أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/273.jpg?v=1763304641&w=220&q=100&f=webp

نجيب يماني

«الأخضر».. الطاسة الضائعة !

تستطيع أن تحلف بالمغلّظات من القسم أنّ منتخبنا الوطني هو الوحيد بين كافة المنتخبات الوطنية المتأهلة لنهائيات مونديال كأس العالم 2026؛ الذي يعيش حالة من التوهان، وفقدان البوصلة، بصورة تعدّت حالة «القلق» إلى «الرثاء» والخوف من كارثة وشيكة، و«فضيحة» مقبلة ستمحو آثار السمعة الطيبة التي تركها «الأخضر» في المونديال السابق؛ كونه الفريق الوحيد الذي استطاع الفوز على حامل اللقب (الأرجنتين)..

ففي الوقت الذي تنصرف فيه كل المنتخبات إلى وضع «اللمسات الأخيرة»، وخوض المباريات التجريبية في أيام الفيفا؛ للوقوف على جاهزية العناصر، وضبط إيقاع الخطط التي سيؤدي بها كل منتخب، حسب غايته من المونديال، وأهدافه التي يسعى إليها، في هذا الوقت الحاسم والحساس، تضرب سفينة «أخضرنا» في عباب التيه مع مديرها الفني هيرفي رينارد، فلا هو استقرّ على اختيار العناصر التي سيخوض بها المونديال ناهيك عن وضع ملامح التشكيلة الأساسية، ولا هو اختار الطريقة المثالية التي سيؤدي بها مبارياته الثلاث مع منتخبات إسبانيا، والأورواغوي والرأس الأخضر. وكل ما يقوم به الآن يكشف حقيقة أن رينارد «عاجز» كل العجز عن حل المعضلات التي تواجه الأخضر، وأن معالجاته تفتقد إلى الحس الزمني السليم، وأن ما يقوم به الآن يمثل «بدعة» في عالم التدريب، فهل رأيت في كافة المنتخبات المتأهلة للمونديال، وحتى غير المتأهلة، مديراً فنياً يجمع 50 لاعباً ويقسمهم إلى فئة (A)، وفئة (B)، ويبدأ في المداورة، فتصبح القائمة الأولى على أسماء، وتنتهي في المساء على أخرى، ويرسل آخرين إلى منازلهم، في نهج يكشف حجم الفوضى التي تضرب بأطنابها، ويزيد عليها بالاستبعاد دون أسباب، والاستدعاء دون مسوغات، وتبديل مراكز اللاعبين، وإشاعة حالة من الإحباط بينهم، كما ظهر ذلك جلياً في المباراة الودية التي خاضها الأخضر مؤخراً مع مصر وانتهت بهزيمة مذلة وبالأربعة، وما أعقب تلك المباراة الكارثية من معالجات وتصريحات، درج على تمريرها رينارد، وتكرارها بشكل ممجوج في كل مؤتمر صحفي يعقب هزيمة للأخضر، فإشاراته الدائمة إلى أن اللاعب السعودي لا يلعب دقائق كافية في مباريات الدوري بما يفقده حساسية المنافسة، توصيف صحيح في كثير من جوانبه، لكنه لا يعفيه مطلقاً من المسؤولية، ويظل السؤال المُلحّ يطارده: وماذا فعلت أنت بوصفك مديراً فنيّاً لمعالجة هذا الواقع؟ وقد هُيئت لك كل الظروف لذلك، ومن بينها تعطيل الدوري لأكثر من شهر، وخوض مباريات كأس العرب بالتشكيلة الأساسية خلافاً لبقية المنتخبات العربية الأخرى، وكانت الحصيلة مخيبة، بل لم تظهر أي جوانب تكتيكية أو ملامح أداء تكشف عن جهد فني، وخطط مرسومة، وإنما هو تجريب بلا هدى، وترقيع بلا تخطيط، والنتيجة هذه الحالة التي نعيشها اليوم.. ومهما تعلّق رينارد بحجة عدم مشاركة أكثر اللاعبين السعوديين بشكل أساسي في مباريات الدوري، فهذا القول حجة عليه، وليس داعماً لفرضياته، فمع هذا الشح الذي يشير إليه من مشاركة اللاعب السعودي، كان من المفترض أن تنحصر دائرة اختياره، وقد هيّأ له الدوري بهذه الصورة الأميز والأقدر على منافسة اللاعب الأجنبي والقادر على اقتحام التشكيلة، ولكننا رأينا في المقابل أنه توسع في الاختيار، وجاوز المعقول بهذا العدد الكبير، وهو صنيع كان سيكون مقبولاً لو أنه في بداية عمله، وأن في الوقت متسعاً يمتد لعامين أو عام على أقل تقدير، لكن أن يعالج الإشكال بهذه الطريقة ولم يبقَ لانطلاقة المونديال سوى أيام معدودات فلا وصف لذلك إلا أنه عمل يفتقر إلى الاحترافية، وأن «الطاسة ضائعة» بينه وبين اتحاد الكرة، الذي لم يحرّك ساكناً وهو يشهد هذا الانحدار وضياع هوية المنتخب السعودي، وقد كان يلزمه معالجة الواقع قبل زمن طويل خاصة أن الخبراء والنقّاد قد أشاروا بصريح القول إلى مواطن الخلل، وشخصوا العلل، ووضعوا الحلول الممكنة.. ولكن لا أحد يستجيب..!

والحال كذلك؛ فلا أقل من وضع حد لهذه المهزلة التي تطال «الأخضر» اليوم، وأول معالجة هي كف يد رينارد عن تدريب المنتخب، خاصة أن في الخاطر «غصّة» من مغادرته الأولى في وقت حرج، ولأسباب واهية، لم يحترم معها العقد بينه وبين اتحاد الكرة، ولم يكن متوقعاً أن يعود مرحّباً به لتدريب المنتخب وكأن شيئاً لم يكن، وحتى لو تغاضينا عن كل ذلك فما يقدمه اليوم لا يكشف عن جدية، ولا يظهر قدرة، بل على العكس، يحاول رينارد في كل مناسبة ترحيل التبعات على غيره، و«غسل» يديه مما حاق بالأخضر، وهو أمر كان لزاماً على اتحاد الكرة أن يلجمه، ويطالبه بالعمل عوضاً عن كثرة الانتقاد.. فلا أقل من إقالته فوراً وتكليف أحد العناصر الوطنية المشهود لها بالكفاءة لاستدراك ما يمكن استدراكه في ما تبقى من أيام.. كما أن الاتحاد السعودي مطالب بمراجعة شاملة لواقع الحال الذي نعيشه اليوم، وأولها تقييم تجربة الاحتراف بصورته الحالية، وأثر ذلك على أداء المنتخب الوطني، فليست الغاية أن تنجح الأندية ويفشل المنتخب، بل الغاية كل الغاية أن يكون نجاح الأندية هو العامل الأساسي الذي يفضي إلى تقوية أداء المنتخب في المحافل العالمية..

منذ 6 ساعات

المملكة في «مجموعة السبع».. أحلام «السداسي العربي»

حسنًا فعلت دول «مجموعة السبع» وهي تستضيف المملكة العربية السعودية، في اجتماعها في فرنسا الأسبوع المنصرم.

وهي الاستضافة الوحيدة لدولة خارج عضوية المجموعة، بما يعكس المكانة المتنامية للمملكة على الساحة الدولية ودورها الفاعل في الملفات السياسية والاقتصادية والطاقة، إلى جانب إسهاماتها في دعم الجهود الدولية وتعزيز الاستقرار العالمي؛ وقدرتها على توظيف هذه العلاقات والمكانة لصالح قضايا العرب جميعًا.

وتكمن أهمية المشاركة في ضوء ما تشهده المنطقة من حرب ماضية في الاتساع مع كل يوم يمر عليها،

وآخذة في التشظي بلا أفق لحل منطقي يجنّب المنطقة مزيدًا من الكوارث، وأفضت إلى حالة توشك أن تتقولب إلى حرب إقليمية لولا ما تفرضه دول مجلس التعاون على نفسها من ضبط للنفس، واحتمال للأذى الإيراني، تقديرًا لما يمكن أن تؤول إليه التداعيات، مكتفية بمبدأ الدفاع ورد الهجمات الصاروخية المتتالية، والاعتداءات المتكررة بالمسيّرات.

إن إشراك المملكة في اجتماعات مجموعة السبع يأتي منسجمًا ومنطقيًا، واستجابة لدعوتها المستمرة بأهمية إشراكها ودول مجلس التعاون الخليجي في المحادثات مع الجانب الإيراني، وربط ذلك بفرص نجاح المحادثات، وهي عين ما ظلت تنادي به المملكة حتى قبل وقوع الحرب، لكونها الأقدر والأكثر معرفة بهذا الملف، والأكثر تأثيرًا بتداعياته. كان حضور المملكة هذه الجلسات وهي تفتح ملف إيران بالتشخيص والمعالجة المتجاوزة للبيانات الباردة، والدعوات الرخوة التي لا تطفئ حريقًا، ولا توقف كارثة، فكانت مشاركة وزير الخارجية فاعلة بخاصة في جلستَي «التهديدات العابرة للحدود والسيادة» بما اشتملت عليه من نقاش حول التهديدات الدولية، وتنسيق سرعة الاستجابة حيالها، فضلًا عن ضرورة تعزيز أمن الملاحة والموانئ، والجريمة العابرة للحدود، وسلاسل إمداد المعادن الحيوية.

بجانب الحضور الفاعل في جلسة «إصلاح الحوكمة العالمية» التي ناقشت المبادرات الدولية لتحسين كفاءة منظمات الأمم المتحدة، وتعزيز العمل الإنساني لتحسين سلاسل الإمداد، وتسريع إيصال المساعدات ورفع مستوى التنسيق بين الدول..

هذه المشاركة سيكون لها أثرها المنظور على أرض الواقع، بالنظر إلى ما انتهى إليه وزراء خارجية كل من كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، إلى جانب كبير دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي من تأكيد حاسم وقاطع ومبشّر مفاده أنهم «يدعمون شركاءهم في المنطقة في مواجهة الهجمات غير المبررة من النظام الإيراني وقواته الوكيلة»، كما أدانوا الهجمات التي تشنّها طهران ضد المدنيين والبنية التحتية المدنية، ومنشآت الطاقة.

الخلاصة التي انتهت إليها مجموعة السبع تنسجم تماماً، وتتسق مع موقف «السداسي العربي» السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والأردن، وفقًا لبيانها المشترك الأربعاء الماضي إثر الاعتداءات التي شنّتها فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران على دول في المنطقة ومنشآتها وبنيتها التحتية، والتحذير المستمر من توسيع دائرتها، ودخول أطراف إقليمية في أتونها بالوكالة عن إيران، حيث «شدّدت الدول الست على حقها الكامل والأصيل في الدفاع عن النفس إزاء هذه الهجمات الإجرامية، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة، الذي يكفل حق الدفاع عن النفس للدول فرديًا وجماعيًا في حال تعرضها للعدوان».

إن حالة ضبط النفس التي تحلت بها دول مجلس التعاون، والمملكة الأردنية، في هذه الحرب، يجب أن لا يفهم على أنها ضعف وعجز عن الرد، ولكنها تقدير وحكمة تفوّت على الطائشين والحمقى، ومسعّري الحروب، وموقدي نار الفتن، إما بالأصالة أو الوكالة، وكلا الموقفين لهما علاجهما الناجع سواء على المستوى القريب أو البعيد بما يرتب فوضى المنطقة ويعيد إليها الأمن والسلم بشكل مستمر..

إن دخول الميليشيا العراقية المنفلتة الحرب سيكون له أثره على أمن المنطقة، وسيؤثر على علاقة العراق بالمملكة ودول مجلس التعاون، بما يتطلب من الحكومة العراقية تحرّكًا واعيًا، لكبح جماح هذه الفئة المتفلتة، وقمع فتنتها بأسرع ما يمكن، وبشكل حاسم وباتر، بخاصة وأنها تنتهج ذات النهج الذي تمارسه إيران من استهداف للأعيان المدنية في دول مجلس التعاون، ادعاء لا ينهض على ساق، ولا يشتد على قوائم، مع كل استهداف ينال من الأعيان المدنية، والمنشآت الحيوية في دول الخليج بلا استثناء.

وتكفي فقط الإشارة لمحًا للحصيلة الإحصائية المسنودة بالبيانات الرسمية الموثقة أن إيران أطلقت حتى مساء الأربعاء الماضي (4391) صاروخًا ومسيّرة على دول الخليج العربية، مستهدفة المنشآت الحيوية والأعيان المدنية، فيما أطلقت (930) صاروخًا ومسيّرة على إسرائيل، أي ما يعادل 17% من مجمل الهجمات، بما يكشف بجلاء ووضوح أن المستهدف ليس إسرائيل، وإنما دول الخليج، وأن الهجمات على إسرائيل لا تتعدى كونها «رسائل» تغذّي بها المنفعلين والحمقى والسفلة والمغفلين ممن يرون فيها سندًا للقضية الفلسطينية، وواقع الحال غير ذلك على الإطلاق.

إن حالة ضبط النفس التي ينتهجها «السداسي العربي» تمثل أقصى درجات الحكمة والعقل، وهي حالة تتجاوز منظور «الضعف» الذي يتصوّره المنفعلون وقصيرو النظر، إلى أفق لا ينظرون إليه الآن، وسيدركونه عمّا قريب، حين تمتد يد البتر الحاسم، وتنبسط رؤى التغيير بما يعيد التوازن، ويجتث شأفة الأحلام غير المنضبطة، والمغامرات التي تقودها العقول المفخخة.

00:09 | 30-03-2026

المتنبي.. بهاء القلب عندما يهزم الكبرياء

«أرَقٌ عَلى أرَقٍ وَمِثْلي يَأرَقُ

وَجَوى يَزيدُ وَعَبْرَةٌ تَتَرَقْرَقُ

وَعَذَلْتُ أهْلَ العِشْقِ حتى ذُقْتُهُ

فعجبتُ كيفَ يَموتُ مَن لا يَعشَقُ»

«لِعَيْنَيْكِ ما يَلقَى الفُؤادُ وَما لَقي

وَلِلْحُبِّ ما لم يَبْقَ مِنِّي وما بَقِي

وَما كُنْتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قَلْبَهُ

وَلَكِنَّ مَنْ يُبْصِرْ جُفُونَكِ يَعْشَقِ»

أبيات ليست غزلاً عابراً، بل سيرة داخلية لروحٍ جُرِّدت من ترف الادّعاء، وأُلقُي بها في قلب التجربة حتى النهاية.

المتنبي هنا لا يكتب عن الحب بوصفه موضوعاً شعرياً، بل بوصفه امتحاناً وجودياً يعيد تشكيل الإنسان من الداخل، ويكشف هشاشته مهما بدا متماسكاً أو متعالياً.

يصور النص حالة أرقٍ مركّب، أرق فوق أرق، وكأن السهر لم يعد عرضاً بل طبيعة ثانية. الأرق ليس اضطراب نوم، بل اضطراب كيان. الجوى يتكاثر، والدمعة لا تسقط بل تتردد، تتكوّن، تترقرق، إشارة إلى حزن لا يكتمل لأنه لا يجد منفذاً للخلاص.

المتنبي يضعنا منذ السطر الأول أمام إنسانٍ مأخوذ بالكامل، لا يملك حتى رفاهية الانهيار الكامل.

ثم ينتقل إلى وصف الصبابة بوصفها جهداً مستمراً، كأن الحب عمل شاق لا عطية سهلة. عين مسهدة وقلب يخفق؛ جسدٌ لا يهدأ، وروح لا تستقر.

الصورة هنا شديدة التماسك السهد والخفقان إيقاعان متوازيان، أحدهما ظاهر والآخر خفي، وكلاهما شاهد على استبداد العاطفة.

الكون كله يتحوّل إلى مرآة لهذا الوجع. البرق، الطائر، الأصوات العابرة، الإشارات الصغيرة، كلها تستدعي الفؤاد الشائق.

الحب عند المتنبي عدسة تغيّر زاوية الرؤية، فلا يعود العالم محايداً، بل متورطاً. كل شيء يذكّر، وكل حركة توقظ الشوق.

ثم تأتي نار الهوى التي تفوق جمرة غضا حرارتها لا تنطفئ

المقارنة ليست بلاغية فقط، بل فلسفية.

نار العشق لا تنطفئ لأنها لا تحرق الجسد وحده، بل تستوطن المعنى.

إنها نار لا تُرى آثارها، لكنها تستمر لأنها تغذي نفسها بنفسها.

التحوّل الأهم يظهر في الاعتراف.

المتنبي الذي عذل العشّاق، ووقف يوماً في صف العقل المتعالي، يجد نفسه مضطراً إلى الاعتذار.

التجربة تُسقط الأحكام المسبقة، لا يعود العاشق ضعيفاً، بل يصبح الإنسان الوحيد الذي اختبر الحياة بعمقها الحقيقي.

ومن لم يعشق، لم يعش، هكذا يُعاد تعريف الوجود.

الحب لا ينفصل عن القلق الوجودي، عن الإحساس بعدم الاستقرار، عن الخوف الدائم من الفقد حتى وسط القرب، يعمق هذا المعنى والمسار قسماً عاطفياً للمتنبي «لِعَيْنَيْكِ ما يَلقَى الفُؤادُ وَما لَقي» يختزل المأساة فما يلقاه الفؤاد يفوق الوصف.

الحب استنزاف، يأخذ مما بقي ويترك ما لا يُحتمل.

مُقراً بأن العشق لم يكن طبعه، لكنه استسلام قسري أمام سحر النظرة. الجفون هنا ليست عضواً، بل سلاح ناعم يهزم الحصون كلها.

يتأرجح النص بين الرضا والسخط، القرب والنوى، وتظهر المساحة الرمادية التي يسكنها العاشق الحقيقي. ليس سعيداً تماماً، ولا شقياً بالكامل. الدمع يجد مجاله الطبيعي هناك، بين الاحتمالين، حيث لا يقين ولا خلاص.

أجمل ما في هذا العشق أن المتنبي لا يقدّم الحب بوصفه وصالاً مضموناً، بل شكّاً جميلاً. لذة العشق كامنة في التردد، في الخوف، في الرجاء المؤجل. الوصل التام الذي ينهي القصة، أما الشك فيُبقِي النار متقدة، والروح تتشوق

هذه النصوص تكشف متنبئاً آخر، أقل صخباً وأكثر صدقاً.

شاعر خلع درعه، وسمح للجرح أن يتكلم. غزلٌ لا يغازل الجسد فقط، بل يعرّي النفس، ويؤكد أن العظمة الحقيقية لا تظهر في السيطرة، بل في القدرة على الاعتراف بالهزيمة أمام الحب.

00:05 | 26-03-2026

وطني.. ميزان الحكمة في زمن الاضطراب

لن تجد غير الأزمات والشدائد من مختبر حقيقي، وميدان صريح، ومحك جلي، ومصفاة ناعمة ودقيقة، تكشف عن معادن الحكمة، وبعد النظر، وسداد البصيرة، واتساع الأفق، حين يعبر من تمر به عبور وعي، ويضع لها الحلول النواجع، والآراء المواضي، والمعالجات الحكيمة.

هذا ما نلمسه اليوم، ونحن نعيش وسط ظروف الحرب؛ التي فرضت علينا، مسيّرات وصواريخ إيرانية تصل إلى مدن المملكة وقودها الحقد الأعمى الذي دأبت عليه إيران، وهو عمل جبان لأنها تعرف تماماً أن المملكة لم تضع مجالها الجوي لخدمة الهجمات الأمريكية والإسرائيلية ضدها، ورغم ما تقوم به إيران يومياً ننعم بالأمن والأمان وحياة مستقرة مستمرة.

نستيقظ آمنين مطمئنين؛ أسواق تعمل وأعمال لا تتوقف، وإمداد نفطي واقتصاد قوي لا ينقطع. لا ارتباك في المشهد، ولا اضطراب في نسق الحياة.

قلوب تدعو للوطن وتلتف حول قيادته، تمنحها الحب، وتجني منها المحبة.

نبرهن للعالم، في كل أزمة تمر بنا، أنّنا أمّة قادرة على تجاوز أزماتها بحكمة وقوة، وأن سيادة الوطن وأمنه ليست قولاً مرسلًا؛ فحدودنا عصيّة، وأجواؤنا محمية، ننام في كنف رجال لا ينامون، وولي عهد أمين يدير المعركة بكل حكمة واتزان.

فالأحداث الكبرى تكشف معادن الدول، وتُظهر أي القيادات تمتلك رؤية الدولة، وأيّها يتحرك بدافع الانفعال.

عاشت منطقتنا حالة توتر عميق بعد التطورات المرتبطة بالصراع مع إيران، وسط ضغوط دولية متشابكة ومخاوف من اتساع دائرة المواجهة.

وسط هذا المناخ القلق، برز موقف المملكة العربية السعودية بوصفه نموذجًا للدولة التي تدير الأزمات بعقلٍ استراتيجي، واتزان سياسي نادر.

المشهد الذي تشكّل خلال فترة قصيرة يكشف سلسلة من المبادرات، التي لا يمكن قراءتها بوصفها خطوات منفصلة، بل باعتبارها تعبيرًا عن فلسفة سياسية متكاملة، تقوم على تثبيت الاستقرار الإقليمي، ومنع الانزلاق إلى الفوضى.

قرار المملكة فتح مطاراتها وموانئها وقدراتها اللوجستية أمام الأشقاء حمل دلالات كبيرة. استفادت دول الكويت وقطر والبحرين والعراق لضمان استمرار حركة السفر والشحن والإمدادات التجارية والتموينية دون تعطّل.

خطوة لم تكن مجرد إجراء تقني؛ بل رسالة واضحة تؤكد أن منظومة الخليج ما زالت قائمة على مبدأ التضامن الحقيقي، وأن البنية التحتية السعودية تمثّل عمودًا فقريًا للاستقرار الاقتصادي في المنطقة.

الموقف السعودي لم يتوقف عند حدود الخليج.

العلاقات التاريخية مع باكستان شهدت تجسيدًا عمليًا للتضامن، عبر تقديم سفينتين لنقل النفط في لحظة صعبة واجهت فيها باكستان تحديات لوجستية تتعلق بإمدادات الطاقة.

هذا النوع من الدعم يعبّر عن شراكة استراتيجية تتجاوز الحسابات الضيقة إلى فضاء أوسع من التعاون بين الدول الإسلامية.

المشهد ذاته يتجلى في جنوب الجزيرة العربية؛ فالدعم السعودي لمؤسسات الدولة في اليمن واصل مسيرته بشكل طبيعي، متضمّنًا المساندة المالية للمؤسسة العسكرية والمساهمة في استقرار الميزانية العامة، بما يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة الأمن الإقليمي. فاستقرار اليمن يشكّل جزءًا لا يتجزأ من استقرار الجزيرة العربية ، وأيّ خلل في مؤسساته يفتح الباب أمام فوضى تتجاوز حدوده الجغرافية.

جانب آخر لا يقل أهمية في قراءة الموقف السعودي يتمثل في الثبات السياسي وضبط الأعصاب. ضغوط متعددة مورست على المنطقة، مع تصاعد الاستفزازات المرتبطة بالصراع مع إيران.

القيادة السعودية اختارت طريق التعقل والتهدئة، ونجحت في تفويت الفرصة على كل من سعى إلى جر المنطقة إلى مواجهة واسعة لا تخدم مصالح الشعوب العربية.

هذه المقاربة تعكس خبرة سياسية تراكمت عبر عقود طويلة من إدارة التوازنات الإقليمية. دولة بحجم السعودية تدرك أن قوتها لا تكمن فقط في مواردها الاقتصادية أو قدراتها العسكرية، بل في قدرتها على حفظ التوازن ومنع الانهيارات الكبرى.

تاريخ المنطقة المعاصر يحمل شواهد عديدة على هذا الدور.

دعم الرياض للاستقرار الاقتصادي والسياسي في مصر، والمبادرات المتكررة للمساعدة في معالجة الأزمات في لبنان، والمساعدات الإنسانية والاقتصادية التي امتدت إلى السودان، جميعها تعكس حضورًا سعوديًا يقوم على فكرة أن استقرار العالم العربي مسؤولية مشتركة.

الواقع الإقليمي اليوم يثبت أن المنطقة تحتاج إلى دولٍ تملك القدرة على تهدئة العواصف بدل إشعالها.

السياسة الحكيمة لا تبحث عن الحروب، بل تعمل على منعها. القيادة التي تنجح في إخماد شرارة الصراع قبل أن تتحوّل إلى حريق شامل تؤدي دورًا تاريخيًا يتجاوز حدودها الوطنية، فما أصدق قول المتنبي:

وَوَضعُ النَدى في مَوضِعِ السَيفِ بِالعُلا

مُضِرٌّ كَوَضعِ السَيفِ في مَوضِعِ النَدى

وَلَكِن تَفوقُ الناسَ رَأيًا وَحِكمَةً

كَما فُقتَهُم حالاً وَنَفسًا وَمَحتِدا

فبمثل صدق القول في شخص الممدوح، تتسع الدائرة لتشمل الدولة والقيادة أيضًا لتشابه الحال، ومخرجات المآل الوضيء؛ فالسعودية اليوم تمارس هذا الدور بثقة وثبات.

حضورها السياسي يشكل أحد أهم عوامل التوازن في الشرق الأوسط، وأي قراءة منصفة للمشهد الإقليمي ستجد أن كثيرًا من الأزمات كان يمكن أن تتفاقم لولا هذا الصوت العاقل الذي يفضل الحكمة على المغامرة.

حب الناس وولاؤهم وما تفعله القيادة ليس مجرد عاطفة، بل إدراك عميق بأن استقرار هذه الدولة يمثل عنصرًا حاسمًا في استقرار العالمين العربي والإسلامي.

حفظ الله الوطن، الذي اختار طريق الحكمة في زمن يميل فيه العالم إلى الاندفاع، واستمرت في أداء دورها بوصفها ميزانًا للاستقرار في منطقة تضج بالصراعات.

00:05 | 23-03-2026

نصوم ولا نصون!

في التراث الإسلامي حكايات صغيرة في حجمها، عظيمة في دلالتها

يُروى عن الإمام أبو حنيفة، الفقيه الذي جمع بين عمق العلم وخفة الروح وحضور البديهة، أنه كان في مجلسه يلقي درسًا على طلابه، وقد استرخى قليلًا فمدّ رجليه لمرض فيها يشرح مسائل الفقه ويحلل دقائق الأحكام.

في تلك اللحظة دخل رجل شديد الأناقة، ظاهر الهيبة، تبدو عليه سيماء الوقار والهيئة الحسنة، فما إن رآه الإمام حتى جمع رجليه فورًا وعدّل جلسته تقديرًا لهيئة الرجل ومظهره، إذ ظنّ أنه من أهل العلم أو الفضل.

وواصل الإمام حديثه، بدأ يشرح مسألة الصيام، قائلاً إن الصوم لغة هو الإمساك والامتناع، وقد جاء هذا المعنى في القرآن الكريم على لسان السيدة مريم بنت عمران في قولها (إني نذرت للرحمن صومًا فلن أكلم اليوم إنسيًا).. أي امتنعت عن الكلام. ثم انتقل الإمام إلى التعريف الفقهي فقال الصيام شرعاً هو الامتناع عن شهوتَي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غياب الشمس بنية التعبّد لله.

كان الطلاب يصغون باهتمام، لكن الرجل الأنيق رفع إصبعه مستأذنًا بالكلام. أذن له الإمام بالسؤال، فتكلم الرجل بكل جدية وقال:

(وإذا لم تغرب الشمس؟).. ساد المجلس صمت قصير، ثم ابتسم الإمام ابتسامة خفيفة وقال عبارته التي أصبحت مثلًا «آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه».

أدرك الإمام أن الهيئة الأنيقة لا تعني بالضرورة عقلًا راجحًا أو فهمًا صحيحًا، وأن السؤال يكشف مستوى صاحبه أكثر مما تكشفه الملابس والهيئة، هذه الحكاية، تحمل معنى عميقًا في حياتنا.

فالناس كثيرًا ما ينخدعون بالمظاهر، بينما الحقيقة تسكن في الجوهر. وكذلك الحال في العبادات؛ قد يبدو الصيام في ظاهره صومًا كاملًا، لكن جوهره قد يكون فارغًا من روحه.

الصيام في اللغة كما ذكر الإمام هو الامتناع والكفّ، أما في الفقه فهو الامتناع عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

غير أن الشريعة لم ترد بهذا التعريف أن تختزل الصيام في حدود الجسد فقط، بل أرادت أن يكون الصوم تدريبًا شاملاً للنفس، مدرسة أخلاقية يتعلّم فيها الإنسان كيف يضبط شهواته ويهذّب سلوكه ويطهّر قلبه.

من هنا يتبيّن أن الصيام الحقيقي لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل يتجاوز ذلك إلى صيام اللسان عن الغيبة، وصيام القلب عن الحسد، وصيام اليد عن الأذى، وصيام العقل عن التفكير في الشر.

فالجوع والعطش ليسا المقصد النهائي، وإنما هما الوسيلة التي تذكّر الإنسان بضعفه وتعيد ترتيب علاقته بالله وبالناس.

لكن واقع كثير من الناس يكشف مفارقة مؤلمة، فكم من صائم يحصي دقائق الفجر ليمسك عن شربة ماء، لكنه لا يتردد في إطلاق لسانه في أعراض الناس، وكم من صائم يمتنع عن لقمة خبز، لكنه لا يمتنع عن النميمة وتدبير المكائد الصغيرة، وكم من صائم يتجنّب المفطرات بدقة شديدة، بينما يترك قلبه مرتعًا للحسد والضغائن.

هنا تظهر المفارقة التي تلخصها عبارة موجعة نصوم ولا نصون.

نصوم عن الطعام، لكننا لا نصون ألسنتنا عن الغيبة. نصوم عن الشراب، لكننا لا نصون قلوبنا عن الحسد. نصوم عن شهوة الجسد، لكننا لا نصون عقولنا عن الظنون السيئة ولا أيدينا عن ظلم الآخرين.

ولو تأملنا روح رمضان لوجدناه ليس شهر الامتناع فقط، بل شهر الامتلاء بالخير والمحبة وصلة الأرحام وتلين القلوب بالصدقات، وتُجبر الخواطر بكلمة طيبة أو يدٍ ممدودة بالعطاء.

في رمضان يصبح العفو أجمل، والتسامح أوسع، والرحمة أكثر حضورًا.

الصيام الذي يريده الله ليس تجربة جسدية مؤقتة، بل تحوّل أخلاقي عميق. الصائم الحق يخرج من رمضان إنسانًا أكثر صفاءً، أصدق لسانًا، وألين قلبًا.

فإذا انتهى الشهر وبقيت الخصومات كما هي، وبقيت الألسنة تلوك أعراض الناس، وبقيت القلوب مشبعة بالحسد، فذلك يعني أن الصيام توقف عند حدود الجوع ولم يبلغ غايته الكبرى.

وهكذا تعود إلينا حكمة الحكاية الأولى.

فكما أن الهيئة الأنيقة لم تكن دليلًا على الفهم الصحيح في مجلس أبو حنيفة، كذلك الامتناع عن الطعام ليس دليلًا كاملًا على تحقّق روح الصيام.

الصيام ليس أن نجوع فقط، بل أن نصون ألسنتنا من الأذى، وقلوبنا من الحسد، وأيامنا من الضياع.

من استطاع أن يجمع بين صوم الشهر والصون في ما بعده فقد أدرك سرّ هذه العبادة العظيمة، وتذوّق المعنى العميق الذي أراده الله من شهر رمضان.

تقبل الله صيامنا جميعًا وجعلنا نصوم ونصون..

عيدكم مبارك.

00:04 | 19-03-2026

فرحة العيد وهاجس الحرب!

في غدٍ حين تجوس المراصد في الأفق بحثاً عن هلال شوال، وتستشعر الأنفس فرحة غامرة بطلعة هلال العيد، وتتهيّأ كل الدور لاستقبال المهنئين والمباركين؛ سترتفع شمس الضحي مسنودة بالتكبير والتهليل والحمد، طاعة وإذعاناً واستجابة لأمر الخالق عز وجل (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، اكتملت العدة، وانقضت أيّام الصوم خفافاً، فهي بوصف خالقها (أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ) وها قد أذن مؤذن الفرح بالعيد السعيد.

عيد نستحلب له الفرح استحلاباً مهما عظمت الخطوب، وتكاثرت المحن والدواهي، فقد ضيّعت علينا هذه الحرب الدائرة الآن ما كنا نصرفه لأيّام وليالي رمضان المبارك من خشوع وطاعة وقربات نبتغي بها وجه الله، فإذا نحن نعيش واقعاً لم يمرّ علينا مثله من قبل، ونحن نترقب تداعيات هذه الحرب التى لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وإننا رغم ذلك نستشعر عظيم الفخر بقيادتنا الرشيدة وهي تدير ملف هذه الحرب بأقصى درجات الحكمة وضبط النفس، وتشحذ همم جنودنا البواسل للذود عن حياض الوطن، والحفاظ على مكتسباته وترفع من درجات الاستعداد والانتباه بحيث ترد كل «المسيّرات» والصواريخ التي يرسلها العدو باتجاه وطننا الأبي، فكان مصيرها جميعاً التصدّي الماحق، والتفجير قبل أن تبلغ أهدافها، وهو عدوان لا مبرر له مهما كانت الذرائع، فأرض المملكة لم تكن منطلقاً للصواريخ والمقذوفات التي استهدفت طهران، وسماء المملكة لم تكن فضاءً قطعته المسيّرات والصواريخ إلى إيران؛ وهذا ما ظلت قيادة المملكة، وكافة دول الخليج العربي تؤكد عليه، وتثبته بالدليل والبرهان، ورغم ذلك ظلت هدفاً للعدوان الإيراني الآثم، الذي أطالت له المملكة ودول الخليج حبل الصبر، رجاء أن تثوب ايران إلى رشدها، وتدرك أن توسيع دائرة الحرب عوضاً عن إيقافها بأعجل ما يكون ستكون له تداعيات خطيرة مع كل يوم تمضي فيه.

مع تباشير العيد مضطر إلى أن أغمس قلمي في مداد لا يخص الفرح والبهجة، بل هو مداد التوجّس، لأكتب؛ مستشعراً في الوقت نفسه قدرة قيادتنا وحكمتها على توفير الأمن والأمان لوطننا ومواطنيه والمقيمين فيه وزوّاره، فما كان أعظم هذه الأيام في ذاكرة مجتمعنا، وأيّام رمضان تؤذن بالرحيل، لتوقف الجميع بين إحساسين متباينين؛ إحساس بوحشة تعترى النفوس الخوالص، وقد أدت فرض الصيام كما ينبغي، صامت نهاراً احتساباً، وقامت ليلها تقرباً، ودعت ربها تضرعاً، وعقدت عزيمة وجدها ترقباً لليلة القدر، فما فترت لها عزيمة فى القربات، ولا ادخرت جهداً في الطاعات.. وبين إحساس الفرحة بمقبل البشرى، وفرحة العيد..

اقرأ ذلك في وجه أمي، كناية بها عن كل الأمّهات، وهي تحاول أن تعيد الزمن إلى الوراء، حيث الأشياء غير الأشياء، والأيّام غير الأيام، والأحباب قد مضوا وتركوا لها الحسرة، وطوائف الحزن الممض.. لكنها تمضي في دروب الحياة، وتكتّم الجراح، وتعلن الفرح استبشاراً بالغد المشرق وأن هذا الوطن أمّنه الله من خوف وسخّر له من يذود عنه ويحميه.

نعم؛ في غدٍ سترفع المراصد قرون استشعارها بحثاً عن هلال شوال، فإن أفلحت في ذاك فهو العيد قبل تمام الثلاثين؛ وإلا كان الإكمال، والفطر وجوباً بعدها، فإن تزيّت السماء بهلال شوال، فاقرن فرحتك بإدراك أن شهر الفطر قد سُمّي بشوال، حسب المصادر، لأنَّه «تسمَّى في فترة تشوَّلت فيها ألبانُ الإبل، والشَّول من الإبل: التي قد ارتَفعَتْ ألبانها، الواحدة شائل، واللواتي لقِحَتْ فرفعَتْ أذنابَها، والواحدة شائلة، قال الراجز:

كَأَنَّ فِي أَذْنَابِهِنَّ الشُّوَّلِ

مِنْ عَبَسِ الصَّيْفِ قُرُونَ الإِيَّلِ

واعلم كذلك أن الشَّولة: نجمٌ من نجوم السَّماء، ومنه اشتقاق شَوَّال؛ لأنَّه كان في أيَّام الصَّيفِ، شالَتْ فيه الإبلُ بأذنابها، فسُمِّي بذلك»..

فإن أدركت ذلك إدراك وعي؛ فخفّ سريعاً إلى منبع الفرحة، وخلِّ عنك سيرة الحرب، فاليوم يوم سرور وبهجة، ويوم سعادة واستبشار، فقد كانت لنا فيه ذكريات لن تمحوها الأيام، حين كنا صبية في أم القرى.

ألا ما أبرك تلك الأيام الخوالد في جوف الحنين المتلاف.

كل عام وقيادتنا الرشيدة، ووطننا الأبي، ونحن جميعاً بألف ألف خير. حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده الأمين محمد الخير وأدام علينا نعمة الأمن والأمان وما نحن فيه من خيرات ونعم.

00:10 | 16-03-2026

(لا)..!

يقول جان بول سارتر:

عندما تكتشف أنك تستطيع أن تقول (لا)، ستبدأ أول يوم في حياتك كإنسان حر.

(لا) ليست تمرداً عابراً، بل إعلان استقلال داخلي.

حين تقول (لا) لما يُفرض عليك، لما يستهلكك، فأنت تعترف بأن لك إرادة، وأنك مسؤول عن اختياراتك.

كثيرون يعيشون وفق توقعات الآخرين، فيؤجلون رغباتهم، ويصمتون حين يجب أن يعترضوا.

لكن لحظة الرفض الواعي تكشف لهم أنهم ليسوا مجرد امتداد لرغبات غيرهم.

القدرة على قول (لا) تعني حدوداً واضحة. والحدود ليست قسوة، بل حماية للذات، من دونها، يتآكل الشعور بالقيمة، ويتحوّل الإنسان إلى مجرد دور يؤديه.

يعتبر سارتر أن الحرية تبدأ من قرار بسيط ظاهرياً، عميق أثراً، أن تملك الشجاعة لرفض ما لا تريد.

الحرية الحقيقية أن تقول (لا) وفق قناعتك لتكتب اسمك بمداد الإرادة.

يضعنا الفيلسوف الفرنسي سارتر أمام كلمة صغيرة في حروفها، عظيمة في آثارها.

(لا) كلمة تبدو عابرة في التداول اليومي، لكنها في ميزان الوجود فعل تأسيسي، وولادة ثانية للإنسان.

القدرة على الرفض ليست نبرة اعتراض عاطفية، ولا نزوة تمرّدٍ على العادات، بل إعلان سيادةٍ داخلية، واستعادة لحقٍّ أصيل في توجيه البوصلة نحو ما ينسجم مع الذات.

الحرية في الرؤية الوجودية ليست هبة تُمنح، ولا امتيازاً يُنتزع من الآخرين، بل مسؤولية تُحمل كما تُحمل الأمانة الثقيلة.

الإنسان، كما يصوّره سارتر، مشروعٌ مفتوح، يتشكّل عبر اختياراته، ويتحدد بمواقفه، ويتحمّل تبعات قراراته.

كل (نعم) تُقال بغير اقتناع اقتطاعٌ من جوهره، وكل صمتٍ عن حقٍّ يُستباح خصمٌ من رصيده الأخلاقي.

لذلك تبدو (لا) في هذا السياق فعلاً أخلاقياً قبل أن تكون موقفاً اجتماعياً.

كثيرون يربّون أنفسهم على طاعةٍ ناعمة، خوفاً من خسارة القبول، أو رهبةً من مواجهة العيون المتفاجئة.

تتراكم المجاملات حتى تغدو قيوداً، وتتضخم التوقعات حتى تتحوّل إلى قفصٍ مُذهب.

يبتسم المرء وهو يتنازل، ويصافح وهو يتألم، ويوافق وهو يعلم أن الموافقة تشبه خيانةً صامتة لروحه.

هنا تتبدى المأساة.. حياةٌ تُدار بإرادات الآخرين، وشخصيةٌ تتآكل تحت ثقل الرغبات الدخيلة.

الرفض الواعي لا يعني قسوة الطبع ولا ضيق الأفق.

الحدود سياجٌ يحمي الحديقة الداخلية من الاجتياح، ويحفظ التوازن بين العطاء والاحتفاظ بالذات.

من دون حدود يتسع الاستنزاف، ويذبل الإحساس بالقيمة، ويتحوّل الإنسان إلى وظيفةٍ يؤديها، أو دورٍ يلبسه لإرضاء جمهورٍ متقلب.

أما من يملك شجاعة (لا)، فيرسم خطاً واضحاً بين ما يقبله وما يرفضه، بين ما يضيف إليه وما يسلبه صفاءه.

ثمة فارق دقيق بين الرفض الذي ينبع من خوف، والرفض الذي يصدر عن وعي.

الأول هروبٌ من مسؤولية الاختيار،

والثاني إقبالٌ عليها.

الوعي يُمحّص الدوافع، ويزن العواقب، ثم يختار بجرأة.

جرأة لا تتغذى على التحدي الأجوف، بل على إدراكٍ عميق بأن الكرامة تبدأ من احترام الرغبة الصادقة، وأن السلام الداخلي يتطلب اتساقاً بين القناعة والفعل.

الحرية التي يتحدث عنها سارتر قد تتجلى في موقفٍ هادئ، في اعتذارٍ مهذب عن مهمةٍ تُرهق الروح، في انسحابٍ كريم من علاقةٍ تستنزف المعنى، في رفضٍ صريحٍ لفكرةٍ تتعارض مع الضمير.

أفعالٌ صغيرة في ظاهرها، غير أنها تشبه مسامير تُثبّت هوية الإنسان، وتمنعها من الانزلاق مع تيار الإملاءات.

المجتمع بطبيعته يضغط باتجاه الامتثال؛ يمدح المنسجمين، ويشكّك في المختلفين، ويغري بالانضمام إلى القطيع.

غير أن التاريخ الفكري والإنساني حُفر بأظافر أولئك الذين قالوا «لا» في وجه السائد، ففتحوا نوافذ جديدة للمعنى.

كل نهضةٍ بدأت باعتراض، وكل إصلاحٍ وُلد من رفض، وكل كرامةٍ صينت بكلمةٍ وُضعت في موضعها الصحيح.

النضج الحقيقي لا يقاس بكمية ما نقبله، بل بصفاء ما نختاره.

(لا) التي تُقال في وقتها تحفظ طاقة الأعوام القادمة، وتمنح القلب خفةً لا يعرفها المساومون على ذواتهم. ومع كل رفضٍ واعٍ يتعزز الشعور بالمسؤولية، إذ لا مجال لإلقاء اللوم على الظروف أو الآخرين؛

الاختيار أصبح ملكاً خالصاً، وتبعاته تُحمل بوعيٍ وشرف.

تتبدى الحرية في أبسط صورها وأكثرها عمقاً أن يمتلك الإنسان شجاعة أن يرفض ما لا يشبهه، وأن يقف في صفّ قناعته ولو وحيداً، وأن يدرك أن الكلمة التي تخرج من فمه ترسم ملامح مصيره.

(لا) ليست نهاية علاقةٍ أو فكرة، بل بداية علاقةٍ أصدق مع الذات، وبداية سيرةٍ يكتبها صاحبها بإرادته، لا بإملاءات الآخرين.

00:16 | 12-03-2026

المملكة.. وتد الخيمة!

لا يحسبن أحد أننا حين نَسِمِّ قيادتنا بـ«الرشيدة» أن ذلك من باب المدح الزائف، أو التزويق اللغوي، أو المستهلك اللفظي العارض، أو هي لازمة نأتي بها بشكل عفوي وتلقائي، بغير حساب أو تقدير أو نظر يماثل معناها العميق المنطوي على خلال وصفات سنيّة وعلّية، منظورة في وفرة العقل، وسداد الرأي، وتغليب الحكمة، ونشدان الحق، وتحقيق العدالة، وغير ذلك مما تجمعه هذه الكلمة في طواياها، بل إننا حينما نقرنها بقيادتنا، فإننا ننظر إلى هذه المعاني مجتمعة ومنطبقة عليها، ومجسّدة في أفعالها وأقوالها وصنيعها، فمن قصرت همته عن مراجعة التاريخ، فلينظر صنيع هذه القيادة الرشيدة مع ما يجري من أحداث كارثية تشهدها المنطقة هذه الأيام، فما إن وقعت الواقعة حتى خفت قيادتنا وبادرت بالتقاط زمام المواجهة، متعالية على الخلافات، ومترفعة عن الصغائر، جامعة كلمة العرب عموماً، والخليجيين خاصة، في نسق واحد رافض ومستنكر وشاجب للعدوان السافر الذي أقدمت عليه ايران، واضعة ومسخّرة كافة إمكانياتها من أجل تضميد الجراح، فجاء توجيه القيادة الحكيمة، بالموافقة على استضافة جميع العالقين في مطارات السعودية من مواطني دول مجلس التعاون الخليجي، بجانب إعلان المملكة الذود عن كافة دول الخليج، قناعة راسخة أن أمن الخليج العربي كلٌّ لا يتجزّأ، وفق الاجتماع الاستثنائي للمجلس الوزاري لمجلس التعاون، والذي نص على أن «العدوان الإيراني غير مبرر»، وأن «دول المجلس ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة للذود عن أمنها واستقرارها وحماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها بما في ذلك خيار الرد على العدوان».

إن وصف العدوان الإيراني بغير المبرر تسنده كافة الوقائع على الأرض، بل إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبّر عن دهشته واستنكاره لهذا التصرّف غير المنطقي، والمجافي للحكمة، فادعاء إيران بأنها إنما تستهدف المصالح الأمريكية، كان من الممكن أن يجد شيئاً من «القبول»، لو أنها وجّهت ذات الاستهداف للمصالح الأمريكية في دول مثل تركيا، وباكستان، وأذربيجان، وهي على مرمى حجر منها، ولكن من الواضح أنها تتخذ من ذلك ذريعة مكشوفة النوايا، تخرج به ما في جوفها من ضغائن مستترة، وأحقاد ابتليت بها المنطقة. ولا تعدو أن تكون «ورقة توت» لا تستر عيوب هذا النظام البائس، والذي بات يلفظ أنفاسه الأخيرة، ولم يبقَ له إلا هذا «السعار» الكارثي الذي يرسله في عماء وحقد كيفما اتفق،

وما هو ببالغ غايته من زعزعة المنطقة، فقد باتت على قلب رجل واحد، وموقف نابذ ومستنكر لصنيعها، مسنودة بتأييد المجتمع الدولي كله دون استثناء.

إن مبدأ رد هذا العدوان الإيراني الآثم على المملكة ودول الخليج العربي وبعض الدول العربية تكفله كافة المواثيق، وتعضده المواثيق والأعراف والقوانين الدولية، وما «ضبط النفس» الذي تمارسه المملكة حيال كافة التجاوزات الخطيرة التي يقوم بها النظام الإيراني المحتضر؛ إلا من باب الحكمة، والنأي بالمنطقة من حرب إقليمية تسعى إيران إلى توسيع دائرتها ما أمكن، وتستفز الجميع لرد الفعل العاجل حتى تجد المبرر والذريعة لمزيد من الدمار الأعمى، والاستهداف الأخطل، وبالغاً ما بلغ «ضبط النفس» من تقدير وسعة وسماحة، فالذي لا شك فيه أن الأمور لن تكون كما كانت عليه قبل العدوان، فحق الرد قائم، وطرقه ووسائله ستحددها المملكة وفق تقديراتها السليمة، بمواقيتها المحسوبة بدقة، وبالصورة التي تضمن بسط الأمن الراسخ بأقل الكلفة الممكنة، وبصورة تضمن تقليل الخسائر إلى أدنى المستويات الممكنة، وبما يضمن شرقاً أوسطياً آمناً ومستقراً لا تنتاشه «صفوية» بغيضة، ولا تعكر صفوه طموحات آيديولوجية مفخخة من أي جهة صدرت، وبأي آلية تحرّكت.

إن السماح بتمدد الحرب خارج محيط إيران ستكون تبعاته وخيمة، وستلقي بظلالها الكثيفة على دول الخليج العربية بشكل مباشر ومؤثر، وهو ما تضعه المملكة ودول المجلس في حسبانها، وتحركها الواعي والمتزن، رغم عظم الاستفزاز من النظام الإيراني.

نثق كل الثقة في قيادتنا الرشيدة، ونقف معها في كل خطوة تخطوها، وهي تمضي بحكمة عالية في مسار الحل الأمثل لهذه الكارثة التي حلت بالمنطقة، مذكرة المجتمع الدولي، أن استقرار منطقة الخليج العربي ليس مسألة إقليمية فحسب؛ بل هو ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي والملاحة البحرية، بما يتوجّب عليه القيام بدوره المنظور، بما يؤسّس ويرسّخ مبادئ احترام القانون الدولي، والمواثيق الأممية المعروفة، فإن عجز المجتمع الدولي عن ذلك، وقصرت يده عن كف المعتدي، فللمملكة كلمتها النافذة وقتها، ولات حين مندم.

00:12 | 9-03-2026

خشيت على نفسي فذهبتُ إلى خديجة!

عبارة نبوية بسيطة، لكنها عميقة، صادقة. ليست جملة عابرة عن لحظة دهشة، بل مفتاح مدرسة كاملة اسمها الحب المحمّدي.

مدرسة لا تُدرَّس بالشعارات، بل تُفهم بالسلوك، ولا تُحفظ بالنصوص، بل تُعاش بالمواقف.

هنا يتجلّى النبي ﷺ إنساناً كامل الإنسانية، نبيّاً لا يتخفّى خلف مقامه، ولا يستعلي برسالته على مشاعره.

خوفه لم يُنقِص من نبوّته، وذهابه إلى خديجة لم يكن ضعفاً، بل ذروة القوة؛ قوة الاعتراف بالحاجة إلى السكن، وإلى القلب الذي يطمئن قبل العقل، علم أنها بحر عطاء وصحراء صبر، ينبغي احترامها وتقديرها.

من الدروس التى تعلمناها من مدرسة محمد العظيمة أن القبيلة الواسعة، والعشيرة القريبة، والحِمى الاجتماعي المعروف، كلّها لم تكن وجهته.

اختار خديجة، اختار القلب الذي يعرفه دون شرح، والروح التي تصدّقه دون برهان.

كأن الرسالة الصامتة تقول الحب الحقيقي ليس كثرة الأسماء ولا تعدد الأصول والفروع، بل اسم واحد يعرف طريقك دون دليل عنده الامان وفي حضنه المأوى.

ذلك الموقف يؤسّس لفهم مختلف للحب ليس ترفاً، ولا زينة جانبية للحياة، بل مأوى الرسالة نفسها.

خديجة كانت وطناً أخلاقياً، ومرفأ يقين، وشاهدة ميلاد النبوّة. صدّقته يوم كذّبه الناس، واحتوته ساعة ارتبك العالم حوله، فاستحقّت أن تُذكر مع الوحي، وأن تُخلّد مع الرسالة.

منح الله خديجة الحب ومنحته بدورها إلى محمد، فيَدَاها زمّلتاه عندما نادى زمّلوني، دثّرته بالحب والدفء والحنان، شجّعته بكلمات الحب والتقدير، والنبي ﷺ لم يخفِ هذا الفضل، ولم يُجمِّله بعبارات مجاملة.

قالها بوضوح العمر كلّه حبّ خديجة.

في قلبي ذكرها، بكى لفقدها، وتذكر فضلها، وكأن الوفاء عنده عبادة قلبية لا تقل قداسة عن الصلاة.

في مدرسة الحب المحمدية، الوفاء لا يسقط بالتقادم، ولا يُلغيه الزمن.

تُعلّمنا هذه المدرسة أن الرجولة ليست قسوة، ولا جفاف مشاعر، ولا ادّعاء صلابة زائفة.

الرجولة الحقّة شجاعة قلب، وقدرة على الاحتماء بالمحبّة دون خجل.

نبيّ الأمة لم يقل تماسكت وحدي، بل قال ذهبت إلى خديجة. بهذا الإعلان البسيط أعاد تعريف الرجولة، وحرّرها من أوهام الفحولة الجوفاء.

ثم يتّسع الدرس ليصير قانوناً إنسانياً، أعظم الرسالات تحتاج إلى دفء، وأثقل الأمانات لا تُحمل دون كتف رحيم.

وليس هناك كتف يتحمل وحضن يتسع وحنان يتدفق إلا عند خديجة وبنات جنسها.

الحب هنا ليس نزوة، بل شرط توازن، وسرّ استمرارية، وجسر عبور بين الخوف واليقين.

وهكذا تصبح مدرسة الحب عند الرسول الكريم منهاج حياة؛

حبّ لا يُلغِي العقل، ولا يُضعف الإيمان، بل يعمّقه.

حبّ يربط السماء بالأرض عبر إنسان صادق.

سلامٌ على نبيّ علّم البشرية أن الحب قيمة مؤسسية، وأن المرأة شريكة رسالة، وأن البيوت العظيمة تُبنى بالطمأنينة قبل الجدران.

في يومكن العالمى كنّ على قدر المسؤولية، وضعكن الإسلام في غرة سنامه، وأكرمكن الله ورسوله، أفرد لكّن سورة في كتابه العزيز وقال الله يفتيكم في النساء، فجعل حق الفتوى له وحده عز وجل فلا يزايد أحد عليكن.

اليوم فُتحت الأبواب الموصدة، وحُطمت الأقفال الصدئة، وهُدمت مصدات وضعت أمامكن في زمن أغبر لن يعود، أزاحته عنكن رؤية قديرة، في ما عُرف زوراً وبهتاناً بـ«الصحوة»، وما هي في حقيقتها إلا «كفوة» ألمّت، و«جفوة» قطعتنا عن حياتنا في مسارها الطبيعي، لتبلغن مع «الرؤية» مقاماً عليّاً تُحقّقن حلم وطن بحجم الشمس.

00:13 | 5-03-2026

السعودية ومصر.. هارموني التنسيق وتكامل الأدوار

في قصر السلام كان اللقاء الأخوي الكبير لتأكيد العلاقات الوثيقة والتاريخية بين مصر والسعودية والسبل الكفيلة بتطويرها في مختلف المجالات، وبحث عدد من الموضوعات العربية والإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

فعلاقات الشقيقين الكبيرين تمثل نموذجاً راسخاً للتكامل العربي والشراكة الإستراتيجية التي ترتكز على وحدة المصير وتطابق المصالح، وتملك تاريخاً طويلاً من التنسيق والتضامن في مواجهة كافة التحديات.

من المعلوم بالضرورة أن مقتضيات الزعامة، ومتطلبات القيادة لدى الأشخاص لا تقوم إلا بشروط ينيف بها صاحبها عن غيره، فيعلو بها ذكره، ويسمو بها قدره، ويستحق بها أن يُسوّد في قومه، ويقدّم في رهطه، تقديم تكليف بجدارة، وتشريف باستحقاق، وجماع ذلك كله في أمرين مهمين؛ أولهما تكامل الصفات الشخصية والمزايا بلا شبه تشينه، ولا ريب تحط من قدره، مع عقل وافر، وحكمة بالغة، وعزم ماضٍ، وشدةٍ منزوع عنها شوك الفظاظة، ولين مسلوب عنه خور الضعف وقلّة الحيلة، وغيرها مما هو معروف ومتوارث عن صفات الزعماء، ومزايا القياديين الأفذاذ.

وثانيهما القدرة المادية التي تعينه على النهوض بأعباء الرئاسة وتكاليف الزعامة، من صرف بلا بذخ، وتدبير لشؤون الغير على بساط المواددة والإيلاف وتضميد الجراح، والإعانة بغير منٍ ولا أذى ولا رياء أو سمعة.

فلئن كان ذلك منظور في زعامة الأشخاص، فهو ينطبق تمام الانطباق على الدول نفسها، بصورة أو أخرى، فلا تبلغ أي دولة مبلغ الريادة ما لم تكن مسنودة بقيادة راشدة حكيمة، لها من القدرة المادية والمالية ما يحمل قرارها إلى مناط التنفيذ الفوري، ويجعل يدها العليا، ويبقيها في مركز القوة بلا حاجة إلى معونة من أحد، بما يسم علاقتها بالدول الأخرى بميسم الندية، ويشج علاقتها الاقتصادية بواشجة تبادل المنافع خدمة لشعبها، وتواصلاً مثمراً مع دول العالم كافة.

هذا توصيف ينطبق تمام الانطباق على حاضر المملكة في هذا العهد الزاهر، عهد «سلمان الحزم والعزم»، و«محمد الرؤية».

فمن سديد القول وراجحه أن المملكة في حاضرها المعيش أصبحت رقماً عصيّاً على التجاوز، على المستويين الإقليمي والعالمي، وتكفي الإشارة فقط إلى موقعها الطليعي بين مجموعة العشرين، والدور المحوري الذي تلعبه فيها، بما وضع على كاهلها مسؤوليات جساماً في ما يتصل بالملفات العربية والخليجية والإسلامية، فباتت في موقع الزعامة استحقاقاً وجدارة، كفاء ما تتمتع به من قيادة حكيمة، وقدرات مالية هي موضع تسخير وعون للإنسانية جمعاء، ناهيك عن الدول العربية والإسلامية.

ومن مظاهر الحكمة لدى القيادة السعودية، وجدارتها بالزعامة حرصها المطلق على فتح الأبواب، والمشورة، والسعي الدائب لتنسيق المواقف، وتقريب وجهات النظر، وهو عين ما يسم العلاقة بينها وبين الشقيقة مصر، وما الزيارة الأخيرة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، إلا إحدى تجليات هذا التنسيق و«الهارموني» السياسي الذي يتمتع بها البلدان الشقيقان حيال كافة الملفات والقضايا ذات الاهتمام المشترك إقليمياً ودولياً، من واقع أن كلا البلدين ينتهج السياسات نفسها في ما يتصل بتشجيع الحلول السلمية إزاء كافة المعضلات والنزاعات الإقليمية والدولية، ويتجلى ذلك في ملفات سوريا، وليبيا، والسودان، واليمن، والعراق، ولبنان، والقضية الفلسطينية، وما يحدث في الضفة الغربية وقطاع غزة، وغيرها من الملفات الساخنة على الساحة العربية والإسلامية، وحرص البلدين على حتمية إحلال السلم والأمن والاستقرار في المنطقة عموماً والعالم، مع التشديد على معارضة التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، أو تهديد استقرارها وتقويض مصالح شعوبها.

إن زيارة الرئيس المصري الأخيرة تكتسب أهميتها من واقع تزامنها مع ما تشهده المنطقة من تطورات خطيرة، وبخاصة بعد التصريح غير المسؤول الذي أدلى به السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي حول إمكانية «سيطرة» إسرائيل على مساحة شاسعة من الشرق الأوسط على أسس توراتية، فالتحديات المستقبلية حيال مثل هذه التصريحات الخطيرة، وغيرها من القضايا الأخرى تستوجب تنسيقاً في المواقف، وتوسيع دائرة المشورة، والخروج بموقف عربي واحد ومتسق، وهو أمر تضطلع به المملكة وتنهض نهوض مسؤولية وجدارة وزعامة مستحقة.

غير غافلين حاجة مصر للسند السعودي في ما يتصل بأمنها المائي، ودعوتها المستمرة إلى ضرورة إبرام اتفاق قانوني ملزم لتعبئة وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، وعدم اتخاذ أي إجراءات أحادية تضر بالحصص التاريخية لمصر والسودان على السواء.. فضلاً عن الملف الأمني في البحر الأحمر وتأمين خطوط الملاحة الدولية في ظل التوترات الإقليمية والتهديدات المستمرة لسلاسل الإمداد العالمي، وغيرها من القضايا والملفات التي لا شك أن هذه الزيارة على قصر مدتها، قد عالجتها بشكل حازم وحكمة بالغة، بما يبشّر بثمارها قريباً على أرض الواقع المنظور.

00:15 | 2-03-2026