أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/238.jpg?v=1768301522&w=220&q=100&f=webp

عبده خال

مَن الأصوب؟

نتقلب بين مرادفات كثيرة، والمتغيّر يحدث في أزمنة مختلفة؛ ولهذا فإن الصائب لا ما نراه وإنما ما نجتمع عليه؛ ولذلك فالميزان متغيّر أيضاً.


فمثلاً: التفاهة، والجدة حدان تتقلب بينهما حياة الناس.


ولكل منهما ظهور وفق الأمزجة، والغالب يرتهن لظرفية الحالة الثقافية للمجتمع.


في زمنية سابقة كانت التفاهات تتوارى، وتكتفي بوجودها ضمن الأنشطة التافهة التي يتقصدها فئات محدودة من الناس لا تدعي أنها تمتلك أي نوع من أنواع التميّز، بل تعرف وتعترف أن نشاطها قائم على تمثيل البساطة ظاهراً وعمقاً، ولم تسعَ إلى تصدّر المشهد العام، واكتفت بالانزواء، فما الذي حدث لكي تتسنّم التفاهة المشهد، ويصبح لزاماً مواجهتها مباشرة؟


قبل الإجابة يجب القول إن الجدة كانت السمة الرئيسية لكل فرد يبحث عن الرفعة، فالحياة لا تمنح الرفعة لأي طالب لها ما لم يحقق شرطية التميّز من خلال ثقافة جادة، إذ كان ميزان الرفعة والانخفاض بما يقدمه الفرد أو الجماعة من أعمال تثمن قيمتها بما درج عليه الناس من استحسان، ويقاس الاستحسان بالإقبال على استخدام ما تم توجده على سطح الواقع كميزة رفعة.


وفي كل الحالات تتواجد التفاهة والجدة، والمسوق لهما نحن.


ولو وضعنا سؤالاً: لماذا يتم استهلاك التفاهة بكثافة هذه الأيام؟ فإن الإجابة ستشير إلى أن المسوقين لها بالكثرة الكاثرة عما كان عليه الناس سابقاً، فهل يتم اتهام الناس بأن ميلهم إلى استهلاك التفاهة هو الذي أدى الى بسط ثقافتها؟


ولو توقفنا، وسألنا أصحاب الجدة أو أننا اتهمناهم بأنكم أنتم من سمح للتفاهة بالتغلب على المضامين الثقافية الجادة لكون مضامينكم لم تتغلغل في المجتمع بحيث تحيل الفرد إلى عاصم يفرض، ولا يجيز للتفاهة أن تسود.


وفي هذا الاتهام تغييب لما طرأ على حياة الناس من متغيّرات جبارة، اتخذت من سياسة الاستهلاك أداة ترويج عالمية، مستخدمة أدوات التسويق سلاحاً في تمدد كل ما هو تافه على أنه هو التميّز في حد ذاته، أي أن التفاهة حصلت على أسلحة لا يمكن مقاومتها من الجانب الآخر؛ ولأن القوي غالب، هو الذي يبسط قواعد الذائقة، ولا غرابة أن يصبح العميق متنحياً والتافه سائداً.


والحل الأمثل لمن يتباكى على تنحي الثقافة الجادة أن يظل متمسكاً بها، والعمل على إنعاشها فيما تبقى له من دور في هذه الحياة، وبهذا يكون مناضلاً ضد التفاهة، وإن رأيت مستنيراً ومناضلاً لبقاء الجودة والتميّز قد سقط، وأخذ ينافح من أجل منح الهيافة مساحة أرحب في التمدد، فلا تبتئس فالحياة تقبل بك وبه على ميزان جديد له كفتان ترجح زمن التفاهات على زمن الجدة والتميّز الثقافي.


وهناك حكم لا يخيب حكمه، فلو تم الارتهان إلى قاعدة السوق: (العرض والطلب) ما بين ما يبث من ثقافة تافهة، وبين ثقافة ذات محتوى جيد فإن غلب أحدهما على الآخر على الطرف المتضرر القبول، والعمل على تغير قاعدة العرض، والطلب بما يحقق استهلاك أحدهما على الآخر.

منذ يوم

فيلم متأخر في رسالته

أي عمل سينمائي يتم إنجازه من قبل العاملين فيه، تمتد رغبة النجاح بالإتقان، وحين يعرض الفيلم يتمايل الإعجاب به أو يدخل إلى فرمتة الملاحظات، والتباعد الزمني يعطي الفيلم الجيد قيمة فنية يقف عليها النقاد متأخرين (بوقت المشاهدة)، واليوم استعرض فيلماً قديماً احتجت لمقدمة قبل الإتيان عليه، وقد بدأت بالقول حين يتردى الفضاء المعيشي للأفراد فلإن النفس تبحث عمّا يثبتها وجدانياً، ويقال إن الطرق الصوفية ازدادت مع سقوط بغداد من قبل الاجتياح المغولي ومع سقوط المكان استعاض الناس بالروحانيات من خلال التصوّف، هذه المقدمة أجدها جيدة لتناول فيلم (ألوان السماء السبعة)، وهو فيلم قديم استضافني في إحدى ليالي العيد ليكون بهجة تلك الليلة.

الفيلم إنتاج 2007 بطولة ليلى علوي وفاروق الفيشاوي، وكانت أحداث، وشخصيات الفيلم متردية، وساقطة على مستوى القيم الاجتماعية، فصباح (ليلى علوي) استترت بالكذب لتحقّق احتياجات أسرتها بعد موت أبيها، فمع إصرار والدتها على استكمال تعليمها، وتعليم شقيقها الأصغر (عمرو ممدوح) إلا أن الأوضاع المالية ضيّقة أمام اتساع حلم صباح ووالدتها أيضاً، فتعرّفت على مدام نادية التي تدير شبكة تجارة شنطة، وهي تجارة مغلفة لتجد صباح أنها هي السلعة أو البضاعة التي تعرض على متنفذين وأثرياء لقضاء المتع المحرمة، ومع انسياقها في بيع جسدها حدث تبدل في اسمها (من صباح إلى حنان)، وتبدل وضعها المالي لتصبح أكثر ثراءً، وأقرب لتحقيق ما تريد، وقد علقت بحب شاب (معتز بلبع) أحد زبائنها في سفرياتها المتكررة، وقد اعتقدت بأن هذا الحبيب سوف يتغاضى عمّا هي عليه من اصطحاب الأغنياء والسفر معهم والتمتع بها كبضاعة تستخدم في وقت تواجدها معهم، وظلت في انتظار الحبيب

وأثناء ذلك الانتظار أُعجبت ببكر (فاروق الفيشاوي) راقص التنورة، ومع تقاربهما وإعجابهما تكتشف أن كل الأشخاص المرتبطين بهما يعيشون حالات مختلفة من التردي..

حتى أن (شريف رمزي) ابن بكر (فاروق الفيشاوي) الراغب في تعلّم رقصة التنورة كان غارقاً في متع تثقله ولا تمكّنه من التحليق، فالسمو الروحاني لا يتأتى لمن رسب في متع الحياة، ولست في حاجة للتعمق في سرد حياة بقية شخصيات الفيلم، وإنما استهدفت عمق الرسالة من خلال رقصة (التنورة)، وهي رقصة تتعمّق عمقاً إلى أن توصلك إلى صوت الناي الذي يبث آلام الحنين الذي يقول عنه جلال الدين الرومي:

مُذ قُطعت من الغاب وأنا أحنُ إلى أصلي.

ورقصة المولوية دورة على صوت الناي، دورة الوجود المادي، وحين ترقص تلك الرقصة، أو تخلع التنورة تعيدك إلى فكرة أن النفس قُطعت من العالم الأعلى وحُبيت في جسد، ورمزية رقصة التنورة هي التصاعد، والسمو حتى ينتقل الراقص من الأوحال إلى السماء، وهنا يكون لاسم الفيلم معنى واضح تماماً.

وفي هذا إشادة بالسيناريو والمخرج حين تتضافر جهودهما في خلق امتزاج بين الفلسفة وواقعية الحياة المعاشة في صورها، ورداءتها التي ليس لها من مخرج إلا من بوابة عقلية فلسفية، تنجيك من الدمار الكامل، والاقتراب من السمو في محاولة التحليق الدائم، فطيران الإنسان لا يحدث بمجرد التفكير أن ترف بيديك عالياً، فالقلب هو من يصعد بك إلى الأعلى.

وهناك أفلام تعملقك بما تمنحه لك من قيمة وجودية عالية.

أردت القول إن المنشغلين بالسينما يستوجب أن يكونوا قارئين؛ كي يستندوا بقضبان فلسفية تخرجهم من مآسي الواقع المتردي كوسيلة انتقال إلى العوالم المخبأة في جوهر النفس التي قُطفت من السماء، وحُشيت داخل جسد يأكل نفسه بنفسه من خلال متع زائلة.

منذ يومين

مسرحية لتقديم الأهوال

للنفس البشرية مطامع كثيرة، فهي ترغب في الاستحواذ على كل شي، سواء كان ذلك في السلم أو الحرب، وإذا رأينا هذه النفس في السلام، يتقدم إلينا الناعقون، فهناك من يشتكي من هزال الفنون، ويرون أن تقوية ذلك الهزال بحاجة ماسة إلى حرب مدمرة تعيد المأساة الإنسانية إلى الواجهة. وفي هذا الرأي (شطط التطرف أو أنه تدليس محض)، ومع الادعاء أن الحرب تعيد توضيب السلوك العالمي، وتأسيس قواعد أخلاقية جديدة!

وليفرح أولئك المنادون بحرب شاملة، فالواقع الراهن يبشّر بتلك الحرب، فنحن نعيش واقع ارتباك المفاهيم السياسية، ونتخوف من إطالة المراوغات الكلامية المؤدية إلى وقوع اختلاف حاد بين المصلحة الوطنية والدخول في ذلك الارتباك، لإحداث حرب شاملة،

وتلك الحرب تأتي من كسر العمود الفقري للمجتمعات، والسطو على الممتلكات، والحقوق، وجعل الحق باطلاً، والباطل حقاً لما تعانيه أجزاء أو جزء من هذه الخارطة الجغرافية.

وليس من الفطنة الدخول إلى فرن عالي الحرارة كي نؤكد أن الحرب تنتج فناً عظيماً.

وكذلك لسنا في حاجة إلى مسرحية (جنرال الشيطان) التي ركز فيها كارل تسوكماير على الماضي النازي المرتهن على الصراع بين الضمير والطاعة، وتفسخ الأخلاق التي ولّدت ذلك الوحش النازي المدمر للبشرية. الواقع به مسرحيات عديدة لا نكتشف أبطالها إلا بعد أن تدهسنا دواليب لعربة خشبية، كما أننا لن نخدع بروايات توصف بالإبداع بعد موت الملايين، وهذا ما تفعله الأعمال الفنية والأدبية بعد حدوث الدمار، فتكون كالنائحة المستأجرة، تقيم بكائية لمن لا تعرفه، وبمثل هذه الصورة يكون منتج الفنان أو الأديب بعد (حرق مالطا)، فالأعمال الفنية الخارجة من أتون الحروب، وأبشع تمثيل لتلك الحالة ما يفعله حيوان (الضبع) الذي يعيش على الجيف بينما لا يكون له دور أمام الأحياء، أو يكون أشبه بعمل (المتسبب) الباحث في الأنقاض عن أي شيء يجده ليبيعه.

فما يكتب من رواية أو شعر بعد أي دمار -حربي- يكون المنتج كتوزيع شطائر مكوّناتها الرئيسة دم متلبد.

وحين تعود الذاكرة للمنتج الأدبي بعد الحرب العالمية الثانية، وبقليل من التروي تكتشف الحقيقة المرة المتمثلة في تأخر الأدب عن الواقع، فالاستشراف كان كليل البصيرة، ومهما كانت روعة المكتوب عن الدمار إلا أنه لا يفي أو لا يحيط بحجم كارثة الحروب، فلوم الروائي الألماني هاينريش بول في رواية (صورة جماعية مع السيدة) بأن الحرب كسرت القيم والمثاليات إلا أن قيام الحرب هو الكسر الفعلي للإنسانية، فهاينريش لم يأت منتجه الأدبي إلا لاحقاً للحرب، وللدمار، فكيف أسس لومه؟ لم يكن هناك تأسيس للوم أو الحزن، فمثله روائيون كثر كانت كتاباتهم ردة فعل لما أحدثته الحرب من دمار، وحين كتب الروائي غونتر غراس رواية (الطبل والصفيح) أراد لذاته أن لا تكبر، وليس بطل روايته هو المعني بذلك، هو أراد بتلك الحيلة السردية البقاء في أزمة وأزمنة الحرب لكي يتماسك حيال انكسار الذات وعدم تلاؤمها مع ما حدث، كما أن روايته (سنوات البؤس) جاءت لاحقة في تجسيد بؤس الكتابة الإلحاقية، المتأخرة تأكيداً على عجزها من الاستشراف لذلك الدمار.

كل الآداب والفنون اللاحقة للحروب ما هي إلا صور فوتغرافية أُخذت بعد وقوع الدمار، إلا أن تلك الأعمال الأدبية والفنية صور تزين مدخل مقهى لاحتساء مشروب عتيق، وتوهمنا على طقاقات الكؤوس أن الصور المأخوذة كانت جميلة في حلتها الأدبية، وقاسية في تجسيد ما حدث، وشاهدة على أن الحرب هي تفتيت للإنسانية.

وكلما ابتعدنا عن زمن الحرب نتواطأ على الجماليات الفنية عما كتب عن كوارث الحروب.

الآن، ونحن نعيش تموجات الحروب المتناثرة -التي يمكن لها أن تصبح شاملة- إلا أن ما سوف تنتجه من أدب وفن سيكون فطائر إفطار للأجيال القادمة تحمسهم على تناولها بتلذذ، وعلى أنها الإبداع الحقيقي لهذه الفترة الزمنية.

نعم، سوف تخرج تلك الحروب الطاحنة فنوناً، سوف يحمل منتجوها أوصافاً وألقاباً إبداعية، وسوف ترتفع الأصوات بأنهم ناصروا يقظة الضمير الإنساني -في الجانبين- إلا أن الحقيقة هي: موت الإنسان تحت وطأة قصف المدافع والقنابل المتفجرة، والطائرات المسيرة، وحقاً، لم يكن للمتحاربين ضمير إنساني أثناء كل الحروب، فليست هناك إنسانية في فترة الحرب ذاتها، أو بعد انتهائها.

الواقع الجاف يُخلط بجماليات زائفة تتزيّن بالإنسانية طوال الوقت حتى وإن كانت صورية أو مغشوشة فالأحداث الجارية -في حينها- غير إنسانية البتة.

ولو تفرد بك صحفي سائلاً: عن أهم الروايات أو الأفلام السينمائية التي حازت على إعجابك شريطة أن تكون مونتاجاً للحرب العالمية الثانية، فما الذي يمكنك قوله؟

هنا يكون السؤال باذخ الاسترخاء، اكتسب برودة الوقت، وتجمد الآهات، وتلبد الجراح، لابتعاده عن لهيب وشظايا فزع تلك الحرب المدمرة، فالحوار خارج دائرة الدمار الذي أحدثته الحروب، وإن أراد الصحفي مد مساحة الألم بذكر أفلام أو روايات جسدت تلك الكارثة الإنسانية، فسوف يأتي بأمثلة عديدة لذلك المنتج الفني، وتستطيع دفع السؤال بالتأكيد أن الحرب هي مقصلة الوقت، والأفراد معاً، وأنها الثنائي الحقيقي للحياة فهي دفانة لها، مثلها مثل الكبد يكون مقبرة ومفرخة في الوقت نفسه.

فلماذ الوقوف على المنتج الأدبي والفني للحروب الشاملة؟

فالسؤال الحقيقي هو: لماذا لا تموت الحرب عبر الأزمان، فعمرها مديد ولم تشب، ففي كل فترة زمنية تتولد، وتضع كل ابن لها في رقعة جغرافية من الأرض، الحرب نتاج رغبة إنسانية تولد الدمار، والثنائية تحمل بذرتين (الحياة والموت) كل منهما تنشط لتحقيق غاياتها.

00:33 | 7-04-2026

ما زالت النفس بعيدة

الدراسات الإنسانية قابلة للحذف أو التثبيت، وقد كتبت مقالاً بعنوان (تاريخ إشكالية النفس البشرية)، على أمل تصويب ما قلته في تلك المقالة، ويبدو أن القراءة خفّ وزنها بين القراء، أو عزف الناس عن التصويب، إذ كثرت الكتابات التي ليس لها مكان في زمننا الحاضر. على أية حال، قلت اعتماداً على قراءة قديمة ترسخت في ذاكرتي إن علم النفس خرج من خلال روايات الروائي الفذ ديستوفسكي، حيث كانت شخصيات روايته، شخصيات مركبة، وقد أُغرم بها أحد قرائه، فطبق عقد تلك الشخصيات على مرضاه، وقام بتصنيف كل حالات نفسية مرضية وفق الشخصيات الروائية التي قرأها.

وتسجل كتب السير بأن (فيلهلم فونت) هو مؤسس علم النفس الحديث (16 أغسطس 1832 – 31 أغسطس 1920)، وهو طبيب وعالم فيزيائي وفيلسوف ألماني، فهل كان فيلهلم فونت هو ذلك المغرم بأدب ديستوفسكي؟

ومن تلك المعلومة التي ترسخت في ذاكرتي، سُئلت ذات يوم من بعض الأصدقاء: هل تعرف الأمراض النفسية لمن هم في حياتك، أو مروا أو مكثوا في تفاصيل أيامك؟

وكان ردي بالإيجاب، إلا أن الخجل يمنعني من مكاشفتهم بأمراضهم.

وكما هم مرضى، فأنا مريض مثلهم، فقط تختلف أنواع أمراضنا النفسية..

مستنداً إلى أن الروائي الأكثر مقدرة على معرفة النفس البشرية، وأكثر من أي طبيب نفسي، أو دارس لعلم النفس..

ومن يقول إن العالم (فرويد) هو من أنشأ علم النفس، أجدني أرتدّ إلى معلومتي بأن علم النفس خرج من روايات الروائي ديستوفيسكي، فالعالم (فرويد) درس حالات المهووسين وأصحاب العته، وجمع ملاحظاته وطبقها كحالات نفسية مرضية على المعتوهين، بينما الروائي يتمكن من الغوص المباشر لنفسية الشخصية المكتوبة، وإجلاء ما علق بها من شوائب، وعلل حياتية تظهر نوعية المرض النفسي للشخصية.

وهذه المسألة ليست مؤكداً عليها تاريخياً، وإنما أميل إليها على يقين بأن لكل علم باحثين من أصل الإشكالية التي يبحث فيها الباحث، والنفس البشرية الأقرب إلى اكتشاف نوازعها (الخيرة، والشريرة) هو الروائي، فهو الغواص الذي يقف على تضاريس وأعماق تلك النفسية.

وهذا رأي صائب أو على خطأ لدى الدارسين، والباحثين عن تضاريس وعمق علم النفس، وبالتالي، هي دعوة لإعادة قراءة تاريخية النفس البشرية في أمراضها.

طبعاً لا أريد القطع بما قلته في مقدمة المقالة، وإنما استثارة لمهتمين بما تكون عليه النفس البشرية، وأكاد أجزم أنها ما زالت بعيدة عن الدراسات التي حدثت سابقاً.

00:00 | 5-04-2026

دمار عالمي

تبقت أيام عدة على وعد ترمب بضرب إيران، بغض النظر عما تجنيه الضربة لدول الخليج، وكنت أقول إن الجغرافيا حتّمت على هذه الدول تلقّي ضربات حرب (أمريكا وإسرائيل وإيران)، ليس لشيء سوى موقعها الجغرافي، وخلال هذه الحرب يتم استهداف مواقع لهذه الدول بالرغم من إعلانها الحياد، ورفض أي عملية حربية تشن من أراضيها، والآن وقبل ضربة أمريكا حدث تطور بدخول الحوثيين للحرب.. وكنت وما زلت أقول إن أي حرب بحاجة إلى قائد فطن، يعرف تفاصيل المعركة، ويستشرف ما الذي سيحدث جراء تلك الحرب، كما أن القوة لدى المتحاربين بحاجة إلى تثمين تلك القدرات، والقيادة الإيرانية بحاجة إلى فطنة القائد الحكيم، وعليها منع تدخل الحوثيين؛ لكي لا يتم تدويل الحرب، فسيطرتها على مضيق باب هرمز لم يستجب لها معظم دول العالم للدخول فيها (إلى الان)، وبالتالي ظلت الحرب على الأطراف المتنازعة دون تدخل دول العالم (الناتو مثلاً)، أما دخول الحوثيين في المعركة، فليس لديهم أي قوة إضافية لنصرة ايران، اللهم إلا محاولة السيطرة على مضيق باب المندب، وهذه هي الخطورة، حيث إن هذا المضيق متفق دولياً أن يكون محمياً من دول الناتو، وأي محاولة للسيطرة على هذا المضيق يعني باختصار دخول دول العالم الى هذه الحرب، وبالتالي تحويل تلك الحرب إلى حرب عالمية تأكل الخضر واليابس معاً.


لهذا يستوجب عقلاً رشيداً يدير المعركة وحصرها في منابعها من غير إطالة الأمد، وتجنب كوارث عالمية تجب العالم أجمع.


معلوم أن المتحاربين يسعون إلى دمار الخصم لكن دمار العالم أجمع غير مقبول، فهل ثمة قائد فطن يدير هذه المعركة؟ وإذا كان المتخاصمون لديهم نية في التوسع والسعي الى دمار العالم، فالأمر يستوجب القضاء على من يريد إحداث هذا الدمار العالمي.

00:11 | 4-04-2026

قلمك حصانك..!

في كل ما قرأت من سيرة ذاتية، لا أجد الحقيقة الساطعة لما مر بحياة الكاتب، هي كتابة (تجمّل) وليست كتابة صريحة، ولهذا أصفح عرضاً عمّا يكتب، فإذا كانت النصيحة بلجم لسانك في المثل الشهير «لسانك حصانك...»، والآن يمكن تغيّر المثل بالقول «قلمك حصانك» وقد سبق أن كتبت مقالاً بعنوان «شمعٌ أحمرٌ على الأفواه»، إذ لا يزال الأصدقاء من الكتّاب والنقاد مغرمين بتحفيز الكتّاب على كتابة السير الذاتية، ومنذ وقت طويل وأنا أشكك في كل سيرة ذاتية عربية لأسباب جوهرية، وأجدني أعيد القول لما يثار حول هذا الأمر، فقد سبق وأن كتبت مقالاً بعنوان «لا تفتح السيرة» منطلقاً من المثل الشهير:


«سيرة وانفتحت»، ذلك المثل الذي يقال للتحفيز على كشف الأسرار المخبأة، ويمكن فتح تلك الأسرار أمام مجموعة محددة وغالباً تكون بين أصدقاء ومع ذلك التقارب الوجداني مع الأصدقاء يظل فتح أي سيرة هو حديث على الهوامش، فليس هناك سيرة عربية عارية بكل تفاصيلها، وما زلت ثاوياً عند رأيي السابق عمّا تكون عليه السيرة الذاتية العربية من اختباء العاري منها خلف التنميق والبهرجة غير الصادقة، فالثقافة العربية قائمة على عدم المجاهرة عكسها تماماً الثقافة الأوروبية القائمة على البوح، فالاعترافات التي تحدث بين الكاهن (أو القس) والتائب هي حالة بوح أسّست لفكرة تعري الشخصية من كل ما تم ستره، بينما ثقافتنا الإسلامية تؤسّس قناعة الكتم وعدم البوح؛ ولذلك لا يمكن لأي سيرة ذاتية عربية المجاهرة بما اكتنفته الأيام، وإن حدثت مجاهرة ما فغالباً يتم اللجوء إلى كتابة الرواية والاختباء خلف شخصية من الشخصيات، وإن كان ثمة سيرة ذاتية عربية كُتبت من غير (تزويق)، فهذا يعيدني إلى سؤال قديم كتبته حول اعترافات الروائي سهيل إدريس:


- هل كانت اعترافات الأديب سهيل إدريس تأسيساً لمصداقية كتب السير الذاتية العربية؟


هل من محاجة لو أنني قلت إن كتاب «ذكريات الأدب والحب» أول سيرة عربية كُتبت بتجرد. تجرد فيها كاتبها للوصول بها إلى الحقيقية الواقعية التي عاشها الكاتب.. ليكن ذلك..


لن أصم سهيل إدريس بالشجاعة، فما رواه عن أبيه وعلاقته به يجعلك من البدء تدخل في دهاليز التنظير، وأن هذا الفعل هو تكرار لنظرية قتل الأب، تلك الشخصية التي تمثل السلطة المكررة في حياتنا والتي سعى سهيل إدريس من البدء إلى إدخالها حيّز المواجهة والكشف «لم أكن أحب أبي»، إلا أن هذه النظرة ستكون قاصرة عن فهم السياق الحياتي للطفل سهيل إدريس فهو يقف موقفاً من أب صدمه صدمة عنيفة، تلك الصدمة التي وقف عليها خلسة، فالحياة التي عاشها أبوه جعلت الكره يستيقظ لهذه الشخصية التي تتصالح مع واقعها باقتفائها السبل الخيّرة من وجهة نظر الآخرين إلا أن حياته السرية حياة مشينة.


وأول وقفة لسهيل على هذه الحالة يقود إلى نفور من ذلك الأب نفور يجعله لا يتورع عن ذكر صفات مستنكرة من ذلك الأب: «كان لأبي «كرشاً» أنفر منها لأنه لم يكن يتورع عن تنفيسها بريح يطلقها بين الفينة والفينة دون تحرج!»،


فالأب ليس هو المعني بمفهوم قتل الأب، بل هو الأب الإنساني المكسور بحالته المختلفة التي تصنعها ظروفها ومزاجها على أية حال..


وهذا الطفل يؤكد أنه بدأ حياته بشاهدي زور وقعا على تزييف عمره الحقيقي، فهل يكون اعترافنا بمثل هذه التزويرات تصحيحاً للتاريخ أم شهادة على حالة مجتمع لم يكن معنياً بتتبع الأخلاقيات، وإنما كان معنياً بتتبع أين تقع المصلحة.


ويرسم سهيل إدريس صورة رائعة لأول علاقة له بالجنس الآخر من خلال تلك الطفلة التي كان أهله وأهلها يجتمعون لسماع أم كلثوم بينما خدر لذيذ ينساب بين طفلين في غفلة عن عيون الكبار.. هذا المشهد سيحرك قلوب الكثيرين ممن سيقرأ هذه السيرة لأنه مشهد تكرر في كل بقعة إنسانية.


واستمر بالطالب سهيل إدريس الذي يخطئ في عملية حسابية سيكون ناتجها محرضاً لأستاذه أن يصفه بـ «طالب عدمان حمار».


وستجد نفسك فجأة تقف مع هذا الأديب الذي بدأ يشق طريقه لعالم العلم والأدب منذ أن كان ابن الخامسة عشرة ذاكراً بداياته ورحيله للغرب وعلاقته بالكثيرين من رموز الأدب في لبنان وفي العالم العربي..


وهو في سرديته تلك يسجل ماضياً عبر دولة عربية (لبنان) بحرفية روائي متمكّن لدرجة أن يصل إحساسك بيقين تلمسك لشخصيات عشت معها وتجعلك تشم عبق المكان وتزاحم الأحداث والحياة الاجتماعية التي صنعت واقعاً ثقافياً عربياً كان له أثره على بقية بلدان العالم العربي..


انهمار الذاكرة هذا كان بالإمكان أن يواصل تدفقه من خلال الجزء الثاني لسيرة الأديب سهيل إدريس بمتعة مواصلة جراءة البوح والدخول إلى المناطق المحرمة في السير العربية إلا أن وقوف (العيب) كان الشمع الأحمر الذي أخرجته الأسرة لتسد به ثقب الصنبور المفتوح قبل أن تخرج كل الأوحال.!

00:14 | 1-04-2026

حدث صغير في الزمن الأصعب..

سمة القائد الفذ اتساع رؤيته، مهما كان الوضع الذي هو فيه.

وهذه الأيام تدور على المنطقة الدوائر بسبب الحرب القائمة، وفي هذا الجو المعقّد ليس هناك سوى مطالعة ما تبثه قنوات الأخبار، وليس بها سوى أدخنة ما يحدث هنا وهناك، وما سيحدث من عصف كوني لمعركة ليس في الأفق إلا نذير حرب كونية، في هذا الجو المعكر تماماً انبثق خبر صغير في حدوثه كبير في معناه، خبر بسيط حيال القنابل والصواريخ المتفجّرة في أغلب مناطق الإقليم، ولأننا لم نشعر- عبر الأزمنة- بأي حرب كانت معنا أو ضدنا بتغيّر الأحوال، لم يسكننا الفزع في أي وقت من الأوقات، فقيادتنا تغطّي علينا كأبناء صغار تخشى عليهم من كوارث الدنيا، مرّت بنا وعلينا حروب كبيرة نسمع بها ولا تغيّر علينا صفو الحياة، هذا ما يحدث الآن، وكذلك في الأزمنة السابقة، والجميل أننا نعيش في لحمة اجتماعية غير قابلة لفكفكة، نسير ككتلة واحدة خلف قيادتنا مؤمنين بها وبما تفعله لتجنيبنا الفزع من أي حادث يحدث، والذي كان ملفتاً ذلك الخبر الصغير إزاء أخبار الحرب، مهاتفة قصيرة من ولي العهد لتعزية (أبو ساق) في رحيل أو فقد فرد من أفراد أسرته.

والمتأمل لمثل هذه الأخبار التي تنز من أثناء الحياة، يستشعر عمقه الحياتي والمعاشي، كيف لا؟

حربٌ، وتداعيات خرابٍ تأتي من كل مكان، فإذا بالقائد يتنبّه لواجب العزاء لأحد أفراد المجتمع، فيكون الاتصال والتعزية في من رحل، هذا الخبر الصغير، هو حدث كبير في مجتمع متلاحم بعضه مع بعض، بالرغم من كل أنواع المشغلات.

إن اتصال ولي العهد بأحد أفراد المجتمع لهو التأكيد والحرص على اتصال القيادة بشعبها والمواساة لكل فرد لكي يواصل المجتمع الحياة من غير منغصات الدنيا القادمة من أي اتجاه كان.

أعتبر أن هذا الاتصال حدث كبير في زمن صعب، ولأن القيادة تفعل الأصعب فلا استغراب، وإنما تذكير بأن الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تتداعى بقية أعضائه.

00:06 | 31-03-2026

السمع والطاعة لما تريده بلادنا منا

حالة ارتباك حقيقةً أعيشها جراء ما يحدث، نعم أسكن قنوات الأخبار فأجد عشرات التحليلات وعشرات السيناريوهات وعشرات التوقعات وكل منها تجدف على هواها، ومع ذلك فاللغة السياسية مرتفعة كما أن القصف مرتفع، ذلك الارتباك جعلني أشارك في منصة (x) بسؤال:

هل ستخوض دول #الخليج_العربي حرباً ليس لها فيها لا ناقة، ولا جمل؟

هو سؤال يجسّد الخشية مما يحدث، فما يحدث من حرب جرتنا إليها الجغرافيا، فمنذ زمن طويل وإيران تمثل تهديداً حقيقياً لدول الخليج، إلا أن سياستنا الحكيمة تزودت بصبر مهول لكي تجنب المنطقة ويلات الحروب، لكن سياسة التوسع الإيراني اتسعت خاصةً بعدما سيطرت على أربع دول عربية، ومع نشوب الحرب بين أمريكا وإسرائيل قابلتهما إيران، أصبحت الخشية على بلانا أعظم، وها نحن نعبر شهراً كاملاً وما زالت بلادنا في حالة دفاعية، وليس لنا (نحن كشعب) سوى الوقوف مع بلادنا فيما تتخذه من قرار، فنحن كشعب أقل دراية وأقل معرفة بما يحدث، محصلتنا الأخيرة الوقوف مع بلادنا في كل شيء، فما تراه مناسباً لها ولنا علينا التسليم والاتباع، وعلينا أيضاً ألا نغتر بما يقال عن بلادنا من التحريض أو الوشاية أو الشماتة، فنحن مستهدفون منذ زمن بعيد، والشامتون يريدون منا مبادلتهم الشماتة لما آلت عليه حياتهم من تدني المعاش في كل شيء، الأهم الآن اتباع ما تراه بلادنا من خير لها ولنا أيضاً.

00:16 | 29-03-2026

سينمائياً.. كان انفجار مُخْرِجَة

المخرجة (ابنة مكة) جيجي حزيمة عرض فلمها «ثم يأتي الشتاء» في باريس.


جيجي تسكنها الغربة فتجمعها في جملتها «البشر كلهم واحد».. لي قراءة عن أفلام المخرجة جيجي حزيمة المهاجرة بين لندن وأمريكا.


وهي مخرجة تبحث عن النفس داخل النفس، لها طابع التأكيد على المفردة؛ لذا يأتي الحوار في أفلامها جزءاً رئيساً في الحكاية المسرودة، كما أن انتقال المشاهد البطيء المستقصد ليكون دلالة التعمق لدى جيجي كونها السينارست والمخرجة في آنٍ، لتصنع من المكتوب لوحة بصرية فاتنة، لمن يرتضى الانتقال البطيء مع الحكاية بشقيها البصري والحواري، فليس هناك انتقاص للمشهدين الحكائية إذ تجمع لكل لوحة المؤثرات التي تكسب المشهد جماله الذاتي، وإذا كان المشاهد يبحث داخل النفس عن سرها المخبأ بين ملامح الشخصية والمنطوق سوف يجد عمقاً يتوازى مع حيرة النفس إزاء الظرف المكاني والزمني، وهذا ما يميز المخرجة جيجي حزيمه.


وربما تأتي الغربة المكانية والنفسية لونين رئيسين في تشكل الشخصية بين الإقدام والتقهقر.


وإذا كان البشر كلهم واحد سيكون هذا الواحد معبراً عن الإحساس الوجودي في عزلته النفسية حتى ولو كان في المجموع بشراً، فهم مجموعون في واحد، فالأزمة الوجودية استشعار بالوحدة بغض النظر عن المكان.


تعمل المخرجة جيجي على استنطاق الوجود من خلال الممثل، فتلمح في الشخصية التي تؤدي الدور عمقاً دفيناً لكل المشاعر التي تجسدها، تستشعر الغربة الوجودية في الذات وفي الآخرين، الفلم لديها محاولة انسلال


من الواقع المفروض إلى واقع متخيل يرضي الكاتبة المخرجة.


وربما تكون اللغة هي عثرة لما تود قوله تصريحاً لا تلميحاً؛ لذا تعلن جيجي رغبتها في تصوير عملها القادم داخل السعودية؛ كي يتطابق الواقع الداخلي لها مع الواقع المكاني الذي غادرته وهي في بداية حياتها الدراسية.


وربما كان فلمها (يأتي الشتاء) الذي عرض في باريس تأكيداً لتلك الرؤية الباحثة عن الاستقلال كخيار جمالي والانعتاق من الضغوط المؤدية للانفجار، وأعتقد ان الانفجار لدى المخرجة جيجي يأتي من خلال تجسيد مشاهدها البصرية المنقلبة على العادي والساكن داخل النفس البشرية.

00:08 | 26-03-2026

التشابك السردي

هل يمكن القول إن إعادة التشويش في السرد الشفوي أمر حتمي؟


وهل يكون حديثك مع تقادم السنوات، هو نوع من أنواع الاجترار؟


هما سؤالان متشابكان يصعب فصلهما حين تنداح الحكاية الشعبية.


لنعد قليلا فيما كتبت عن الشفوي، والمكتوب، نعم، سبق أن ألقيت الكثير من المحاضرات حول العديد من القضايا الأدبية، وربما كانت معظمها شهادات عن تجربتي الروائية، ومع تقدم وسائل ثورة المعلومات بقيت متمركزاً بأن المعلومة وفيرة بينما معرفة كيف تم الوصول إلى تلك المعلومة ظل قاصراً لدى الباحث عن المعلومة (بضغطة زر)، وهناك فرق بين المعلومة والمعرفة، لندع هذه النقطة، وأعرّج عن تفلت الكنوز الشفوية كحديث، نعم ما زال الكثيرون يسعون لتوثيق الشفوي الذي مرّ بنا، إلا أن هناك نقطة في منتهى الدقة، تتفلت منا، وهي حرارة السارد الشعبي، وتلون صوته، واختفاء حركته، وصمته، ومواصلته للحديث، أمور كثيرة تلازم الحكاء الشعبي.. نعم أنا ابن الحكاية الشعبية، فأول المدارس التي التحقت بها هي الجلوس أمام (حكاءة) والإصغاء الجيد لكل ما تقوله.. وربما كانت هذه البداية الأولى لمعرفة أثر الحكاية على الحضور.. ومنذ ذلك الزمن وأنا أحاول الإمساك بسر الحكاية.. سر أن تتحدث والجميع يصغي.


هل للحكاية جن أو ملائكة حتى يغدو السامع قطعة من متعة تسيل اشتهاءً وعسلاً بتدفق الحكاية، في طفولتي تلك كنت لا أريد سوى تتبع الأحداث وكأنها القناة (الفنية) التي تجرى بها الحياة.


وعندما (فتحت الخط) بدأت أتتلمذ على الحكاية المكتوبة، وظللت سادراً في متعة المكتوب، إلا أن عالمي الشفوي، والمكتوب بينهما مساحات كبيرة يسكنها الفراغ.


فالانتقال من الشفوي إلى المكتوب أحدث فوارق مهولة وأثراً على الحكاية في معطياتها الدلالية؟ وحركيتها المتسارعة.


فالحكاية الشعبية لها تقنيات مختلفة عن المكتوب.. فالسرد الشعبي حر، طليق بينما المكتوب كائن سجين، وعلى المتلقي أن يكون عالِماً بالاختلافات الجوهرية في سرد الحدث بين الصياغتين.


فالشفوي جاذب للسمع، والمقروء جاذب للبصر وبين السرعتين تختلف المتعة.


في فترة سابقة نشطت الأندية الأدبية في الاحتفاء بالقصة وأقيمت الأمسيات المتعددة وفي كل أمسية قصصية تظهر الفروقات بين المسموع والمكتوب.


وإن كانت تلك الأمسيات ملتزمة بالمكتوب، والمتدرب على سماع الحكايات الشفوية يضيق ذرعاً بما يقال، لأن السارد مثل من يحمل بطيختين بيد واحدة، هو يريد إسماعك قصته إلا أنه متورط في المكتوب، والنجاح مرتهن بالمقدرة التمثيلية للقاص بحيث يستعير جزءاً من أدوات السارد الشفوي.


وأهم مميزات السرد الشفوي:


- الإعادة المستمرة للزمات تكون فاصلة الانتقال من حدث لآخر.


- إدماج الحكاء كل الحواس أثناء السرد من يد، وعين، وحركة جسد، وتلوين صوت، وتمثيل حالة الحدث تهويلاً أو خضوعاً.


- مشاركة المستمع في الحكي استدراكاً أو مضيفاً، أو مستفسراً.


متعة الحكي تختلف باختلاف الزمان والمكان أثناء قراءة الحكاية المكتوبة، بينما الحكاية الشعبية اتخذت من الليل سكنى لها، عادة لا يقتعد لسماع الحكاية إلا ليلاً.


- نفسية الحكاء الشعبي تؤثر في السرد إيجاباً أو سلباً وكذلك نفسية المستمعين، فأي منهما يجري الكدر في داخله، تتباطأ حالة السرد كمؤشر لضيق نفسية أي منهما.


- وفي الحكاية الشعبية يتم إضافة أحداث، أو إلغاء أحداث.


- كل سارد لحكاية شعبية يضيف ويحذف.. قد تكون هذه أهم سمات الحكاية الشعبية، بينما القصة المكتوبة تحفل بجوانب أخرى.


- بعد الانتهاء من كتابة الحكاية تمنع عنها الحذف أو الإضافة، إذ تكون في حالة اكتمال.


- وكلما كان أسلوب الكتابة متقدماً كلما صعب على القارئ التواصل الحقيقي مع الحدث.


- القصة المكتوبة لا يعود لدى السامع فرصة التغير والتبديل بل يمنحها بعداً من مخيلته.


- كما أن القصة المكتوبة تحاول التوسط بين المكتوب والشفوي عند سردها من قبل القارئ وهنا يحدث الانتصار للشفوي مقابل المكتوب... ونجد أن الذات تتنزه بين العالمين كما يحلو لها من غير الاحتزام بالفوارق بين العمليتين.


إن صياغة الأحداث المكتوبة والشفوية بحاجة إلى مصفاة لتكرير ما تساقط هنا أو هناك، فالحكاية في الحالتين سقط منها شيء لا يستعيده الزمن حتى لو كان (للقارئ أو المستمع) مخيلة فذة، فما تنتجه المخيلة يكون فائضاً ليس من أصل الحكاية.


-هل أستطيع القول إننا حكايات ناقصة؟


لهذا، أشعر فعلاً بنقص الحكاية المكتوبة عما يصاحب الحكاية الشفوية من لوازم ماتعة، والتي اعتبرها من أصل الحكاية وليست طارئة عنها أو عليها.


الآن هل ومع المناداة لموت الشاعر.. النقد.. الراديو.. التلفاز، انتشرت مفردة الموت حتى تظن أن المنادين بها هم (قبرجية)، ويصبح القول بموت الراوي الشعبي (قفلة ضومنة).


الآن، ظهر الذكاء الاصطناعي وكأنّه الغول الذي جاء ليبز ما سبقه من تعبيرات أو أدوات، ولأني لا أؤمّن بالموت بمعنى التلاشي، لأن كل موت تلحق به حياة مغيرة لما سبقها من حيوات، فالذكاء الاصطناعي سوف يقسم نفسه بنفسه لتكون هناك حالة توالد، ومن أساليب تلقي الأوامر هناك أوامر صوتية، والصوت حالة شفوية، فالصوت لا يموت حتى وإن خفت فطاقته مستمرة في التذبذب.. إذا لنعيد الدائرة بين الشفوي والمكتوب.

03:04 | 25-03-2026