أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/238.jpg?v=1768301522&w=220&q=100&f=webp

عبده خال

استدراك يقف في الحنجرة

الدخول إلى سراديب الرواية أثناء الكتابة هي حالة لا يمكن الحديث عنها كتفاصيل، سواء أكانت مشاهد أو كلمات، ربما الثابت في مخيلة الروائي هو الأفكار من حيث البناء، والنقض؛ فالشخصيات الروائية المتعددة تمكّن الروائي من خلط الأفكار، وانحياز كل شخصية لأفكارها بحيث لا يكون العمل مؤدلجاً، فالأفكار المؤدلجة تكون صلدة ولا تقبل ما يناقضها، وفي هذه الحالة يتم إيجاد الحجج من قبل شخصيات مقابلة لتعرية ما لم لا يسقط بالحوار.

والذي يدخلك في سجال مع ذاتك ومع القارئ، ما يحدث بعد النشر، فأنت ككاتب تقف على مشاهد كُتبت بصورة مذهلة تدهشك، حتى يمكن أن تقول: كيف استطعت كتابة هذا المشهد، وفي الوقت نفسه يقف القارئ على نفس المشهد (مسفهاً) تلك المشهدية، وعلى الطرفين يجد الكاتب مساندين لرأيه، وكذلك القارئ (هنا يحدث تمايز بين ذائقة الكاتب والقارئ وجهاً لوجه).

وسابقاً، كنت قد وضعت تغريدة من رواية أنفس، هذا نصها:

«... وعندما تضع كائناً في جوفك يكون هو كمال نقصك، ويصبح النداء عليه كلما ابتعد هو الشعور بفراغ روحك منه».

واضعاً هذا السؤال:

«فهل ثنوى رابط كل هذه النفوس المتقافزة في الصدر وكأنها حبات فشار لا تستقر الا بعد أن تفسق».

وبين السؤال، والمحتوى، تنافرت المداخلات بحيث لم يستقر أي من المتداخلين على طرفي معادلتي: القارئ والكاتب.

حقاً، وجدت أن المنطقة الوسطى هي التي استقطبت الأعداد الكبيرة.

هل هذا يعني أن الذائقة مستقرة في حالة الوسطية؟

وبهذه الكيفية يصبح الأمر مختلطاً بين ثقة الكاتب وتعالي القارئ في عدم الانسياق لما استشعر به الكاتب بعد الكتابة، بمعنى آخر نقض الاتفاق؛ لأن بين الكاتب والقارئ اتفاقاً ضمنياً بأن الكاتب هو المسير للعمل، وعندما يتدخل القارئ في النقض يكون موقفه إخلالاً ببنود العقد.

وهذا ما يعلل موقف القارئ من أي عمل روائي مهما كانت روعته، وذلك النقض نلحظه جميعاً، من خلال انفلات كلمة (لكن)، فمهما كان الروائي مجيداً إلّا أننا نجد المدح مقترناً بالاستدراك، فيقال لك: العمل جميل لكن...

و(لكن) هذه هي التي تقف في حنجرة كل منا!

منذ 25 دقيقة

رفض تهافت الأفلام والمسلسلات

أحياناً وعندما تشاهد فيلماً أو مسلسلاً تصيح أو تهمس أو تتذمر بجملة قصيرة:


- نحن ليس هكذا..


وهذه الجملة تعد رفضاً للمضمون الذي تشاهده، وذلك المضمون يحمل (استبلاهنا) أو مفارق للحياة الاجتماعية التي نعيشها.. نعم الفن إحدى القوى النافذة للتغلغل في المجتمعات، وليس جديداً القول إن الدول الكبرى استخدمت هذه الوسيلة خلال فترات زمنية مختلفة، ومتباعدة في تقوية وجودها.. ومن تابع تاريخ الفنون سيجد لكل فن أداة ثقب، وتمكين في تلك المجتمعات.. ونحن نقرأ عن عباقرة الموسيقى، أو الفن التشكيلي، أو الرواية، أو الشعر، أو المسرح، نجد أنها نهضت بأدوار عظيمة في بناء تلك الدول، والصعود بدولها إلى المراتب المتقدمة في سلم التحضر؛ ولأن صناع الفنون عملة نادرة، أخذت كل دولة تصدر رموزها كقوى ناعمة تفاخر وتتسامى بها إلى مصاف التحضر.. ونجد أن تلك الفنون تمثل درعاً واقياً لكينونة ثقافة وتاريخ البلد، ومن يتذكر مقاومة فرنسا للمد الأمريكي ثقافياً من خلال السينما، حين غزت أمريكا فرنسا سينمائياً حتماً، سيتذكر في الحال، القرار الفرنسي المقرر على الدور السينمائية أن لا تعرض إلا الأفلام الفرنسية.. ولأنني ذكرت فرنسا في هذا السياق، يمكننا تذّكر تغريدة وزير الثقافة الفرنسي حين كان ينعى فيها فقيد جمهورية فرنسا المغني شارل آزنافور ويصفه بنعوت عدة، مؤكداً أن ذلك المغني حمل فرنسا في كل أغانيه..


وأحتاج أن أعرج قليلاً لتأكيد أن ذائقتنا الفنية الغنائية مرتفعة بما يتسامى مع قمم الغناء العربي، وللتأكيد على تلك الذائقة ما قامت به هيئة الترفيه، في أنشطة سابقة، فليس هناك بلد يقوم بإنعاش الذاكرة الفنية الأصيلة، كما قامت به هيئة الترفيه في موسم الرياض سابقاً، فمن خلال ليالٍ استحضرت فيها روائع الفن الغنائي من خلال عباقرته، خصصت ليالي لتكريم من طرز الذاكرة العربية بالروائع التي لا تنسى.. ولو أردنا ذكر تلك الليالي وتكريم رموزها، فلن نتعب ونحن تستذكر ما الذي أحدثته الرياض من إنعاش الذاكرة، والتسامي بعودة الذائقة السامية للفن.


هذا الدور الراقي هو تقدير، وتثمين لمن صاغ الوجدان العربي: كلمة، ولحناً، وأداء، وكذلك استشهاد أن البلد الذي يقوم بهذا التكريم ما هو إلا بلد حريص على إبقاء الفن راقياً..


كما يمكن قياس ذائقتنا الفنية من خلال مواطنينا، فهم في هذا الجانب ينطبق عليهم المثل الشهير (لا يعجبه العجب، ولا الصيام في رجب)..


وعودة لبدء، وللتأكيد على أهمية الدراما والسينما كوعاء ضامن لكينونة البلد ثقافياً وعمقاً تاريخياً، ولربما نهضت الفنون المحلية بأدوارها وفق الإمكانات المتاحة سابقاً، والذي جد في حقولنا الثقافية هي السينما، وكذلك الدراما، وهما قوتان ناعمتان فاعلتان، يمكن استيعاب تلكؤ أدوارهما بسبب الجدة أو بسبب تهافت الإدراك عن خطورتهما في استنهاض الكينونة الثقافية للبلد، ففي السابق كنا نتعذر بغياب السينما، ونتغاضى عن هزال الدراما كون المنشغلين بها وتحديداً (طاش ما طاش) يقومون بدور تنويري مناهض للتشدد الديني، أما الآن، ومع قفزات البلد لا نريد تهريجاً، وإنما نريد فنّاً يقاس بما تم تحقيقه على أصعدة كثيرة.


وأنا لست وصيّاً على رفض ذلك التهافت، وإنما أعبّر عن ذائقتي لما أشاهده ولا يرضيني. نعم الحياة مستمرة بالغث والسمين لكن من لدية ذائقة تعب في تنميتها عليه رفض الأفلام أو المسلسلات المتداعية.

00:00 | 14-05-2026

ورش الزينة

أصبحت عيادات التجميل ركناً أساسيّاً في حياة المرأة، التي قد تكون كاملة الصحة إلا أنها نزيلة تلك العيادات، فمهما جملتها في وجهها أو جسدها تراخى ولا بد من شده أو تثبيته؛ لكي لا يتساقط أو يترهل، وقد كتبتُ كثيراً عن طوفان الجمال النسائي في مواقع التواصل الاجتماعي، وهو جمال اصطناعي قفزت به أدوات الزينة إلى درجة عالية من التزييف، وقلت إن التاريخ الإنساني عرف الزينة والتزين منذ أزمان سحيقة، ولم يتوقف الإنسان في بحثه عن الصورة التي ترضيه وتظهره جميلاً أمام الآخرين.


وقد حملت لنا الحفريات- عبر العصور السحيقة- أنواعاً مختلفة من وسائل الزينة وفي أغلبها الأعم كانت أدوات تخص المرأة.


وهذه الإشارة لا تعني بتاتاً أن الرجل لم يكن باحثاً عما يظهره جميلاً، وإن كان ثمة فرق فإن وسائل التجمّل عند الرجل تكون تعزيزاً لمظاهر مقايس الرجولة في نوع السلاح أو الركوبة أو الملبس أو الخواتم، وفي حالات الحروب كجدع الأنف أو تركيب أدوات خشبية للأطراف السفلية، وكانت أنواع الطيب محدودة، بينما كانت أدوات الزينة عند المرأة في أغلبها مؤلمة، إذ تتعرّض إلى معاملة صارمة بحيث تكون هيأتها متسقة مع مقاييس الجمال التي يرنو إليها الرجل، وقد عانت المرأة كثيراً من أجل اكتساب إعجاب الرجل، فأخضعت نفسها لعمليات الوخز والنقش في وجهها، والضغط على قدميها أو وسطها وحملت طيوب الأرض على رأسها، وأفنت جبال الكحل في عينيها، أما أدوات التجمّل المساندة لم تقف عند حد ملابسها وطيبها ومجوهراتها حتى إذا تطورت عمليات التجميل لم تعد هناك امرأة إلا شاغلتها نفسها أن تقوم بتغيير جزء أو أجزاء من شكلها العام، فراجت عمليات التجميل حتى بلغت ذروتها في الآونة الأخيرة، وتحوّلت إلى مجال استثماري، إذ تخبرنا الإحصاءات أن السعودية تحتل مركزاً متقدماً في كل ما يتعلق بأدوات التجميل، وجاءت عمليات التجميل لتضاعف من استحواذ هذا السوق على جزء كبير من الإنفاق ليمثل ضغطاً على دخل الفرد؛ ولأن هذا الإنفاق هو حرية شخصية لم يرافق هذا الاستهلاك الطاغي أي نوع من أنواع الترشيد، أو التوعية، وكان من الضروري جدّاً أن تتحرك الجهات المعنية بوضع استراتجية لهذا الإنفاق الباذخ، وكذلك التحذير مما يحدث من استغلال للسيدات الباحثات عن الجمال وهن يقدمن على عمليات تجميلية لها آثار سلبية على حياتهن على المدى المتوسط، والبعيد.


هذا ما كتبته سابقاً والملفت أن كل التحذيرات مما يقمن به النساء من عبث في أجسادهن لم يصل إلى درجة الكف، بل تمادين في ذلك حتى غدت كل امرأة (مشكوك في أمرها).. والشك في عدم وجود امرأة طبيعية أي أننا أصبحنا نعيش مع نساء (مجمعات) في ورش الزينة..


وأذكر أنني وجهت تنبيهاً لجميع السيدات بأن عملية تجميلية بعشرة أو عشرين ألفاً لن تكون محصلتها الجمالية كعملية بمليون ريال.


وهناك ملاحظة جوهرية تتمثل في أن النساء أصبحن نسخة واحدة من جمال مزيف.


إن إعادة هذا (الهذر)- اشعر أنه (هذر)- يصب في قلب مجتمعنا المغرم بالتجمّل الشكلي، بينما ينسى التجمّل في أمور أخرى كثيرة. وفي الجانب التجميلي لن ينفع (الهذر)، ولن تنفع نصيحة: (ضرورة الثقة بالنفس)، ولن ينفع السؤال: ماذا تريدين من جمال بعد وصولك الستين عاماً؟، وتصبح النصيحة والسؤال من سقط المتابع، الذي لا يلتفت إليه أحد، ولا يحمله أحد.

00:02 | 13-05-2026

لا تقل شيئاً.. ضع يدك على فمك!

كلما سمعت أخباراً مختلطة لا تحمل مصداقية تناقل الخبر، تذكرت مقولات عديدة عما يفعله الشارع العام من تصدر الأقوال المشكوك بها، وهذا الأمر طبيعي حينما تستوحب ما يحدثها (القوالون)، ولا يزال في النفس ترجح بين مقولات عديدة إلا أن الزمن يثبت أن المقولات المتداولة تظهر وتختفي وفق ظروف اجتماعية أثرت فيها حالات بعينها، ولأني ما زلت على يقين بأن كل إنسان لديه فكرة ما يسير عليها من غير تمحيص، وقد كتبت مقالاً سابقاً بعنوان «في حنايا النفس زوايا أرحب»، وهو مقال رديف لمقالة أخرى بعنوان «سقوط السقوط»، والكتابات في الغالب لا تصمد زمناً طويلاً خاصة الكتابة الصحفية، فهي كتابة استهلاكية، تظهر وتختفي وفق ما يمور في المجتمعات، ولأن الواقع متغير تستجيب المقالة الصحفية للانجرار مع المتغيرات اليومية، وليس هناك مقال صحفي استطاع الصمود لسنة أو سنتين خاصة إن كان تعليقاً على حدث سيار.. لننتقل خطوة لتغير الموقع في هذا المقال.

كان الفلاسفة (عبر الأزمان) يعتبرون العامة هم من انتهج الفكر البسيط، مكونين مكنة أو مضخة لنقل الأحاديث الرخوة من غير تمحيص، وعادة يكونون وسيطاً جيداً لنقل الاتهامات والشائعات، وهذا الاعتبار تم بناؤه على ما يجده الفلاسفة من تنكيل إزاء أفكارهم، حين يتم الاستناد على العامة في محاربة أي فكرة فلسفية تناقض أو تناهض السائد.

وفي العصور الماضية، تمّت محاربة الفلاسفة أو أصحاب الفكر النير وتم اتهامهم بأنهم زنادقة مبتدعون وأصحاب رؤى فسادة، هذه التهم تحرص العامة على نقلها والتواصي بنبذ فكرة مستحدثة أو عالماً قدم مخترعاً يحيل المجرد إلى مشخص، أو مفكراً وقف مناهضاً لأفكار قديمة، وفعلاً تقوم فئة (السمعية) أو الناقلون سمعاً ببذر ما يسمعون على زوايا الأرض ولا يعنيهم فحص ما يسمعونه أو يقولونه سواء أكان حسناً أو رديئاً.

وإزاء أو اعتبار أن أصحاب الرأي السديد هم من يضعون قواعد الراجح والأرجح وقد جرت العادة اعتبار العامة هم الداء، وأطلقوا مفردات عدة على هؤلاء العامة: الغوغاء، والرعاع، وسقط القوم، ولم يخر الناس أو يستكينوا، بل نهضوا، وهمهم تبادل القذف بالمفردات مع المفكرين.

فقال العامة، إن المفكرين ما هم الا أناس خارج التوقيت، وليس لهم من شيء سوى دلق الكلمات.. دلق كلمات لا تفهم.. هنا يصبح الحكمان ساقطين كون كل منهما اتخذ من التعميم سبيلاً، والتعميم غالباً يجافي الحقيقة.

وفي زمن متأخر ظهرت مفردة النخبة، وتعني أصحاب الرأي السديد من فلاسفة ومفكرين، ومثقفين، وأدباء. ومفردة النخبة كان ظهورها ملتصقاً بمجموعة صغيرة من الأشخاص المسيطرين على الحياة الاجتماعية ولهم المقدرة الفاعلة في التأثر ولديهم قدرة التغير أكثر من غيرهم.

وحدث أيضاً استلال هذه المفردة (النخبة) من أصحابها والتصق بها الكتاب والمفكرون واعتبار بقية الشعب عامة (استحياء من القول إنهم غوغائيون)، وكذلك تم (تقسيم مفردة النخبة، فيقال: النخبة السياسية والنخبة الاقتصادية والنخبة الاجتماعية.....).

وهذه النعرات الثقافية ليست وليدة الحاضر، بل هي متجددة وفق العصر وأحداثه والأفكار التي تنتجها عقول الحكماء أو الفلاسفة الذين لا يظهرون في الصورة وإنما في مقدمة البرواز.

وعندما كتب غوستاف لوبون عالم النفس الجماعي الفرنسي (7 مايو 1841 - 13 ديسمبر 1931) كتابه (سيكولوجية الجماهير) نقله إلى العربية المفكر هاشم صالح.

فهذا الكتاب يعتبره الدارسون هو الركيزة الرئيسة للحكم على الشعوب أو الجماهير كتصنيف معترف به خاصة بعد ظهور علم النفس الاجتماعي.. ومن البديهي أن (لوبون) حكم على زمنه بظروف ذلك الزمن ولا يمكن اعتبار السيكولوجية النفسية للجماهير نفسية ثابتة، فالمتغيرات مهولة وأدوات الزمن طرأ عليها تغيرات جوهرية، فالناس الآن يعيشون في غرفة واحدة، فهل هذا يعني توحيد آراء العامة؟ بالضرورة لا. إلا أن أهم ما يميز الوقت الراهن في زمن مواقع التواصل الاجتماعي أنها أسقطت مفردة النخب، فهل انتصر العامة على تلك العقول التي تعبر نفسها مسيرة للمجتمعات؟

وعودة للبدء، المقالة الصحفية لا تصمد طويلاً، وإزاء السؤال الأخير أجد من الجسارة القول، إن العامة لا يستطيعون تسيير مركبة فضائية من خلال خطام الجمل..

وما زالت في حنايا النفس أقوالٌ تحتاج الى مساحة أرحب.

00:12 | 12-05-2026

خلط الليل بالنهار

تناقل الأخبار والسير والأحداث يحدث من غير تمحيص، وذات يوم كتبت عن خشيتي من إعادة كثير من الأحداث والسير على ألسنة الشباب كما حدث معنا في بداية حياتنا، وظللنا الجزء الأكبر من أعمارنا ننفي ونوضح أن ما يتم ترسيخه في المجتمع قولاً ضعيفاً أو مكذوباً أو مشوّهاً، والآن نسمع ونرى تناقل تلك الأحداث أنها صحيحة، وهذه آفة ما يتم قراءته من غير تبيّن.


وكتبت مقالة بعنوان (الاستعادة والنسيان)، بدأت بهذا السؤال:


هل التاريخ في حالة اجترار؟


وقبل الإجابة فإن عملية الاجترار حالة تميّز الحيوان المجتر عن بقية المخلوقات، وتؤكد علوم الحيوان أن عملية الاجترار هذه تحدث كون المعدة في وصفها التشريحي في المجترات تعتمد على إعادة المضغ والخلط مع اللعاب مع التنبيه العصبي للاجترار، وأنها حركة دودية معكوسة يُرتجع بوساطتها الطعام المهضوم جزئياً والمبتلع سابقاً والمتجمع في الكرش والشبكية إلى الفم ليعاد مضغه وخلطه باللعاب، ثم يُعاد بلعه.


هذه المعلومة العلمية المقتبسة من مكان ما، احتجتها لأبدأ مقالتي هذه بهذا السؤال: هل نحن كائنات مجترة، سواء في الأكل أم في التفكير أو في أحداث الحياة، ويبدو أن ما مضى من أحداث حياتية نقوم باجترارها، فعشرات الأخطاء التاريخية حدثت، وتم البناء عليها، وما زالت الكتابات تلوك تلك الأخطاء، وظل كثير من الكتاب يفنّد ويحلل أسباب ونتائج ما أفضت إليه الأخطاء التاريخية.


ولأن الحياة ليس لها رغبة في تعطيل حركيتها للأمام، فهي لا تلتفت للخلف مهما كانت جسامة ما حدث، ولأن الحياة مثل المقبرة لا ترد حيّاً جاء إليها، هي أيضاً لا تقبل أن تُدفن في مقبرة الماضي.


فما جدوى الكتابة عن ماضٍ لن يستطيع استعادة حيويته؟


وكيف يمكن مجابهة حجة من يقول إن الكتابة عن التاريخ القديم، كمن يريد فلسفة دوران الماء في النافورة!


وكثير ممن يخطو للمستقبل يسقط حجج الباحثين عن تبيان كيف حدث الخطأ التاريخ في زمن ما، فهؤلاء يحملون حجية أن الزمن دفن ما مر به، فلماذا النبش في جثمانٍ قُبر، وقد خلف ذرية نسته، وانطلقت الى الأمام؟!


أما المتمسكون بالكتابة عن تلك الأخطاء التاريخية يحملون حجية ضرورة إبلاغ الأجيال بما حدث من خطأ جعل الحاضر يظهر على ما هو عليه الآن.


وهي حجية المؤدلجين الذين يرغبون دوماً في إعادة دولاب الأيام إلى نقطة الارتكاس.


فما حدث من خطأ قبل مئات السنوات لا يصلح الآن تقويمه، فكل الأحداث الزمكانية اجتازت تلك الأزمان، وتم دفع ضريبه الأخطاء، وكذلك دفع ضريبة التصويب.


ولو ضربنا مثالاً بسيطاً لذلك الخطأ التاريخي، كموقعة الجمل، أو صفين، أو انتصار المعتزلة في زمن المأمون، أو حكم المتوكل، أو سقوط الخلافة العثمانية، أو تقسيم سايس بيكو، أو سقوط برجي التجارة الدولية في 11 سبتمبر، أو ليلة سقوط بغداد، أو اكتشاف مؤامرات الإخوان أو أي حدثٍ حدث بالأمس، يكون حكم الواقع عليه أن ما حدث أصبح ماضياً، وأن الحاضر سيرمم كل الأخطاء لكي يأتي الغد.


فما يحدث اليوم هو الواقع، وأي حدث يحدث ويغيّر في اليوم يصبح هو المستقبل.


حكمنا على مجريات الأحداث يعتبر من مشاغل اليوم، والأقاويل التي تقال بعد مضي اليوم أصبحت تاريخاً نعيش به غداً.


التصويب هي عجلة ضخمة اسمها الحياة تدرس ما يصادفها لتبدو حكايات الغد.


سؤالي ألا تلاحظون أننا نعيد اجترار أحداث التاريخ على أنها واقع حقيقي لما حدث في مختلف الأزمان ؟


وصدقاً أن توثيق ما يحدث دليل دامغ على صحة الأحداث، ليس كمكتوب كما حدث في العصور قديمة العهد حين لم يكن هناك إلا قرطاس وقلم، أما الآن فإن مسألة التوثيق لديها وسائل عدة: المصور والمسجل، ربما يأتي أحدكم ليقول: إن الذكاء الاصطناعي قلب الطاولة، فالحياة الآن ليست اجتراراً، بل تغير الحقيقة وتثبيتها على ما لم تكن عليه.


مع البحث والتنقيب والمعرفة الحقيقية لن يحدث الاجترار، تعيش رجب ترى العجب، فقط أريد القول: عش لحظتك فما مضى ماضياً وما سوف يأتي مستقبلاً، حياتك هي اللحظات المعاشة، وليس ما سبقها أو ما يلحق بها.

00:02 | 11-05-2026

طفل بلا رحم ينجيه!

في جميع مراحل الوجود نحن محتاجون إلى رحم يحمينا من الأخطار التي خارج محيطنا، وتتعدد تلك المخاطر وفق سيرنا في الحياة، إلا أن الطفل ومنذ ولادته بحاجة إلى رعاية فائقة، رعاية جسدية في البدء ورعاية فكرية إلى أن يصل مرحلة الرشد، وإذا كانت المطالبة برعايته في السابق مهمة، فالآن اختلف المحيط وأصبحت الرعاية الفكرية أكثر صعوبة لاختلاف الوسائل، وسرعة المتغيرات، ودخول مؤثرات عديدة لا يمكن تفادي أثرها، فكيف نخلق رحماً حافظاً لهذه الطفولة.


كنت ضيفاً على جمعية أدب الطفل وثقافته، وانطلقت في حديثي عن مجموعتي القصصية (حكاية المداد) والتي كتبتها قبل ثلاثين عاماً، حين كان محور مهرجان الجنادرية عن أدب الطفل، في تلك الأيام كنت مشرفاً على صفحة الطفل بجريدة عكاظ، والتي كانت تصدر يومياً، بمحررين في سن الطفولة، وهم من يقومون بتوفير المادة الصحفية لصفحتهم، وكان نشاطهم ملفتاً حتى أنهم أجروا لقاءً صحفياً مع الوزير محمد أحمد الرشيد (رحمه الله) والذي أصدر قراراً وزارياً لجميع مدارس المملكة بالتعاون مع صفحة الطفل في «عكاظ» (وتلك الصفحة قام محرروها بأعمال صحفية منتقاه وتحتاج إلى كتابة خاصة عن تلك الفترة)، في ذلك الزمن فاتحني الأستاذ عبدالفتاح أبو مدين (رحمه الله) إن كان لدي قصص لنشرها وتقديمها لمحور الطفل في الجنادرية، فكتبت مجموعة (حكاية المداد).. وكان حديثي منصباً على أدب الطفل ومعوقاته من وجة نظري..


ذاكراً أن الطفولة كنز الأسئلة المجردة، والمخيلة الخصبة التي لا يحدها حد، تلك المخيلة الخصبة تجف مع الدخول إلى التعليم، فكلما كبر طفل يتم تهجين ذاكرته (بما يجب فعله والتفكير فيه) ذاكراً أن التعليم عبودية، والعلم حرية، ولأن الطفل (في العالم العربي) تم تحييد عقله وأسئلته، وتحويله إلى جهاز تسجيل، حتى إن الأدب الذي كُتب له كان أدباً توجيهياً وليس محفزاً للأسئلة، كما أن كاتب الطفل مسلوب، فلم يقدم أدباً منطلقاً بل أدبا سجين مخيلة كلسية، وكما عجزنا عن تصنيع لعبة أو فلم كرتون تم اختطاف أطفالنا منذ ذلك الزمن من خلال الألعاب وأفلام الكرتون.. ربما كنت حاداُ عندما قلت تم اختطاف الطفل سابقاً وآنياً، آنيا بصورة الاتصالات وتقدم التقنية والتي أصبح العالم يتغير يومياً، بحيث تحولت الثقافة إلى مادة سائلة تتفلت كل لحظة بما تخلقه التقنية والبرامج المتغيرة يومياً، والثقافة السائلة تحتاج إلى معلمين قادرين على مسايرة الثورات التقنية بمعارفها المستجدة، وهذا يستوجب قلب المثلث، فقد دأب العالم العربي إلى إسناد المواد التعليمية لمراحل تعليم أطفالنا إلى معلمين متواضعين في علومهم، وآن الأوان لوزراء التعليم في العالم العربي إسناد تعليم الأطفال إلى الأساتذة الأكاديميين ذوي التخصص في العلوم الطبيعية، هؤلاء هم من يستطيع إنقاذ أطفالنا من الاستلاب المحموم للتقنية وما تصدره من معارف مستحدثة.


هذه خطوة أولى لتصويب ما يحدث لطفل في المدارس التي أصبحت عاجزة بمعلميها عن اللحاق بعجلة الزمن السريعة والمتغيرة في معطيات المعرفة، ويلي ذلك خطوات جبارة على المعنيين بالطفل تجهيز وإعداد المناخ الجيد لتثمين عقلية ومخيلة الطفل التي لا تُحد، لذا نظراً للثقافة الصلبة التي سادت علينا الإسراع بالطفل الى الثقافة السائلة.

00:00 | 10-05-2026

كيف يفهم من لا يريد أن يفهم ؟

معنى الكلمات بحقيقتها يستوعبها كل واعٍ مدرك لما يدور في معترك الحياة، وغالباً يكون منصفاً لما يقرأ أو يسمع، ومصيبة هذه الحياة أن بها من لا يفهم ولا يستوعب، فيكون في خانة الضرر، تحركة العقول التي تسخره لما تريد، وإن أردت إنقاذ أولئك الناس تعجز عن فعل ذلك ربما لكون مفردتك تفوق مستواهم المعرفي؛ لذلك تكون أحياناً محتاجاً الى لغة بسيطة لتصل إلى العقول «المدرعمة»، والمدرعم كائن تفيض منه الحمية الغبية الدافعة للمشاركة فيما لا يجب فيه المساندة، وغالباً تكون هذه الشخصيات عمياء لا ترى، أو تكون مؤلبة على دولة أو جماعة أو فرد، فتشارك تأييداً بما لا تعرف، وهناك نوع جُبل على الحسد، أو نوع من المحرض الذي لا يطيب له نجاح أي شيء ويرغب في التأليب، وهناك نوع من الإمعات تُسير بالدفع.. ومواقع التواصل أصبحت مواقعاً للزج بمثل هذه النوعيات؛ ولأن المقالة تستهدف هذه النوعيات ستكون بسيطة تُفهم من لا يفهم؛ ولذلك سأبدأ بهذه الجملة: يا اخونا اش في؟


أليس في جعبة الأحقاد من هدف إلا السعودية؟ ولماذا؟


هذه هي السعودية لم تخذل بلداً عربياً بتاتاً، وهي التي صبّت أموالها وجهودها لإنقاذكم، وهي التي ساندت توجهاتكم من غير تدخل بتاتاً، فهي تساند ولا تتدخل، فقاعدتها المشهورة والمضمرة تنص على أن كل بلد عليه تدبر أموره بما يرضي شعبه، كما أنها لا تفرض على الآخرين أخذ موقف دولي معها، أو ضدها، كما أنها لا تفرض نوعية علاقات البلدان بعضها مع بعض، سواء كانت تلك العلاقات مع أصدقائها او أعدائها، فالكل يعمل وفق مصالحه الوطنية، وإن أرادت دولة شقيقة إقامة علاقات مع دولة تقف موقفاً مغايراً لسياساتها فهي لا تمانع ولا تتخذ موقفاً معترضاً لتلك العلاقات، فالسعودية تعلم يقيناً أن علم السياسية يسعى في المقام الأول لتحقيق المصالح الوطنية؛ ولذلك ليس لديها موانع أو حواجز من أي علاقات تقوم بين البلدان بعضها ببعض.. آهه خلاص انتهينا من السعودية، لنلتفت إلى من يهاجمون السعودية في كل شيء، يصبح السؤال: لماذا؟


السعودية دولة سعت من البدء على تقديس العمل، وبذل قصارى الجهد لجعل بلادها بلداً ينمو في كل فترات زمنية نمواً صحيحاً، ففي كل فترة تبني على بناء من سبقها، ولا ترتهن على الاسترخاء، رافضة من مواطنيها التراخي، رافعة شعار: نحن لا نعرف التثاؤب.. فحققت النجاحات المتوالية، فلماذا يتم تحميلها تقاعس الدول الشقيقة لها؟ إنّ ثراءها جاء من استغلال مواردها الطبيعية والبشرية، وتمكين كل مصدر من مصادرها؛ لكي ينمو ويحقق الأهداف المرسومة له، وحين كانت تنمو لم تغفل أشقاءها فقد أنفقت أموالاً طائلة لمساندتهم، إلا أن تلك المساندة ظنها البعض ديناً يستوجب على السعودية دفعه سنوياً، وهذا فهم قاصر لدى الأشقاء، فالسعودية لن تظل طوال الزمن تنفق على متقاعسين، ليس لديهم الطموح في إخراج بلدانهم من الفشل الدائم، وقد علم الجميع أن ثراء السعودية جاء من مصادرها الطبيعية والبشرية، وهذه المصادر موجودة لدى كل دولة من دول أشقائنا، فلماذا لم يتم استغلال مصادرهم- مهما كانت ضئيلة- الاستغلال الصائب؛ لكي تخرج بلدانهم من أزماتها وضيقها الدائمين، ثم هل تلام السعودية في استثمار أموالها بالكيفية والكمية التي تريد، هي تنفق من سعة لكي تواصل النمو المطرد، فاللوم يكون جائزاً لو أنها ركنت لثرائها ولم تعمل على استثمار أموالها، وهي تستثمر في جميع المجالات ذات النوعية الدافعة نحو المستقبل، تستثمر لكي تكبر وتكبر وتقارع الدول العظمى في الجوانب ذات القيمة الفاعلة والمؤثرة، فكان لجهدها الجبار أن وضعها ضمن المجموعة الـ20 وهي الدول المسيرة للعالم، فهل يكون هذا الإنجاز محل لوم أو حسد؟


وبعض الحساد مصابون بالعمى، فيغلقون أبصارهم ويتذكرون الماضي بأنهم ساهموا في بناء السعودية كعمال ومعلمين ومستشارين، ويغفلون أن هؤلاء جاءوا طلباً للرزق، وكان فضلاً من السعودية أن قبلت بهم مساهمين في البناء مقابل أجر جعل منهم أثرياء، ويقول المثل: «من جاور السعيد يسعد».. طيب وبعدين، هل تريدون من السعودية أن تستقر على الأرض؛ لكي تكون دولة متقاعسة لا تتحرك إلى الأمام، ثم تطاولكم على السعودية في سياستها الداخلية أو الخارجية، ماذا يفيدكم؟ وإن قلتم إنه يتم حلب بلادنا حين أرادت استثمار المليارات، فهذا ليس من حقكم، فالسنوات السابقة دفعنا المليارات، وكان عائد تلك الاستثمارات أموالاً تفيض عما تم استثماره، وبعدين السعودية حرة ( إن شاء الله ترمي فلوسها على الأرض، أنتم اش دخلكم)، صاحب المال حر في ماله.


السعودية في نموها واستثمارها دخلت بجهدها إلى مجموعة الـ20، ولا يزال أمامها أحلام ضخمة تسعى لتحقيقها.. ليتكم تتخلصون من أحقادكم، وتوفرون نصائحكم لبلدانكم؛ لكي تخرج من فشلها الدائم، وتقف أمام بوابات النجاح.. السعودية أصبحت نموذجاً فاخراً للعالم العربي والإسلامي، وعلى كل شعوب الأمتين المفاخرة بالسعودية، التي خرجت من بينهم بلداً يقارع كبار دول العالم تقدماً وتطوراً، واستثمارا، وتقنية، وعلماً.


آخر القول، إلى أولئك الذين يتقاذفون الكلام الفارغ: استوعبوا أن السعودية تعمل لمواطنيها؛ لكي يكونوا أسياداً بين الأسياد.

23:44 | 6-05-2026

المفردات تصل بك للضجر..

السأم، أو الملل، أو الضجر كلها مرادفات تنتهي بمفهوم الضيق وتفقد البعض الاهتمام بما هو عادي ومكرر في نفس الحالة، وكل كلمات التخفيف تنشف من غير ترك بلال لمن تواسيه، نحن ندور في فلك ينتهي العمر وما زلنا ندور به، ولذا علينا التخلص من ضجرنا فما هو حادث حادث، ولن تصل بعمرك القصير إلى تصفية كدر الدنيا، ولكي لا تفقد عقلك اهرب إلى حقول الفن.. جملة قلتها ذات يوم وأوصيت بها الأصدقاء في مواقع التواصل، فالفن يمتلك التعويذة التي تنجيك من قساوة الواقع، كل منا يعيش حياة باردة، وعادية أحياناً، وأحياناً يتم الاتفاق على صياغتها من خلال الأحداث المكررة، ويكون حالك وفق الدور الذي وجدت نفسك فيه، دور له مسؤوليات تحرص على أدائها بكفاءة المحب لدوره، ذاك الحب الذي نما بالعشرة، والذي طوّقك بالمثالية المثلى في التناسق والتناغم مع خطوات أيامك، هي حياة مثالية في نظر الآخرين، ومثالية في نظرك أيضاً، وحين تلجأ إلى الفن كمنظار يمنحك الأبعاد الحياتية للناس، فكل حكاية تختلف أبعاد مقياسها، ويكون البعد الرابع هو الفارق في حكايات الناس، بُعد يجلي ما ران على حياتك، يقشع العادي، ويريك لوناً زاهياً لم تعتد عليه في أيامك السابقة، الفن (جلاية) وقد يكون أداة تغيير للأفكار، أو الحالة النفسية التي دأبت على الظهور بها كحالة توازن في أعين من هم حولك، نحن في حالات خلاف بين الظاهر والباطن، الباطن هو كنزك الخاص الذي لا يعرفه إلا أنت، وأحياناً يغيب عنا، يظهر جلياً حين تتفرد بذاتك من خلال رواية أو لحن، أو فيلم، يحدث ذلك أثناء توحدك بما يتجسّد فناً، يلامس أعماقك، فجأة تجد نفسك تتطابق مع خيال المنشئ للرواية أو المجسّد لحالة أبطال الفيلم، أو متماهياً مع لحن أجتث المكررات الخبيثة التي عشت بها، الفن يمنحك حيوات الناس، فتتنقل من حياة إلى حياة، فتجد من يشبهك ومن يختلف عنك ومن هو خارج تفكيرك، أو من يكون نافذة لحياة حلمت بها طويلاً، ولم تصل إليها.. ووصيتي للهروب إلى حقول الفن صادقة حين تكتشف أن لك حياة لم تعشها بعد، والانتقال إليها يحتاج عمراً إضافياً، نحن نتحاج أعماراً إضافية لكي نعيش وفق الصورة المجسّدة قرائياً أو بصرياً أو شدواً، هذا يذكرني بالحوارية التي تجاذبتها مع موسى محرق (رحمه الله)، كانت حوارية حول العمر القصير الذي يمضي وأنت تؤدي دوراً وجدت نفسك فيه، وواصلت مشوارك من غير التفكير بافتراق العمر عما تتخيله في أعماقك.. اكتب هذه المقالة بعد مشاهدة فيلم (برا المنهج)، الذي أكد أن خصلة الكذب تؤدي بك إلى حياة كاذبة تواطأ الجميع على تصديقها إلا أن جماليات الفيلم يدفعك للخروج من تلك الخصلة وتصويب حياتك على قضبان الصدق، والسؤال: متى يمكنك الخروج من الحياة الكاذبة؛ لكي تلتصق بحياة تحلم بها في داخلك ولم تصل إليها؛ لأن العمر قصير لا يفي بأي تصويب، ولا يفي في أن تعيش عيشة من جديد.

00:12 | 6-05-2026

جنون عسكرة العالم

ذات يوم تساءلت:


هل حنّ العالم الغربي للاستبداد؟


فالتاريخ لا ينسى أوراقاً مخبأة، أو أوراقاً مكشوفة، فأوراق الحربين العالميتين مكشوفة، كما أن خروج نتائج الحرب الثانية كفيل في إظهار ذلك الاستبداد. والسؤال السابق ليس ساذجاً، بل عودة إلى طبيعة السلطة، فالاستبداد سمة، وعنصر جوهري في تركيبة السيطرة، ومنع أي معارضة تنشأ بين المجاميع.


والعالم الغربي وصل إلى المرحلة المتقدمة في إنشاء أنظمة ديمقراطية تمكّن الفائز في الانتخابات من اعتلاء سدة الحكم، إلا أن هذا الانتخاب يمكن أن تشوبه مغالطات كثيرة، ومع ذلك ثمّة ارتضاء بالنتائج، وأي طرف من أطراف المتنافسين للوصول إلى السلطة يحمل في جوهره الذاتية أو جوهر دولته. فجوهر الاستبداد يظل قائماً سواء لدى الفائز أو المهزوم.


ومناقرة أي متنافسين على السلطة (في العالم الغربي) تمثّل شكلاً من أشكال الصراع الناعم المتحضّر، ومهما كانت نعومته فالمستخلص منه بحث الطرفين عن السلطة للسيطرة (الاستبداد)..


ولأن الحكم حكم الأحزاب اليمينية (في أغلب الدول الغربية) نلحظ الجانب الاستبدادي، وإن غُلِّف بغلاف الديمقراطية، فأنظمة أحزاب اليمين قامت بعسكرة دول العالم، والنظام العسكري لا يقبل بالديمقراطية، ولأن شعار الديمقراطية ترسّخ في أذهان أفراد ودول العالم الثالث أو الرابع، ظلت تلك الدول على إيمانها بأن الدول الغربية دول ديمقراطية.


تغيّر الوضع الآن، وأعتقد أن من يحكم العالم ليس له شكل ديمقراطي أو شوعي أو مختلط، الحقيقة أن من يحكم الدول هي المصلحة الوطنية (في جميع دول العالم)، فليتم مجاوزة المصطلحات السياسية القديمة، والارتهان للواقع المعاش، وإن تراءى لك أن الديمقراطية أفل نجمها فذاك هو الأمر الصائب.


إذاً، لنصل إلى قناعة بأن جوهر الاستبداد (العسكرة) ناقض للديمقراطية الغربية، فهذا هو النظام الدولي راهناً أو مرحليّاً.. ربما يكون هذا تبسيطاً مخلاً، إلا أنه يمكن التأكيد أن السلطة- في أي مكان- ما هي إلّا قوة تبحث عن السيطرة ومصالحها الوطنية، بغض النظر عن القيم والمبادئ التي تحاول جذب العالم إلى ميزان العدل.


وأعتقد أن ليس هناك ميزان للعدل أمام المصالح الوطنية، التي تجب كل القوانين والأنظمة والأعراف لصالحها، وفي هذا درس حقيقي لجميع دول العالم بأن الاستبداد مهما كان هو نتاج البحث عن المصلحة، ومن باب أولى حماية مصالحك بالمهادنة إن كان هناك قوة ساحقة، والمهادنة ليست خوفاً، بل ذكاء يمكنك من الانحناء في وجه العواصف المدمرة.

00:36 | 5-05-2026

أطفال سجناء..!

أعرف تماماً أن تكاليف الحياة باهظة، وأيضاً شهوة الشراء مرتفعة جدّاً في زمن الاستهلاك المميت حتى إنّ الإنسان يدخل نفسه في قروض بعيدة المدى توصله إلى الضيق أو السجن، ومثل هذه الحالات لا بد من إيجاد آلية معينة تقود الناس إلى مفهوم الترشيد أو خلق نمط معيشي شعبي يحقّق الحد الأدنى من الاستهلاك أو إحداث مكنة إعلامية تحارب الاستهلاك المفرط، الذي يقود الفرد أو الأسرة إلى حياة استهلاكية تنتهي بحياة القرض وتسديد القرض، وفي هذه الزاوية كتبت مقالاً بعنوان «بيع الجمل يا علي واشتري مهرٍ إلي!»، يشير إلى وصول الاستهلاك مداه، وفي المقابل لهذا الاستهلاك أوجد التجار أو المؤسسات الربحية أفكاراً تدعمه بصورة فاحشة، الكارثة تلك المؤسسات سهّلت قضية الاقتراض بصورة تفشّت لدى الأطفال أو المراهقين، أتذكر أنني كنت في جلسة وديعة حضرها الأطفال والمراهقون وكذلك ذووهم..

دار الحوار حول اندفاع الشباب والأطفال لشراء ما يريدونه من غير الحاجة للسلعة المشتراة، وقصور دخولهم عن تغطية ثمن تلك السلع، إحدى (المفعوصات) قالت: ما دام هناك (وذكرت منصات) تعطيك قرضاً من غير فوائد فلا مشكلة!

واكتشفت من خلال الجلسة أن جل الحاضرين (من الشباب والأطفال) يشترون بالاقتراض حتى إنّ كان السداد على دفع ومن غير فوائد، إلّا أن النتيجة في المحصلة العامة تدخل في باب الخطر الشديد على حياة هذه الفئات، ولو تذكرنا طفولتنا كانت النصيحة الأولى لا تبدأ حياتك بالاقتراض، واكتفِ بمد (كراعينك) بما يتناسب مع لحافك، ويبدو أن الشباب خرجت أقدامهم من تحت «اللحف» كلها، حتى وصلت الى شوارع المولات المختلفة.

أعرف تماماً أن الحياة غدت مكلفة، وباهظة التكاليف (كما قلت)، وأن ظاهرة الاستهلاك عمّت وشاعت، وليس أمام الناس إلا باب وحيد، هو باب الاقتراض، فاندفع الناس زمراً وأفراداً نحو ذلك الباب، ومع ذلك الاندفاع لم يعد مهماً ارتفاع نسبة الاقتراض ما دام الفرد يستطيع تحقيق رغبته في الشراء.. وهذه الرغبة أصبحت شاحنة تهرس الناس على قارعة الطريق.. وأعتقد أن الدعوة إلى الترشيد لن يسمعها أحد، فداء الاستهلاك عطل كل الحواس. نعم، ارتفعت نسبة الاقتراض، وارتفع معها نسبة الاستقطاع.

ونتيجة هذا الوضع السالب انعكست على حياة الناس كحياة مخنوقة بالديون لسنوات طويلة، والأمر يحتاج الى إفتاء رجال الاقتصاد لاستخراج الحلول التي يمكنها من استقرار حالة الفزع الممكن حدوثها في الحالة المعيشية للناس،

وهذا يستوجب تنبيه المستشارين للتدخل لإبقاء الأنفس مطمئنة من خلال الحلول التي تحمي حياة الناس من الارتهان للقروض.

وإذا كان الاستقطاع ثلث الراتب خلّف وراءه بقاء الأفراد لسنوات طويلة مساجين من أجل السداد للبنوك، طبعاً ليس سجناً عاماً كما تشير الجملة، وإنما السجن استعارة لضيق منافذ الحياة بسبب الدَّيْن، وتتضاعف المشكلة حينما يغازلك بنك ما بأنه سيقرضك ما دام راتبك يمكن له احتمال دَيْن إضافي.

هذه الحالة مرت على الكثيرين، الاقتراض والسداد، وتكملة الشهر في حالة اختناق، ويأتي الراتب ليطير في أيام عدة، مرت هذه الحالة بأناس كثر، الجديد أن الأطفال في حالة اقتراض من تلك المؤسسات المفتوحة على الغارب، طفل يقترض ويسدد من مصروفه الخاص إن كان له مصروف، بمعنى آخر أن الأبناء مساجين لهذا الاقتراض، فحالة الاقتراض اتسعت لتصل إلى أطفال ما زالوا في السنوات الأولى من حياتهم.. أليس هناك من حل لآفة الاستهلاك، والاقتراض لحاجة ومن غير حاجة؟

والله والله ثم والله إنّ الحالة تخرج نفسك من تجويف صدرك!

00:18 | 4-05-2026