوّر، ويضعنا في موقع متقدّم بين المنتجين الآخرين. وهي آلية عادلة وشفافة، وتُسهم في استقرار الأسواق، بوصفها عنصراً يدعم تحقيق هذا الاستقرار.

من الطبيعي أن تتباين الآراء الدولية حيال آلية عمل تحالف «أوبك+» طالما بقي الجميع يستهدفون مصالحهم، وتكثير الأرباح في خزائنهم، وتوفير أكبر قدر ممكن من أمن الطاقة لبلدانهم ومستقبلها، لكن تبقى تقديرات المصلحة في التحالف والدول المنضوية تحت مظلته هي المقدّمة على كل مصلحة، وهو ما أكده وزير الطاقة في الجلسة التي جمعته بنائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، بالقول الصريح الذي لا لبس فيه «هناك مجموعة (أوبك بلس) ومجموعة (الثماني)، وكلنا يجب أن نتفق في إطار هذه الصيغة، ويجب أن تتاح لنا الفرصة للرد عن أي أوضاع وفقاً للتطوّرات، نحن نتفاعل فقط مع الواقع»، وأضاف: «لا يحق لأحد أن يتحدث باسم الجميع من دون أن يعرف رأي الجميع في مجموعتنا».

كما بعث برسالة مهمة في بريد من يهمه الأمر، ممن يطالبون بالاستغناء عن الهيدروكربون، إلى أنهم يستهلكون الآن كل جزيء منه ويتطلعون للمزيد؛ بالقول سنكون موجودين عندما يعترف العالم بأن خطاباته السابقة حول الطاقة ستتراجع أمام واقع الاستهلاك.

صفوة القول ومحموده أن المملكة العربية السعودية، بفضل قيادتها الحكيمة، ورؤيتها الاستشرافية، والجهد المبذول في وزارة الطاقة، وعلى رأسها الأمير عبدالعزيز بن سلمان، ماضية في تطوير سوق النفط بشكل مستمر، والمنظورة في الاكتشافات الجديدة، التي تبشّر بخير واجد، فضلاً عن التطوير المستمر في إنتاج الطاقات البديلة، الأمر الذي يضمن للمملكة تسنّم صدارة العالم في مجال الطاقة حاضراً ومستقبلاً..

وبالله التوفيق والإعانة.

00:11 | 8-12-2025

حين يصبح السؤال خلاصًا: اسأل روحك..!

هناك لحظات في العمر تتكسّر فيها الصورة الجميلة للحبّ، لا بصخبٍ ولا بضجيج، بل بصوتٍ داخلي خافت يهمس (لقد تغيّر شيءٌ ما)، اسأل روحك اسأل قلبك

قبل ما تسأل ايه غيّرني

انا غيرني عذابي في حبك

بعد ما كان أملي مصبرني

غدرك بيا أثّر فيا واتغيّرت شوية شوية..

لم يعد القلب كما كان، ولا الدرب كما كان، ولا النظرة كما كانت.

شيء ما انكسر، وشيء آخر وُلد من بين فتات الوفاء،

في قصيدة اسأل روحك للكاتب عبدالوهاب محمد، كلماتِ ليست مجرد عتاب.

بل ارتجافة كرامة، انكسار حلم، واستيقاظ روح كانت غافلة بين يدي من لا يعرف قيمتها

كنت بشوفك بعيون حبي وانت بعيد أو وانت بقربي

بعد الود اللي راعيته لك بعد الحب اللي وهبته لك

بعد العمر اللي انا عشته لك فيه ايه تاني أقدمه لك

النصّ لا يُعدّ بكاءً على خسارة، بل كشفًا لحقائق عميقة

القلب الذي احبّ بصدق، يعرف كيف يبتعد عندما يصبح البقاء إهانة.

الحبّ الذي بدأ دفئًا وأمانًا تحوّل إلى ألمٍ مقيم وعذاب دائم.

اليد الممتدة العامرة بالحياة والعطاء، لا تلقى أمامها إلا الخذلان وعدم الاهتمام

كل كذبة وكل جرح، وكل خيبة، وخذلان أضاف طبقةً جديدة إلى قسوة القلب،

وقاد خطى العلاقة إلى طريق الفناء

اتسعت الهوّة بين العطاء والجحود،

الوفاء وحده لا يبني علاقة، والصبر لا يصنع إنسانًا يستحقّ الانتظار

أنا حيّرني هواك وأنا علشان انساك

ببعد عن كل مكان رحته ولو مرة معاك

واهرب من أقرب ناس يعرفوا قصتي وياك

وبغيّر أي كلام بيجيب سيرة لذكراك

وصلتني للحال ده بيدك بعد ما كانت روحي فى ايدك

سِبتك ومفيش حد في عمري يشغل عنك قلبي وفكري

هذا التغيّر أعظم أشكال الصدق مع الذات أن نطوي حنيننا، ونشيّع ضعفنا، ونختار البعد ليس هربًا من الحبّ، بل احترامًا للقلب، ووفاءً لكرامته.

إن حب النفس لا يقل قيمة عن أي عاطفة، وإن الابتعاد أحيانًا أهم من البقاء، لأنه فعل نجاة وليس هروبًا.

فالذكريات وحدها لا تُنعش علاقة انهارت أركانها.

وهي لا تداوي، ولا تُعيد للروح ثقتها بمن كسَرها. لذلك تتعلّم الروح كيف تهرب من الأماكن التي جمعتها، وتتحاشى الكلام الذي يعيد صورة حب مضى، وتمنع من فتح جراحًا ظنّت أنّها التأمت.

هذا الانسحاب ليس دليل ضعف، بل قمّة القوّة.

القلب الذي يضطرّ للابتعاد يفعل ذلك لأنه احترق بما فيه الكفاية.

الابتعاد ليس فرارًا من الحب، بل حماية للروح، حراسة للذات، وإعلان واضح بأنّ احترام النفس لا يقلّ أهمية عن أي عاطفة.

والسؤال الذي يعلو من بين الأنقاض «لماذا حدث هذا؟»

هو حناني عليك قسّاك حتى عليا ولا رضايا كمان خلاك تلعب بيا

ولا تسامح روحي معاك غرّك بيا أنا يا حبيبي صحيح بتسامح

الا في عزة نفسي وحبي.. واما يفيض بي ما بعرف أصالح......

هنا يظهر الفارق بين المحبّ الذي يتألّم لأنه أحبّ أكثر، يعترف بوجعه وبين الآخر الذي تغيّر لأنه لم يعرف قيمة من أمامه

يخفي حقيقة عجزه عن الاحتفاظ بمن يستحقّ البقاء

وعندما يبرز سؤال النهاية (لو كنت مكاني، ماذا كنت ستفعل؟)

فهو سؤال يكشف الحقيقة من يجرّب الوجع نفسه، سيصل إلى القرار نفسه.

كل تجربة قاسية تضيف إلى صلابة الإنسان، وتجعله أكثر وعيًا بما يستحقّ الحفاظ عليه، وأكثر استعدادًا لترك ما لم يعد يستحقّ البقاء.

في نهاية المطاف، الحبّ ليس امتحانًا للجلد، ولا ساحةً للصبر.

الحبّ الحقيقي يُلملم الروح، لا يُمزّقها.

يُرمّم القلب، لا يطعن أعمق.

يمنح الإنسان جناحين، لا أثقالًا تشدّه إلى الحزن.

ولهذا، يصبح الابتعاد فعل نجاة والتغيّر شهادة حياة

وتصبح العودة إلى الذات أجمل انتصار،

لأنّها لحظة لقاء مع النفس بعد طول هجوع، واحتضان للذات بعد سنوات من العطاء الذي لم يُقدّر.

وانت يا عيني.. لو في مكاني يا عيني كنت حتعمل غير كده ايه.. اسأل روحك.

00:21 | 4-12-2025

صحةُ الإنسان رحلةُ علمٍ تُزهرُ في السعودية

لم يعد الحديث عن صحة الإنسان مجرد توصيفٍ طبي لحالةٍ عابرة، بل تحوّل إلى ملحمةٍ إنسانية تُكتب كل يوم بمداد العلم وشغف الاكتشاف.

ففي كل إنجازٍ طبي نوعي، تتبدّى صورة الإنسان وهو يُنتَشل من حافة الخطر إلى فسحة الأمل، وتتكشف براعة العلم، الذي لم يعد يكتفي بمعالجة المرض، بل يطارد جذوره، يعيد تشكيل الأعضاء، وزراعتها وطباعتها ليمنح الجسد فرصاً أطول لحياة سعيدة.

الإنسان اليوم يَعبرُ عمرهُ محاطاً بمعجزات الطب وفتوحاته، التي حقّقت للإنسانية ما كانت تحلم به من إطالة عمرها لتعيش جودة الحياة وحلوها.

قلوب تُرمّم، شرايين يُعاد بناؤها، خلايا تُعاد برمجتها، وتقنيات تُضاعف قدرات الأطباء، آخرها ما حدث في مدينة الرياض..

مريض كان الموت إليه أقرب من حبل الوريد، تدخل جراحي معقّد منحه فرصة لحياة أطول وأسعد..

من باب علم الطب الواسع والتكنولوجيا المتقدّمة، استطاع مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث إجراء عملية جراحية نادرة لمريض لديه تمدد وعائي فطري متمزق في الشريان الأورطي الصدري، أعادوا بناء جدار الشريان المضروب، وتعزيز فرص التئام المنطقة المصابة واستقرارها، بطُعم بيولوجي مشتق من غشاء التامور البقري، الذي يملك مقاومة أكبر للبكتيريا ويتوافق حيوياً مع أنسجة الجسم، وعاش المريض.تقنية من عشرات الحلول لإطالة عمر الإنسان باركتها الرؤية القديرة وحفّزت الوصول إليها، ومكّنت بوصلة الرعاية الصحية من تغيّر اتجاهها من علاج المرض إلى الحفاظ على الصحة.

هذا إنجاز يضاف إلى غيره من الإنجازات، مثل الجراحات المعقدة وعلاج الأورام وزراعة الأعضاء وسبر أعماق الدماغ وتقدّم علم الجينوم السعودي واستخدام الذكاء الاصطناعي لعصر الطب الاستباقي لقدرته على التنبؤ بالمرض قبل حدوثه واستخدام الجراحة الروبوتية وغرس مضخات القلب الصناعية.

وتأكيداً لدور الرياض المميز يستضيف «التخصصي» قمّة التعاون العالمية في الجراحة الروبوتية، لدعم تطوير الممارسات الجراحية المتقدمة، بمشاركة نخبة من الخبراء والممارسين من دول العالم؛ لمناقشة آخر مستجدات جراحات القولون والمستقيم والجهاز الهضمي العلوي وترميم جدار البطن وجراحات الكبد والبنكرياس والقنوات الصفراوية وزراعة الأعضاء وجراحات السمنة بتقنيات متقدمة لصالح الإنسانية وسعادتها..

خطوات ممهورة بحب الوطن وتحقيق حلم القيادة منذ المؤسس وحتى يومنا المشرق وغدُنا الأجمل محورها صحة الإنسان وعافيته حققها «التخصصي»، وهو يمضى بثبات وقوة نحو عامه الخمسين برعاية القيادة ودعمها وتحت مظلة الرؤية المباركة.

مشروع وطني لتأسيس حياةٍ أكثر جودة، وأكثر رفاهية، قاعدتها الإنسان هو الغاية، والعلم هو الجسر لحياةٍ أطول، وأقوى، وأجمل.

رؤية التخصصي، التي بناها ملك ورعتها أيدي ملوك ليست شعارات، بل واقع يُبنى بنجاحٍ يتلوه نجاح، وأن طريق الغد يبدأ من عافية الإنسان، من وعيه، ومن قدرته على أن يعيش حياته بأعلى مستويات الاطمئنان.

منظومة تخصيصية ترى في كل إنجازٍ طبي رسالةً، وفي كل شفاءٍ انتصاراً، وفي كل عمرٍ يُمدّ لحظةً تستحق الاحتفاء.

العلم يواصل دوره الأعظم والسعودية تحتضنه، تدعمه، وتمنحه فضاءً ليزهر.

ونحن في قلب هذا الزخم نمضي نحو غدٍ أكثر صحة، وسعادة، وأكثر امتلاءً بالحياة.

نبارك لمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث عيده الخمسين، وهو يمضى نحو مستقبل طبي عظيم محقّقاً رؤية وطن وحلم شعب.

00:07 | 1-12-2025

مسير الشمس.. خطاب الأمل في زمن العتمة..!

الأمل، ذاك الخيط الرفيع الذي يتدلى من السماء، يمسك به الإنسان في لحظات العتمة، فيتعلق به كما يتعلق الغريق بخشبة نجاة.

هو ليس مجرد شعور عابر، بل هو سرّ الحياة نفسها، والنور الذي يتسلل عبر شقوق الجدار مهما طال الليل.

الأمل ليس فكرة عابرة ولا وهجاً قصير العمر، بل هو النبض الذي يُبقي القلب حيّاً حين يطول الصمت، وهو الزهرة التي تنمو على أطراف الصخر لتعلن أن الحياة أقوى من كل انكسار.

الأمل أن تصدّق أن الشمس، مهما غابت، عائدة من جديد، وأن العمر مهما شاخت أيامه، سيزهر في ربيع آخر.

هكذا غنّت نجاة الصغيرة، بصوتها الموشّى بالشجن، وصوتها المضمّخ بالحنين، فأيقظت في الأرواح عطشاً للضياء، وكأنها تحمل وجدان الإنسانية كلها في حنجرتها.

كلمات الأبنودي انسكبت من صوتها كجدول رقراق، لتصبح الأغنية أكثر من لحن، بل مرآة لروح تتشبث بالضياء بعد العواصف كابتهال معلّق بين السماء والأرض، ترتله نجاة كما لو أنها تبث وجع المحبين جميعاً،

تسكب في قلوبهم وعداً لا يخلف.

«مسير الشمس من تاني. تنوّر فوق سنين عمري. وتصبح غنوتي تاني من تاني وترجع فرحتي في صدري وبكرة وردتي تطرح فى يوم ما تعود مع النسمة»

الأمل في قصيدة الأبنودي ليس مجرد انتظار سلبي لحبيب غائب، بل هو ثورة داخلية ضد اليأس والإحباط وقهر الانتظار.

نجاة الصغيرة، بصوتها الحالم، جعلت من الانتظار سفراً روحانياً، ومشواراً ممتداً على جسر من الصبر.

كأنها تقول إن الله يعوّض العاشق، ويعيد للأرواح المرهقة فرحتها في اللحظة التي لا يتوقعها القلب، ولهذا تردد بصدق:

«وبكرة وردتي تطرح... في يوم ما تعود مع النسمة حبيبي بكرة راح أفرح وأتعجب على القسمة».

وللأمل وجوه متعددة هو رجاء المحب في لقاء من ابتعد، وهو يقين المظلوم بعدل الله، وهو انتظار الفجر بعد الليل.

قد يطول غياب الغائب، وقد يثقل الهم الروح ويُرهق الخطوات، لكن هناك يقين داخلي يهمس:

«سنة سنتين تغيب عني... لكن تهرب من الشوق فين. وأنا لو ناري تتعبني. راح أتحمّل سنة واتنين».

فلسفة عميقة تؤكد أن عدل الله أكبر من قسمة البشر، وأن ما يظنه الإنسان خسارة قد يكون بداية لرحمة، وما يبدو ظلاماً قد يكون تمهيداً لشروق جديد.

«لحد ما ترجع الأيام. عليها شمس مش بتنام».

أحسنت نجاة وهي تحرك الخواطر بهذا المزج البديع بين الحزن والأمل، بين الانكسار والنهضة، حتى أصبح صوتها هو صوت الحب نفسه،

وأصبح العاشق يشعر أن الصبر ليس مرارة، بل هو درب مُعطّر باليقين، فالانتظار ليس مجرد وقت ضائع بل هو رحلة إيمان، ففي كل غياب بذرة حضور، وفي كل جرح وعدٌ بالشفاء، وفي كل دمعة غيثٌ من الرجاء.

فالأمل، ليس وعداً بغدٍ وردي فقط، بل هو إيمان بأن العطاء الإلهي أوسع من حدود العيون، وأن التعجّب من القسمة لا يعني رفضها، بل إدراك أن وراءها حكمة لا تُدرك إلا حين يسكب الربيع الأخضر نوره في القلب

فالأمل ليس وعداً مؤجلاً، بل هو حياة تُعاش، وقوة تنبض في العروق، وجسر من نور يمتد بين قلبٍ متعب وغدٍ لم يأت بعد.

«ومسير الحب حيجيبك».

00:15 | 27-11-2025

ولي العهد في واشنطن.. زانت وازدانت

لو أنّ لموازين العلاقات بين الدول من نموذج تضبط به مخرجات الزيارات الرسمية على ميسم الفائدة المشتركة، وتقاس به مترتباتها الآنية والمستقبلية،

لكانت زيارة ولي العهد الأمير محمد إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، هي النموذج الأنصع والأكثر جلاء في الترتيبات والمخرجات، والغاية التي يتطلع إليها كل زعيم يزور البيت الأبيض.

فأي سؤدد تركت هذه الزيارة لغيرها وأيّ فخار مسّت به سماك المعالي، وأيّ ثمار ملأت بها السلال النواضح بالخير والبشر المنتظر.

ولو أنّ الجميع نطقوا بلسان العربية المبين، واستلهموا من العرب حكمتها في مثلها السيّار«كُلُّ الصَّيْدِ في جوف الفَرا»، لكان ذلك أبلغ وصف لتلك الزيارة الميمونة، التي لم تترك خلفها من فخار يحاز، وسؤدد يرتجي، ونجاح ينتظر..

فما عسى مقال عابر، منسوج من مغزل بضع كلمات، مهما بلغ من الحذاقة والتجويد، أن يحيط بكل تلك الثمار التي جاءت قطافاً جنياً من زيارة تركت دويّها في سمع العالم أجمع، وأدارت البوصلة باتجاه الرياض وواشنطن على بعد المسافة جغرافياً وقربها بواقع الحال، وتطابق الرؤى، وتغليب المصالح المشتركة خدمة لرفاهية شعبين في بلدين صديقين.

كان القطاف كثيراً ومتنوّعاً، بحيث أوقفني «موقف الدهشة» والإعجاب والحيرة، تماماً كما وقف «خراش» في موقف العجز حين صاح ينادي:

تَكاثَرَتِ الظِّبَاءُ على خِرَاشٍ

فَما يَدْري خِرَاشٌ ما يَصِيدُ

نعم تكاثرت عليَّ «ظباء» الزيارة، وقد بدت ملامح هيبتها، ومظاهر تقديرها، وحِليات أبهتها تلوح، وتشير إلى التقدير الكبير الذي تحمله قيادة البيت الأبيض إلى «أمير الرؤية»، وقد جاءها زائر، فحق لها أن تزيد في الزينة ثريات، وفي الحفاوة ما تسعه قلوب الرضا من مشرق الابتسام، وصافي المطالع، ليتمظهر كل ذلك في اصطفاف الخيول السوداء على جانبي الطريق تصحب السيارة التي أقلّت أميرنا المحبوب إلى مدخل البيت الأبيض، حيث اصطفت فرق الموسيقى العسكرية في سمت من هيبة هي قرينة العظماء للعظماء، وعلى سجادة برتقالية اصطف وفود البلدين، بمشرق اللحظ، وباسط الإشراق.

أما الجو فقد حلّقت في فضائه الطائرات المقاتلة؛ ليشكّل كل ذلك، وغيره، لوحةً لعرض دبلوماسي بلغ الغاية من الاتقان، وقدّم صورة لماهية الزيارة الفريدة، ورسم ملامح نجاحها من قبل أن تبدأ بقية تفاصيلها المكتنزة بالوعود والمنجزات.

فلئن أخذت مني مظهر الحفاوة الباهر هذا المأخذ من الإعجاب، فما عساي أقول في الكلمات التي جاءت على لسان الرئيس الأمريكي ترمب في حقّ أميرنا المفدّى، ومبدع «رؤيتنا» القديرة، نثر عليه من قلائد الأوصاف ما هو قمين وجدير ومستحق لها، ورسّخ من ثوابت وأصول العلاقة بين البلدين الممتدة لقرن من الزمن وزيادة، على إيقاع حيوي جديد، ومسار مختلف في مساقي التنمية، ومنافذ الاستثمار والمنافع المشتركة، وما كان لترمب أن ينداح بهذه المحامد الوضيئة لو لم يجد من ولي العهد صورة قائدٍ فذٍّ طُلعةٍ، وحليف موثوق يعتمد عليه، وهمة تستشرف مستقبلها بوعي وإرادة وعزيمة واقتدار، فعلى هذا جاءت الكلمات كفاء الموقف، والمحامد نظير المحمود، والأوصاف مطابقة لسمو الموصوف بها حقّاً وصدقاً..

لست بصدد تعداد ما انتهت إليه هذه الزيارة المباركة من خيرات، فذلك مما يعمق ويزيد حيرة «خراش»، فـ«الظباء» كانت أكثر من قدرة الحصر، وأوسع من عاجل الإحصاء، وقد شملت، توقيع اتفاقية الدفاع الإستراتيجي، تأميناً عسكرياً فوق التأمين الذي يحوط المملكة أمناً، ويحرسها بعد الله على إيقاع الطمأنينة والهيبة، واتفاقية الشراكة الإستراتيجية للذكاء الاصطناعي،

والإعلان المشترك لاكتمال المفاوضات بشأن التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، فضلاً عن الاتفاق في التعاون لتأمين سلاسل إمدادات اليورانيوم والمعادن، وتسهيل الإجراءات لتسريع الاستثمارات السعودية، وترتيبات الشراكة المالية والاقتصادية، والترتيبات المتعلقة بالتعاون في قطاع الأسواق المالية، والاعتراف المتبادل بالمواصفات الفيدرالية الأمريكية لسلامة المركبات، بالإضافة إلى مذكرة تفاهم في مجال التعليم والتدريب

كل هذا وغيره كان من ثمار هذه الزيارة التاريخية، التي سيكتب التاريخ فصولها بأحرف من نور.

وكما كان متوقعاً فقد جسّد ولي العهد الأمين مكانة المملكة؛ بوصفها النقطة المركزية للقضايا العربية والإسلامية، ودورها الإستراتيجي الحاسم في كافة الملفات المتعلقات بها، وبالمحيط الإقليمي من حولها. احتل ملف السودان مكانه اللائق من الاهتمام في قلب الأمير محمد بن سلمان، وحرصه على إنهاء هذه الأزمة الإنسانية، بوقف الحرب في هذا البلد الشقيق، والتفاعل الكبير الذي أبداه الإخوة السودانيون، ومشاعر الامتنان للمملكة وقيادتها،

وأن يعود قوياً ومعافى من كل الأجندات التي ذهبت بريحه، ومزّقته، وانتهت به، وبشعبه إلى هذا الحال البائس.

شكراً لولي عهدنا الأمين وقد نهض بحاضر المملكة إلى مراقي المجد المنيف، وصعد بنا إلى سماك المعالي الباذخات، ورسم لنا ولأجيالنا القادمة صورة وطن لا يرضى بغير النجوم الزواهر قطافاً، ولا يقنع إلا بالمجد الفريد والشرف الأسمى، والمقدمة التي تليق به وتزدان..

ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى وطني السعودية.

00:07 | 24-11-2025

حين تتعرى العاطفة..!

كلما أخفقتُ في الحب... قلتُ هذا هو الحب.

جمله قالها محمود درويش موضحاً أن العلاقة بين الإنسان والحب ليست علاقة انتصار، بل علاقة جرح وتجربة.

فالفشل في العلاقة لا ينفي جوهر الحب، بل يكشفه؛ لأن الحقيقة العاطفية لا تتضح في النجاح، بل في الانكسار، فهي عاطفة معقدة تتجسّد في أشكال متعددة، تسخن وتبرد، تأتي وتذهب، إنه كذبتنا الصادقة، هو ليس فكرة، بل هو شيء له خمس حواس وأكثر. الحب مثل الريح، لا يمكنك رؤيته، لكن يمكنك الشعور به.

يربط درويش الحب بالصراع والمعاناة، حيث يقول أدرّب قلبي على الحب كي يسع الورد والشوك، وأن الحب قد يكون ضائعاً أو غائباً،

فالحب يعرّي الإنسان ويضعه أمام ضعفه، وهنا يبدأ الفهم الحقيقي للحب.

تتبدّى هذه الجملة الدرويشية كنافذة تُطلّ على الوجه السري للعاطفة، الوجه الذي لا يظهر إلا لمن عبروا الممرّات الضيقة للخذلان.

يتعامل درويش مع الفشل لا بوصفه نهاية، بل بوصفه مرآة تكشف أعماق التجربة؛ فالعشق في منظوره لا يكتمل إلا بعد أن يُكسر، مثل إناء يرى الإنسان شكله الحقيقي من خلال شرخه.

يتقدّم الحب في الوجدان الإنساني كقوة تُعيد ترتيب الداخل.

النجاح يمنحه نشوة عابرة، أما الإخفاق فيمنح الوعي، والحب الذي يترك ندبة هو الحب الذي يترك معنى. إذ يصبح الانكسار لحظة يتعرّف فيها الإنسان إلى هشاشته، ويكتشف أنه لم يكن يبحث عن الآخر فقط، بل عن نفسه التي تتخفّى بين طبقات الشوق والخوف والرغبة في البقاء.

درويش لا يمجّد الألم، بل يكشف وظيفته. فالفشل عنده عبور إلى معرفة أن الحب ليس وعداً بالخلاص، بل مواجهة.

لا أحد يخرج من تجربته العاطفية كما دخل إليها، فهي تُغيّره، تُعيد صياغته، تفتح منطقة داخل الروح لم يكن يدري أنها موجودة.

هنا يكتسب الإخفاق معناه، لا باعتباره سقوطاً، بل باعتباره بداية وعي جديد.

ويمضي النص الدرويشي مثل درس من دروس الحياة الكبرى.

الإخفاق لا يطرد الحب خارج القلب، بل يخلّصه من أوهامه.

يكشف له حجمه الحقيقي، ويمنحه القدرة على التمييز بين التعلق والرغبة، وبين الحاجة والامتلاء، بين الوهم وما يستحق أن يُحمل في الداخل

هنا يتحوّل الحب إلى مدرسة تُعلّم الإنسان أن جمال العاطفة لا يُقاس بما نكسبه، بل بما نتغيّره.

كل انكسار يفتح باباً جديداً للفهم، وكل خيبة تمنح عيناً أكثر صفاء وقدرة على قراءة العالم بلا زخارف ولا عتمات.

درويش يفتح أفقاً واسعاً لفلسفة العاطفة..

الحب ليس ملحمة منتصر، بل رحلة باحث. وكلما اشتدّ الانكسار، ازداد وضوح الطريق، واتسعت المسافة التي يتعرّى فيها القلب من توقعاته، ليلبس ثوباً من نور التجربة نفسها، لا من نتائجها.

ليس الحب ما نظن أننا نكسبه، بل ما نتعلمه عن أنفسنا بعد أن نخسر.

00:04 | 20-11-2025

ولي العهد في واشنطن.. الحدث الكبير..

تكتسب زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله-، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بعد غدٍ، أهمية بالغة، من حيث توقيتها، والنتائج المتوقعة منها، قياساً على المعطيات المتوفرة والمشاهدة على أرض الواقع.

فلو نظرنا إلى توقيت هذه الزيارة، نجد أنها تأتي في ظروف بالغة التعقيد؛ بحيث تتعدّى توقعات نتائجها حدود المملكة وعلاقتها الأزلية مع الولايات المتحدة، لتشمل بظلها المحيط العربي والإقليمي، وفي هذا ما يؤكد العمق الاستراتيجي، والمكانة القيادية للمملكة، وتصدرها للمشهد العالمي في حلّ جميع القضايا المتصلة بالشرق الأوسط عموماً، والقضايا العربية والإسلامية على وجه التخصيص.

وهو أمر من البدهي والمنطقي والحتمي أن يكون حاضراً في لقاء القمة بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي دونالد ترمب،

فثمة ملفات عربية وإقليمية كثيرة تتشارك وتتقاطع فيها الرؤى السعودية مع الأمريكية، ويتعاضدان في حلها، ويسعيان إلى ترتيبها على النحو الذي يفضي إلى حلول تُرسى قيم السلام والأمن في المنطقة، وتهيئ الظروف للتنمية والنمو والاستقرار، وعلى رأس هذه الملفات الصراع الدامي الذي يدور على الساحة السودانية، وما أفرزه من تداعيات إنسانية مأساوية، واشتراك المملكة مع الولايات المتحدة ضمن منظومة «الرباعية» في وضع ترتيبات لإنهاء هذا الصراع الكارثي، وحمل طرفي النزاع إلى إقرار هدنة إنسانية تكون نواة إلى اتفاق سلام ينهي هذه الحرب العبثية، ويوقف نزيف الدم السوداني، ويرسي دعائم الأمن والاستقرار.

وهناك أيضاً ملف قطاع غزة، وترتيب الأوضاع على خلفية الاتفاق الأخير، والعمل المشترك على تمكين حلّ الدولتين وترسية قواعده على أرض الواقع، بما يفضي إلى سلام دائم وتعايش على قاعدة الاحترام المتبادل وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته والعيش في دعة واطمئنان.

كما سيكون ملف إعمار سورية أيضاً على الطاولة، دفعاً نحو تقوية البنية التحتية المدمرة في هذا الوطن الشقيق، وتمكينه من تضميد جراحه، والعودة بشعبه إلى مسار التنمية والنهوض من جديد..

كل هذه الملفات وغيرها؛ لا شك ستكون حاضرة بقوة، مصاحبة لجوهر الزيارة والمتصل أساساً بكونها قمة استثمارية تجمع السعودية بأمريكا، امتداداً للأواصر الاقتصادية المتينة التي تجمع البلدين الصديقين، والتي أخذت بعداً مختلفاً في عهد الملك سلمان وولي عهده عرّاب «الرؤية»، فمع هذه الرؤية المباركة باتت العلاقات الاقتصادية السعودية – الأمريكية تأخذ أشكالاً وأنماطاً مختلفة، ولم تعد سجينة الصورة التقليدية المتوارثة في بلد ينتج النفط ويصدّره، وينتظر مستهلكات المنتج الأمريكي، دون أي مساهمة في الإنتاج بما لا يماثل قدراته وإمكاناته وما يتمتع به من موارد طبيعية، وقدرات بشرية، الأمر الذي نهضت به «الرؤية» بصورة أدهشت العالم أجمع، وغيّرت في زمن قياسي كثيراً من المفاهيم، وعدّلت ميزان الاقتصاد المحلي والإقليمي والعالمي بمعادلة الاشتراك والمساهمة، بمستوى تنافسي كبير، وباتت المملكة مع «الرؤية» رقماً لا يمكن تجاوزه في هذه المعادلة الاقتصادية والاستثمارية، على هذا فإن هذه القمة التي ستنعقد يوم بعد غدٍ الأربعاء 19 نوفمبر ستتجاوز في مخرجاتها كل التخرّصات التي ما فتئت تحصرها في الحصول على ترسانة السلاح، والحصول على أنظمة الدفاع الأمريكية المتقدمة، دون النظر إلى أبعد من ذلك، وأكثر أهمية.

نعم، ستظل مبيعات السلاح جزءاً مهماً من هذه القمة وغيرها، قياساً على تطوّر الولايات المتحدة في هذا الجانب الحيوي والمهم لسد حاجة المملكة في تأمين حدودها، وما يكفل تأمين المحيط الإقليمي بعامة وفق منظومة من الأسلحة وتقنياتها المتطورة القادرة على حسم أي تفلت أو بوادر زعزعة للمنطقة من أي جهة جاءت، لكن لن يكون ذلك هو المسار الأوحد في القمة الاستثمارية المرتقبة، فواقع المملكة مع «الرؤية» فتح نوافذ الاستثمار على أرض المملكة بصورة كبيرة، ولعل نظرة فاحصة لمخرجات النسخة التاسعة من مبادرة الاستثمار المستقبلي (FII9) التي جمعت أكثر قادة العالم نفوذاً في الرياض مؤخراً، تكشف للجميع المتغيرات الكبيرة والدراماتيكية التي شهدتها المملكة في عهدها الجديد، وما باتت تطرحه من حلول ومسارات تتجاوز اقتصادها المحلي والإقليمي إلى ما يخدم الإنسانية جمعاء، على قواعد الاستفادة المتبادلة بين الشعوب.

إن البشارات المحتملة من هذه القمة الاستثمارية تكاد نتائجها تتبدى واقعها معيشاً قبل انعقادها، من مظهر اللقاءات التحضيرية التي سبقتها، ولعل أبرزها ما صرّح به وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت عقب تواصله مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي ودعوته إلى زيادة استثماراته في الولايات المتحدة، وتعزيز النمو الاقتصادي، وبناء علاقات متينة في هذا الجانب، بما يعزز المنافع المتبادلة ويدعم فرص العمل في المملكة، ويسهم في توطين الصناعات وتنمية المحتوى المحلي ونمو الناتج المحلي..

كل هذا مفهوم ومتوقع، ويمكن قراءة النتائج المحتملة لهذه القمة بتأمل صورة العلاقات الاقتصادية السعودية الأمريكية بالأرقام في العام المنصر (2024)؛ فقد بلغ التبادل التجاري بين البلدين فيه (32) مليار دولار، وبلغت قيمة الصادرات السعودية (13) مليار دولار، في مقابل (19) مليار دولار من الواردات الأمريكية، فيما بلغ رصيد الاستثمارات الأمريكية المباشرة في المملكة (15.3) مليار دولار.

يمكن القول بكل ثقة؛ إن بوادر نجاح هذه القمة تتراءى في المشهد وتستقبل وتسبق ميعاد انعقادها، بما يحملنا على رفع سقف التوقعات ببشاراتها إلى أقصى ما يحتمله الفأل، وتسعه التوقعات الخضراء، فما سيعقبها لا شك سيغير كثيراً من المعادلات، وسيعيد ترتيب البيت العربي أولاً، ويمنح المملكة مزيداً من القدرة والمكانة على تحمل تبعات القيادة بمركزيتها الفاعلة، وقيادتها الراشدة، وشخصية الأمير محمد الجادة التي ترعى مصالح الوطن ومستقبله وأمنه

هذه زيارة ولى العهد الأمين الثانية لواشنطن بعد ثمانية أعوام مضت على زيارته الأولى لتضيف أبعاداً جديدة لعلاقة تعمّقت وتوطدت بالسياسة، والاقتصاد، والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.

حفظ الله أميرنا المبدع وبارك كل خطواته.

00:04 | 17-11-2025

أعطني حريتي أطلق يديّا!

يقول ألبير كامو «كلما كبرتُ بالعمر وجدت أنه من غير الممكن العيش إلا مع الذين يحرروننا، ويحبوننا حبًّا خفيف الحمل».

الحياة اليوم قاسية جدًا، مريرة جدًا، مرهقة جدًا، حتى نتحمل أيضًا عبودية جديدة آتية من الذي نحبه.

خلاصة وجودية كتبها كامو، فالعمر لا يُعلمنا فقط حقيقة الموت، بل أيضًا حقيقة الحب.

الحب ليس ثِقلاً إضافيًا يُقيّدنا، بل نسمة تترك لنا المجال لنكوّن أنفسنا في زمن مثقل بالضغوط، حيث الإنسان محاصر بهمومه، يغدو الحب الثقيل سجناً، مهما تجمّل بالعواطف.

علم النفس يميّز بين الحب التملكي الذي يستنزف الطاقة، والحب الداعم الذي يفتح مساحات من الحرية. وكامو، بروحه الرافضة لكل أشكال العبودية، يُذكّرنا أن الحب لا يكون حبًا حقًا إلا إذا حررنا من ثقل العالم، هو يضع إصبعه على موضعٍ خفيٍّ في النفس الإنسانية، بقوله «كلما كبرتُ بالعمر وجدت أنه من غير الممكن العيش إلا مع الذين يحرروننا، ويحبوننا حبًا خفيف الحمل»، ليست هذه الجملة تأملًا عاطفيًا عابرًا، بل وصية وجودية من فيلسوف عرف ثِقل العيش في عالمٍ يتآكل فيه المعنى بين اللامعقول والعبث.

كامو، الذي جعل من التمرّد فعلًا ضدّ العدم، كان يرى أن الحبّ هو التمرّد الأجمل، شريطة أن لا يتحوّل إلى قيدٍ جديد يربطنا بما يُثقلنا.

فالعمر حين يمضي، لا يُعلّمنا فقط كيف نودّع الآخرين، بل كيف نختار من نستبقيهم دون أن نخسر أنفسنا.

نكتشف أن كثيرًا مما كنّا نسمّيه حبًّا، لم يكن إلا استحواذًا بلُغة العاطفة، أو خوفًا من الوحدة متنكّرًا في ثوب الشغف.

إنّ الحبّ الذي يُرهقنا بالغيرة والشكّ والمراقبة، ليس حبًّا بل استعبادٌ عاطفيٌّ. الحبّ الحقيقيّ هو ذاك الذي يمنحنا جناحين لا سلاسل؛ حبٌّ يزرع فينا الطمأنينة لا الارتباك، ويوقظ فينا الرغبة في الحياة لا في التملك.

في زمننا هذا، تتكاثر الأعباء، ويُستهلك فيه الإنسان تحت الضغط اليوميّ والماديّ، فيغدو الحبّ الخفيف فضيلة نادرة.

خِفّته ليست في سطحيته، بل في عمقه الهادئ؛ في قدرته على منحنا مساحة تنفّس حين يضيق العالم.

فالعلاقة التي لا تتيح للمرء أن يكون ذاته، تتحوّل شيئًا فشيئًا إلى قيدٍ من حرير، ثم إلى عبودية طوعية باسم الحبّ.

يقول علم النفس العاطفي الحديث إنّ العلاقات السليمة تُبنى على التوازن بين الارتباط والاستقلال. فكلّ حبٍّ يحوّل الآخر إلى مرآة نرجسية أو أداة لإشباع الفراغ الداخلي، ينتهي إلى استنزاف الطرفين.

أمّا الحبّ الناضج، فهو ما يُبقي المسافة الجميلة بين «أنا» و«نحن»؛ مسافة الأوكسجين التي تتيح للروح أن تتنفّس دون خوفٍ من الفقد أو الحاجة إلى الهيمنة.

كامو، الذي قاوم العدم بالمعنى، والعبث بالكرامة، يذكّرنا أن أجمل أشكال المحبة هي تلك التي تُعيد إلينا خفّة الوجود.

فالحبّ الذي يُحرّرنا من قسوة العالم هو فعل مقاومة ضدّ الوحشية، وضدّ ابتلاع الذات في دوّامة الآخرين.

إنّنا لا نحتاج إلى من يُكمّلنا كما شاع في الأدبيات الرومانسية، بل إلى من يُذكّرنا بأننا مكتملون منذ البداية، وأنّ الحبّ ليس علاجًا للناقص فينا، بل احتفالٌ بما هو جميل في كياننا الإنساني.

يتجلّى درس كامو في عبارة واحدة: «لا تحبّ من يُطفئك باسم العاطفة، بل من يُضيئك باسم الحرية».

فمن يمنحك شعورًا بأنك تستطيع أن تكون كما أنت، دون تكلّف أو خوف، هو وحده يستحق أن تسميه حبًّيباً وما سواه، فليس سوى عبوديةٍ ناعمةٍ في ثوبٍ من الورد ينشف مع الأيام.

00:19 | 13-11-2025