لا يمكن المزايدة على مقولة الدكتور جمال حمدان بأن عبقرية المكان تخصّ السعودية دون سواها من الأماكن، وليس في ذلك غضاضة إن أردنا المقارنة، فإن سبق الدكتور جمال حمدان بصك مصطلح «عبقرية المكان» سبق لغوي، وليس جغرافياً بالمعنى الدقيق، فالسعودية قارة جاءت جغرافيتها في قلب العالم.

وكانت مجاورة للحضارات القديمة، وبعض تلك الحضارات أصبحت ضمن أراضيها في الخارطة الجغرافية والسياسية، كما أن مكة المكرمة هي مركزية الأرض (حتى إن قيل إن هذا المفهوم مفهوم ديني)، إلا أنني استخدم مصطلح عبقرية المكان وفق ما ذهب إليه بعض الأدباء والاستراتيجيين الذين تخصصوا في الجغرافيا السياسية، وهي مقاربة أرى فيها موقع السعودية.

وربما أقتفي (ميشيل بوتور) الذي وظّف هذا المصطلح في الجانب الروائي كما أفعل في رواياتي حين أحول المكان إلى بطل بين الشخصيات والأحداث.

والأمكنة تمثّل دوراً فاعلاً نشطاً في مسيرة الأحداث، والسعودية مكان نشط عبر التاريخ، وهذا ما يجعل مكانها عبقريّاً وليس هامشيّاً.

وإن أردنا الانحياز إلى مفهوم التمكين، وتكريس عظمة المكان، فالسعودية تصنع ذلك من خلال الاستراتيجية السياسية الآن.

وإن كان المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي قد اتخذ المكان مدخلاً وفق العقائد والحضارات والثقافات، فيمكن القول إن السعودية كانت المحطة الأخيرة لتلك العقائد من خلال المفهوم الإسلامي الذي احتوى تلك الرسالات كرسالة أخيرة جامعة لما سبق من عقائد.

وعلى مستوى العمق التاريخي فمكة تمثّل ذلك العمق، فهي أول بيت وضع للناس، وهو بيت قصده كل الأنبياء، وكل الأعراق..

إذاً، ما كتبته هنا خاضع لمفهومي للمكان وعظمته، فالعظمة استمرارية في رفعة المكان، والاستمرارية تبدأ من نقطة البدء إلى آخر نقطة في التواجد البشري.