أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/225.jpg?v=1764231772&w=220&q=100&f=webp

حمود أبو طالب

د. زهير الهليس.. تتويج للوطن والإنسانية

في ممرات وردهات وغرف المرضى بمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بالرياض كان ذلك الجراح الهادئ يلفت أنظارنا ويجعلنا نتساءل فيما بيننا: متى يعود هذا الطبيب إلى منزله ومتى يرتاح، وكيف يستطيع أن يدير كل مهامه الكثيرة المتشعبة بانضباط وإتقان. كنا مجموعة من الأطباء الخريجين الجدد الذين أتيح لهم الالتحاق بالمستشفى، وكنا نتذمّر من ضغط العمل وكثرة المناوبات رغم محدودية المهام الموكلة لنا كمبتدئين، بينما ذلك الجراح الهادئ، يلقننا درساً مهماً بأن مهنة الطب لا وقت محدداً لها، فإما أن تكون لها بكل وقتك وجهدك أو لا تكون.

هكذا كان وما زال البروفيسور زهير الهليس بعد أكثر من 48 عاماً وهو يصافح القلوب المتعبة، ويمنحها علمه وحبه وخبرته ووقته. تراه في غرفة العمليات كأعظم مايسترو يعيد النغم الطبيعي الجميل للقلوب المعطوبة، ثم يستمر صديقاً راعياً لها، في علاقة حميمية دافئة. وأي صداقةٍ عظيمة تلك التي تنشأ بين قلب مريض وطبيب لامسه وتجوّل بين شرايينه وحجراته ومنبع النبض فيه!

استمر البروفيسور زهير الهليس يعمل بصمت وإنكار للذات، وقته كله لمهنته وأبحاثه. أنجز إلى الآن أكثر من 25 ألف عملية قلب، وقام بتأسيس أول سجل لأمراض القلب الخلقية في الشرق الأوسط، وقام بتطوير مركز عالمي متكامل للقلب في المستشفى التخصصي، بالإضافة إلى تدريب أجيال من الجراحين، والمساهمة في تأليف كتب مرجعية في أمراض وجراحة القلب. ولم يتوقف عطاء الدكتور زهير داخل وطنه، فقد قاد إلى الآن أكثر من 60 مهمة جراحية خيرية وتعليمية في أكثر من 20 دولة.

لكل ذلك وأكثر منه، نال تكريماً عالياً من وطنه بمنحه وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى عام 2007، ونال تقديراً أكاديمياً عالمياً بانتخابه رئيساً للجمعية العالمية لجراحة قلب الأطفال وقسطرة القلب الخلقية كأول سعودي وعربي يتولى هذا المنصب. وماذا بعد كل هذه الاستحقاقات العظيمة؟. هناك شيء جديد استحقه الدكتور زهير مؤخراً بكل جدارة، فقد تم تتويجه بجائزة الإنجاز مدى الحياة لعام 2026 من الكلية الأمريكية لأمراض القلب «تقديراً لمسيرته في تطوير جراحة القلب، وإسهاماته العلمية والتعليمية التي أسهمت في الارتقاء بالرعاية القلبية داخل المملكة وخارجها»، وقد تم التتويج خلال الاجتماع السنوي للكلية بحضور نخبة من قيادات أطباء القلب في العالم.

أشعر بزهو عظيم وأنا أتحدث عن أستاذ تتلمذتُ وأجيال كثيرة غيري على يديه. وليست هذه المرة الأولى التي أتحدث فيها عنه، فقد اتصل بي قبل بضع سنوات صاحب صالون الإثنينية الشهير في جدة، الوجيه الأديب الشيخ عبدالمقصود خوجة، رحمه الله، يطلب مني تقديم الدكتور زهير الهليس في حفل احتفاء الصالون به، بحضور جمع كبير من الأدباء والمثقفين والإعلاميين ورجال العلم ووجهاء المجتمع. وللمرة الأولى شعرت أني سأرتبك أمام هيبته لو قدمته ارتجالاً رغم اعتيادي على المنابر، فاضطررت لكتابة تقديمي له، محاولاً سبر عمقه الإنساني قبل علمه، ومنظوره الخاص في التعاطي مع مهنة الطب، وفلسفته في التعامل مع القلوب الموجوعة كإنسان قبل أن يكون جراحاً يُعمل مبضعه في أنسجتها.

مبروك بروفيسور زهير.. مبروك لنا.. مبروك للوطن.. مبروك للإنسانية.

منذ يوم

بعض ما كشفته الحرب

الحرب الدائرة الآن، وقد تجاوزت شهراً من الزمن، أفرزت بعض الحقائق المهمة، أو أنها جعلتنا نكتشف هذه الحقائق، في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى الفكرية والثقافية، على مستوى دول الخليج والدول العربية. هذه الجوانب جديرة بالتأمل، لا سيما وأن الحرب كانت مباغتة، وكاشفة لكثير من الأمور.

من أهم ما كشفته هذه الحرب، أن مسارات التنمية في دول الخليج، بحسب حجم كل دولة وإمكاناتها، كانت تنمية حقيقية استثمرت الموارد من أجل جاهزية كاملة لمواجهة التحديات. لم تكن تنمية شكليات ومظاهر بقدر ما كانت تنمية بنى تحتية صلبة، وشرايين ربط شاملة، وقدرات عسكرية وأمنية عالية، تجلت في امتصاص كل ما تقوم به إيران من هجمات مستمرة منذ الثامن والعشرين من فبراير إلى الآن.

كما أظهرت الحرب ثقة عالية لشعوب الخليج في سياسات دولها، وهي سياسات أثبتت حكمتها وبعد نظرها في مواقف مفصلية سابقة، وما زادتها الأزمات الدولية المختلفة إلا نضجاً وبراعة في التعامل مع الأحداث. نحن نلمس منذ بداية الحرب إلى الآن إتزاناً كبيراً لناحية التصريحات الدبلوماسية والأداء السياسي، وتوازناً في المواقف تجاه كل الاستفزازات التي تريد إقحام دول الخليج كطرف مباشر في الحرب، لكنها لم تفعل إلى الآن مع احتفاظها بحق الرد الذي يكفله القانون الدولي. هي لا تريد الحرب لأنها تسعى دائماً إلى السلم والسلام والاستقرار لكافة دول العالم وشعوبها. الحروب محرقة للتنمية وللاستقرار، والدول العاقلة لا تنخرط فيها إلا إذا استنفدت كل الوسائل الأخرى، وطالما نحن قادرون على امتصاص ما يحدث لنا بأضرار ليست كبيرة فذلك ما يزال الخيار الأفضل حتى الآن.

وفي المقابل، كشفت الحرب بعض الدمامل الفكرية في الوسط الثقافي والإعلامي العربي، بقية من بقايا فكر قديم ثبت فساده وضرره على الأمة العربية وكلّفها كثيراً في أزمات سابقة، والآن يحاولون استحضاره بدافع البغض الدفين لدول أثبتت جدارتها بالوصول إلى مراحل متقدمة من التنمية البشرية والمادية، دون شعارات مخدرة. أصوات بغيضة لم نتوقع أنها تنحاز لمن يهدد أمن دول عربية وقفت بصدق وصلابة مع كل القضايا العربية.

سوف تنتهي هذه الحرب عاجلاً أم آجلاً، وبعد نهايتها هناك كثير من الأوراق يجب إعادة ترتيبها، وكثير من المفاهيم تتطلب إعادة صياغتها.

الشيء الثابت والمبهج، أن دولنا الخليجية أثبتت أن شعوبها على قدر كبير من المسؤولية والوعي والإدراك، وأن علاقتها بقياداتها مبنية على الثقة المطلقة في كل القرارات التي تتخذها، وهذا هو مصدر الأمان الذي نشعر به في مواجهة كل الأزمات.

منذ يومين

من مهلةٍ لأخرى.. نحن المتضررون

ما بين مهلة وأخرى يقدمها الرئيس ترمب لإيران يزداد المشهد ضبابيةً وتعقيداً، ويتدني منسوب التفاؤل في الوصول إلى نهاية للأزمة الخطيرة التي تهدد منطقتنا بشكل غير مسبوق. معنى النهاية في حد ذاته ما زال غامضاً وغير متفق عليه، أو لنقل إن كل طرف ينظر إليه من منظوره الخاص وأولوياته. دول الخليج موقفها واضح، فهي تريد وقف الاعتداءات الإيرانية المستمرة عليها، وضمان عدم تكرارها مستقبلاً، والتعايش مع نظام إيراني يحترم القوانين التي تنظّم العلاقات بين الدول وتمنع التدخل في شؤونها بما يضر بأمنها، تدخلاً مباشراً أو غير مباشر، بينما الغاية الأساسية لبقية الأطراف في هذه الأزمة غير واضحة، وبالتالي يصعب استنتاج معنى النهاية للحرب بالنسبة لها.

الرئيس ترمب أعطى مهلة 48 ساعة في البداية بعد تهديده بتدمير منشآت الطاقة الإيرانية، وفجأة امتدت إلى خمسة أيام، ثم مددها لعشرة أيام، تنتهي يوم الإثنين 6 أبريل 2026، الساعة 8 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة. ويؤكد ترمب أن هناك مفاوضات مع إيران تبعث بصيصاً من الأمل، أكدتها دول تقوم بهذه الوساطة، بينما المسؤولون الإيرانيون يبدون إلى الآن موقفاً متصلباً في تصريحاتهم لا يوحي بتوجه جاد نحو مخرج للأزمة عبر المفاوضات، بل إنهم ينفون أحياناً وجودها. قائمة المطالب الـ 15 التي قدمتها أمريكا لإيران واعترضت عليها لا ندري هل ما زال التفاوض على أساسها أم تم تعديلها، وفي آخر خطاب للرئيس ترمب مساء الجمعة 27 مارس في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في مدينة ميامي لم يذكر معلومة واضحة محددة نعرف منها كيف تمضي الأمور، وما هو الموقف الآن بشأن المفاوضات.

وعندما نقول إن التفاؤل بنهاية قريبة ليس كبيراً فمرد ذلك هو الأنباء التي تتحدث عن تحريك قوات أمريكية بغرض الإنزال في جزر إيرانية، ما يعني اشتباكاً مختلفاً بين الطرفين قد يدفع إيران إلى إشعال حريق هائل في جوارها، كما هدد المسؤولون عن إدارة الحرب فيها، وذلك ما ستكون نتائجه في غاية السوء إقليمياً وعالمياً.

مقاربة الحلول أصبحت صعبة في ظل غموض الهدف الأمريكي الإستراتيجي الحقيقي من هذه الحرب، وتعنت إيران في تقديم تنازلات تساعدها لنزع فتيل ما هو أسوأ، وتتيح إمكانية الوثوق برغبتها في تفاديه. أما إسرائيل فهي الطرف الذي لا يريد للحرب أن تنتهي حتى تحقق الهدف الخاص بها الذي تطمح له من خلالها، ولن يعجبها أي توجه لإنهاء الحرب. بينما المؤكد من كل ما يجري، أن دول الخليج هي المتضرر المباشر، حاضراً ومستقبلاً، إذا لم يتم إيقاف الحرب في أسرع وقت، أو إذا كانت هناك مقاربة أمريكية لنهاية الحرب لا تضمن استقرار أمنها، سواءً من اعتداءات إيران أو من ترتيبات ما بعد الحرب.

00:16 | 29-03-2026

لا نريد الحرب.. ولكن!

مساء الثلاثاء الماضي، بثّت وسائل الإعلام المختلفة تصريحاً لمصدر مسؤول مفاده: «أكد مسؤول سعودي رفيع في وزارة الخارجية السعودية، أن بلاده سبق أن نفت المزاعم التي تحدثت عن تفضيل القيادة السعودية إطالة أمد الحرب الجارية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى». وربما نستنتج، أن هذا التأكيد الجديد يأتي رداً على الأخبار المزيفة التي تنشرها بعض وسائل الإعلام الأجنبية، ومنها صحف ومحطات أمريكية دأبت على اختلاق معلومات غير صحيحة وفبركتها في أخبار لا يمكن أن يصدقها من يعرف جيداً سياسة المملكة، ولكن في مثل هذا الوضع المتأزم الذي تمر به المنطقة يبدو أن المسؤول السعودي الذي أدلى بالتصريح يهدف إلى تأكيد المؤكد، وكشف الأخبار المغلوطة المتكررة. وقد استرجع بعض المغردين السعوديين، بالتزامن مع التصريح، تغريدة قديمة لسمو وزير الخارجية يشير فيها إلى صحيفة أمريكية شهيرة وموقفها غير الجيد آنذاك من سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بتزييف بعض الأخبار عن المملكة. وإن كان ذلك قد حدث في الماضي، فإنه ما زالت بعض الصحف، مثلها وغيرها، لأجندات خاصة بها، تحاول إثارة اللغط تجاه مواقف المملكة حيال قضايا مختلفة.

مثل هذه المزاعم بأن المملكة تفضل إطالة أمد الحرب لا يمكن أن يستوعبها عقل سوي وإدراك سليم. كيف يمكن أن تفضل دولة خيار الحرب وهي التي بذلت جهوداً ومساعي دبلوماسية كثيفة ومتواصلة لمنعها. وكيف يستوي ذلك وهي قد أكدت قبل بدئها أنها لن تشارك فيها، ولن تسمح باستخدام أراضيها وأجوائها للهجوم على إيران، وحتى بعد أن كانت المستهدفة الأولى مع بقية الدول الخليجية بصواريخ ومسيرات إيران.

وبعد نشوب الحرب، كانت الرياض عاصمة حراك عربي وإسلامي ودولي لإيجاد وسائل تكفل خفض التصعيد، وطرح تصورات لإنهاء الحرب، اجتماعات واتصالات متوالية لإنهاء الوضع، من منطلق سياساتها الثابتة بأنها دولة تسعى لتكريس السلم والأمن والاستقرار للمنطقة والعالم، رغم سوء الجار الإيراني ونكثه بالاتفاقيات، وعدوانه الهمجي علينا.

الحرب بغيضة بكل المقاييس، وها نحن نرى آثارها السيئة على الخليج والمنطقة والعالم، لكننا لا نستطيع التعايش مع نظام يصر أن يكون مصدر تهديد دائم لنا، ولا يمكن الوقوف طويلاً كمتفرجين على عدو يستهدفنا، فلصبر المملكة حدود، كما أكد المسؤول في وزارة الخارجية.

00:05 | 26-03-2026

مهلة الأيام الخمسة.. ماذا سيحدث؟

وضع الرئيس ترمب المنطقة والعالم في حالة ترقب وأعصاب مشدودة عندما أعطى إيران يوم السبت الماضي مهلة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز أو قصف محطات الطاقة الرئيسية، وشلّ ما تبقى لديها من عصب الحياة وأسلحة المناورة. وكانت إيران قبل ذلك قد أرسلت إشارة مهمة عندما أطلقت صاروخاً استهدف قاعدة عسكرية بعيدة لتقول إنها تستطيع الوصول الى نقاط تبعد أكثر من 4,000 كيلومتر، وهو الأمر الذي جعل الرئيس ترمب يصعّد من تهديداته لإيران ويستخدم ورقة مضيق هرمز لإشعال الحريق الأكبر في إيران.

وفي ظل هذا التوتر البالغ والقلق المتزايد يفاجئنا الرئيس ترمب بأنه أجّل قراره بالقصف الكبير، لماذا؟ لأن هناك مفاوضات بدأت بين الطرفين، أراد أن يعطيها فرصة لأجل محدود وقصير، لا يزيد على خمسة أيام. الرئيس ترمب قال للمراسلين وهو في طريقه إلى مدينة ممفيس يوم الإثنين:

«أجرينا محادثات قوية للغاية. سنرى إلى أين ستؤدي. لدينا نقاط اتفاق رئيسية، أقول، جميع نقاط الاتفاق تقريباً، ربما لم يتم توضيح ذلك. السيد ويتكوف والسيد كوشنر أجرياها. لقد سارت على أكمل وجه. أقول إنه إذا مضوا قدماً في ذلك، فسوف ينهي ذلك ‏تلك المشكلة، ذلك الصراع، وأعتقد أنه سينهيه بشكل كبير للغاية».

ثمة أخبار أن جهوداً حثيثة قام بها وسطاء بين الطرفين، وربما أثمرت عن هذا التحوّل، وفي الوقت الذي تنفي إيران أي محادثات مع أمريكا فإن الرئيس ترمب يؤكدها. إيران تكابر حتى في الوقت الحرج، ولا تريد الاعتراف بأنها لم تعد تستطيع الصمود والمقاومة بعد الخسارات الفادحة التي مُنيت بها، والدمار الهائل الذي أصابها، والتكتل السياسي العالمي ضد اعتداءاتها الغاشمة على الأهداف المدنية الخليجية وتهديدها باستهداف منشآت الطاقة في دول الخليج إذا ما نفذت أمريكا تهديدها.

مهلة الأيام الخمسة للمحادثات سوف تحبس أنفاس العالم، والسؤال المهم هو هل ستنتهي إلى ما هو أكثر من تأمين مضيق هرمز بتجريدها من السلاح النووي الوشيك، وترسانتها الباليستية، وضمان عدم اعتدائها على دول الجوار بشكل نهائي، أم ستكون صفقة ثنائية أمريكية إيرانية تضع في الاعتبار حسابات وأهدافاً أخرى.

إيران، بطبيعة نظامها وعقيدته وأهدافه، ستظل خطراً وجودياً ما لم يتم إجبارها على الانزواء داخلياً، والكفّ عن تهديد الآخرين، ولكن الأيام القليلة القادمة ستوضح لنا الى أين تتجه الأمور.

00:37 | 25-03-2026

مشكلة الخطاب العربي في الأزمات

لا أعتقد أن هناك شعوباً تستخدم منصات التواصل الاجتماعي بالطريقة التي تستخدمها الشعوب العربية. الطريقة العربية في استخدام هذه الوسائل ظاهرة لافتة تستدعي دراستها من قبل المتخصصين في الإعلام وعلم الاجتماع وعلم النفس. وحتى لا نقع في خطأ التعميم، الذي نطالب دائماً بتجنّبه في أي أمر أو توصيف، فإننا نعني فئات من هذه الشعوب حوّلت هذه المنصات إلى ساحات للاتهامات والتجنيات والتصفيات العبثية عند وقوع أي حدث أو حدوث أي قضية حتى لو كانت فردية أو محصورة في نطاق ضيق جداً. وأما في الأحداث الأكبر فإننا نشاهد اختلاط الحابل بالنابل، وضياع صوت العقل، وفتح جبهات ساخنة للقصف الكلامي المتبادل دون ضوابط، وبتعميم غير منطقي على الشعوب، واستحضار خلافات وأزمات قديمة وإسقاطها على الحاضر، لتنشأ حالة شديدة من الاحتقان ليست في صالح أي طرف.

هذه العشوائية ضارة جداً بالشعوب، خصوصاً في الأوقات غير العادية كالتي نمرُّ بها الآن، والتي تتطلب قدراً كبيراً من الانضباط والمسؤولية، وتجنُّب الاستفزاز وخلط الأوراق، وأكرر أنها تتطلب -بشكل خاص- عدم التعميم ووصم شعوب بأكملها نتيجة تجاوزات لأشخاص بعينهم، أو فئة توظف الأزمات لتصفية حسابات خاصة تتعلق بها، سياسية أو أيديولوجية، أو كيفما كانت، خصوصاً عندما تكون معروفة سابقاً.

لا يُلام أي مواطن أبداً حين يهبُّ للدفاع عن وطنه أو مجتمعه عندما يتعرض لإساءة صريحة من أي شخص، ولكن عليه ألا ينزلق في منحدر الإسفاف في اللغة حتى لو استخدمها الطرف الآخر كوسيلة للاستفزاز. ومن حق أي مواطن أن يردَّ على أي مغالطة ويصحح أي معلومة كاذبة تتعلق بأي شأن من شؤون وطنه، ولكن دون التوسع بالخوض في مواضيع أخرى خارجة عن نطاق موضوع النقاش. وأما فيما يتعلق بالمواقف السياسية للدول تجاه أي قضية فإنها مسألة بالغة الحساسية، فمن ناحية يجب فهم هذه المواقف من المصادر الرسمية فقط، وعدم التسرع بأخذها من أي مصادر أخرى لا سيما أن كثيراً من المصادر في هذا الوقت تفتقد المصداقية والموثوقية. ومن حق أي شخص أن يعلّق على هذه المواقف الرسمية إذا كان له رأي حيالها، ولكن يجب أن يكون الرأي موضوعياً وبلُغة تراعي ضوابط مخاطبة أجهزة رسمية تمثل دولتها.

نحن الآن كدول عربية وليست خليجية فقط في ظل تسارع الأوضاع في منتهى الخطورة، أزمة كبرى ليس من الحصافة أن يعتقد الذين ليسوا في مركزها أنهم بمنجاة من نتائجها القريبة والبعيدة المدى، والعالم يراقب العقل العربي الجمعي كيف يتعامل معها، لذلك يجب أن نرتفع بخطابنا ونقاشاتنا في الإعلام ووسائل التواصل عن المهاترات وبذر الضغائن والانشغال بزوابع صغيرة مفتعلة بدلاً من التركيز على الإعصار الكبير الذي نواجهه.

00:14 | 24-03-2026

الحقيقة التي ستعرفها إيران في اليوم التالي

لا ندري ما هو المنطق الذي يتحدث به الرئيس الإيراني مسعود بزيشكيان في تصريحه الأخير الذي خاطب فيه «الدول الإسلامية وجيراننا الأعزاء» حسب وصفه، قائلاً: «أنتم إخوتنا ولسنا في صدد أي نزاع معكم، المستفيد الوحيد من خلافاتنا هو الكيان الصهيوني، ونسأل الله في ⁧عيد الفطر⁩ أن يمنحنا القوة والوحدة بالعمل بتعاليم ⁧رسول الله⁩ لنيل رضاه». هل يعتقد هذا الرئيس (الصوري) أنه يخاطب عالماً لا يرى ما يحدث، ودولاً يمكن أن تستوعب الأكاذيب والتناقضات التي لا يتوقف عن ترديدها، وهل يظن أن أحداً يصدق أنه صاحب قرار فيما يحدث، لا سيما وقد قدم في مرة سابقة اعتذاره لدول الجوار الخليجي عن استهدافها ووعد بعدم تكرارها، ولم تمض ساعة على اعتذاره حتى زادت كثافة الهجمات عليها، وما زالت مستمرة إلى الآن بتصعيد مستمر.

ورقة دول الخليج التي تحاول إيران توظيفها للضغط على أمريكا لإيقاف هجماتها ليست ضعيفة أو عاجزة عن اتخاذ إجراءات رادعة عندما تقرر ذلك، وضبط النفس الذي تمارسه دول الخليج إلى الآن يؤكد أنها دول تتصرف بحكمة واتزان من أجل عدم تصعيد الأزمة في المنطقة، وإثبات موقفها المبدئي والأساسي الذي أعلنته مع بداية المواجهة بأنها لن تكون طرفاً أو عاملاً مساعداً فيها، لكن منطق الدولة الذي تحتكم إليه دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة، يختلف عن منطق الميليشيا الابتزازية الانتحارية ممثلةً في الحرس الثوري الإيراني الذي يحكم قبضته على القرار في إيران.

قبل يوم أمس، 21 مارس، أصدرت وزارة الخارجية السعودية بياناً أعلنت فيه عن إشعار الملحق العسكري الإيراني ومساعده وثلاثة أشخاص من طاقم البعثة بمغادرة المملكة واعتبارهم أشخاصاً غير مرغوب فيهم وعليهم مغادرة المملكة خلال 24 ساعة. وأشار البيان إلى أن هذا الإجراء تم اتخاذه؛ لأن «استهداف المملكة وسيادتها والأعيان المدنية والمصالح الاقتصادية والمقرات الدبلوماسية، يعتبر انتهاكاً صريحاً لكل المواثيق ذات الصلة ومبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول واتفاق بكين وقرار مجلس الأمن رقم 2817 ويتنافى مع ما تقوله إيران وتفعل عكسه».

موقف أي دولة إزاء أي انتهاك لسيادتها أو عدوان عليها يتم وفق خطوات معروفة في بروتوكولات العلاقات الدولية، وهذا ما لا تعرفه إيران أو تعرفه وتحاول تجاهله. وعندما تقرر المملكة اعتبار عدد من أفراد البعثة الدبلوماسية الإيرانية في المملكة أشخاصاً غير مرغوب فيهم وعليهم المغادرة خلال 24 ساعة فذلك يعني رسالة واضحة معروفة في الأعراف الدبلوماسية. ولكن عندما يؤكد بيان وزارة الخارجية على أن المملكة: «لن تتوانى في اتخاذ ما يلزم من إجراءات لحفظ سيادتها وصون أمنها وحماية أراضيها وأجوائها ومواطنيها والمقيمين فيها ومقدراتها ومصالحها استناداً على المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة» فإنها رسالة أخرى أكثر وضوحاً يجب أن تأخذها إيران على محمل الجد، ويجب أن تستوعب جيداً أن هناك دولاً لا يجب فهم تعقلها على أنه تردد في حماية أوطانها بأي طريقة عندما يتطلب الأمر ذلك.

ستفهم إيران هذه الحقيقة متأخراً، عندما يحل اليوم التالي وتجد نفسها أنقاضاً بسبب حماقتها، وتكتشف أنها في أمس الحاجة لجوارها الذي مدّ لها كل الجسور لعلاقات إيجابية لكنها أصرت على خسارته.

00:05 | 23-03-2026

ضرورة التفكير خارج السردية الأحادية

مع هدير الآلة العسكرية وصخب التصريحات السياسية تتم إزاحة التفكير إلى منطقة واحدة وحصره فيها. هذا ما يحدث في كل حرب من الحروب التي شهدها العالم في عصره الحديث، ومنها حروب ليست بعيدة عنا زمنياً، رافقها ضخ سياسي كثيف عن أسبابها وأهدافها لكن بعد انقشاع سُحب الدخان ومرور الوقت اتضح أنه لا الأسباب ولا النتائج كانت كما قيلت، ومن تلك التجارب يصبح ضرورياً التأمل في الحرب القائمة الآن على إيران بآلات حرب أمريكية إسرائيلية، وخطاب سياسي تقوده أمريكا.

منذ بداية الحرب ونحن تحت وابلٍ يومي من تصريحات الرئيس ترمب التي لا تتوقف، تتمحور جميعها في التأكيد على ضرورة التخلّص من الشر الذي يمثله النظام الإيراني على العالم والجوار، لكن معنى «التخلص» ما زال ملتبساً بسبب اختلاف التصريحات، مرةً بإزالة النظام تماماً، ومرةً باستسلامه، ومرةً بإزالة مشروع سلاحه النووي ومصانع صواريخه، ومرةً بإضعافه وتحريض الشعب الإيراني للثورة ضده وقيام نظام بديل. إلى الآن لا توجد مؤشرات مؤكدة واضحة تدل على حصر الخيارات في هدف محدد، أو مؤشرات تؤكد ما يردده الرئيس ترمب بأنه تم التدمير النهائي لكامل قدرات إيران العسكرية، فها هي ما زالت تطلق صواريخها على دول الخليج، وخطابها السياسي ما زال متصلباً، ولا نية لديها لحصر المواجهة مع إسرائيل والقواعد والأساطيل الأمريكية التي تنطلق منها الهجمات فعلاً، بينما الرئيس ترمب يؤكد أن الحرب ستنتهي قريباً جداً، وفي اليوم التالي يقول إنها ستطول ولا أفق محدداً لنهايتها.

وفي نفس الوقت الذي يشتد فيه أوار المواجهة بين الطرفين عسكرياً وسياسياً، تفجرت مؤخراً مفاجأة لا نستطيع نحن البسطاء تفسيرها، فلقد سمحت واشنطن رسمياً لإيران ببيع النفط الإيراني العالق حالياً في السفن الموجودة في البحار الدولية، بالإضافة إلى عدم عرقلة ناقلات نفطها من المرور في مضيق هرمز منذ بدء الحرب. العامة من أمثالنا سيقولون إن أمريكا أخذتها الرأفة باقتصاد العالم وأزمة الطاقة في الدول المحتاجة إلى النفط، وأن ذلك لا يعني أن شيئاً ما يحدث خفية خلف الستائر، لكن المحللين الإستراتيجيين في شؤون الطاقة والتموضعات الجيوسياسية ومخططات الهيمنة على المواد الخام لمختلف الصناعات والتقنيات الحديثة، لهم رأي آخر في مسألة السيطرة على الممرات ومنها مضيق هرمز الذي يتصدر المشهد الآن، وكذلك ميزان القوة بين أمريكا ومنافسيها الكبار، ورغبة أمريكا بأن تكون المالك والمتحكم الأكبر والأوحد لاحتياجات العالم من النفط والغاز وكل عناصر الطاقة، حتى لو كان على حساب شركائها وأصدقائها في دول الخليج. هؤلاء المحللون يتوقعون، أو لا يستبعدون، أن هذه الحرب هي مجرد تكتيك مرحلي اقتضته طبيعة الخطة للوصول إلى الهدف الحقيقي النهائي.

مؤكد أن هناك من سيقول إن هذا الكلام جزء من أدبيات نظرية المؤامرة، لكننا نقول إن هذا ما يطرحه كثير من أبرز المحللين المتخصصين، وفي خضم الضبابية والالتباس والأسئلة الكثيرة التي تتوالد، يصبح لزاماً إخضاع كل الاحتمالات للتفكير فيها، والخروج من إطار السردية الأحادية.

00:06 | 22-03-2026

هل تستوعب إيران الرسالة الأخيرة؟

«ما هذا الجنون الذي تفعلونه حقًا، نحن نقوم باجتماع من أجلكم، بينما أنتم تقومون بمهاجمة موقع اجتماعنا، ما الذي تفعلونه حقًا؟». هذا ما قاله وزير الخارجية التركي لنظيره الإيراني عندما اتصل به خلال الاجتماع التشاوري لوزراء خارجية عدد من الدول العربية والإسلامية مساء الأربعاء في الرياض، عندما أطلقت إيران صواريخها على الرياض بالتزامن مع توقيت الاجتماع. ما قاله الوزير التركي يصف بدقة كل ما تفعله إيران، إنه الجنون ولا شيء غيره. وقد علّق وزير الخارجية السعودي على ذلك عندما سأله أحد الصحفيين بقوله: «إن استهداف الرياض⁩ خلال وجود دبلوماسيين من دول خليجية وإسلامية لم يكن صدفة»، أي أنها تعمّدت إيصال رسالة للمجتمعين تؤكد سلوكها العدائي ضد دولهم، وتصميمها على التصعيد، ورفضها لخيار التهدئة.

وعلى أي حال فقد كان الاجتماع الذي دعت إليه المملكة خطوة مهمة وذكية في مسار توحيد المواقف تجاه الاعتداءات الإيرانية، وقد كان البيان الختامي للاجتماع جيداً ومباشراً، لكن الأهم من البيان هو المضامين التي ذكرها وزير الخارجية السعودي في المؤتمر الصحفي، والتي يمكن اعتبارها ملخصاً دقيقاً لسياسة النظام الإيراني وممارساته التي أضرت بكثير من الدول العربية والإسلامية. كانت إجابات الوزير كشفاً لكل مغالطات النظام الإيراني وتناقضاته، وقد كان سموه موفّقاً كثيراً عندما قال «التناقض هو التحدي التأريخي في العلاقات مع إيران». هذه العبارة هي التشخيص الدقيق للداء العضال في فكر وعقيدة وسلوك النظام الإيراني، الذي دمّر مقدّرات شعبه، وأفقده ثقة العالم به.

وبالعودة إلى اللقاء التشاوري الذي يعتبر تحوّلاً إستراتيجياً في التعامل مع إيران، نجد أن الرسائل التي تضمّنها بيانه، وحملتها تصريحات وزير الخارجية، كانت حازمة تماماً وشديدة الوضوح، ومن أبرزها التأكيد على أنه:

«إذا اعتقدت إيران أن دول الخليج غير قادرة على الرد فحساباتها خاطئة»، وأيضاً التشديد بأننا «لن نتوانى لحماية وطننا ومواردنا سواءً سياسياً أو عسكرياً»، وربما هي المرة الأولى منذ بدء الحرب يتم تحذير إيران بهذه الصيغة القوية المباشرة بعد تماديها في عدوانها الذي تحاول عبثاً تبريره بادعاءات كاذبة.

الدول مسؤولة عن أمنها وحماية شعوبها وصون مقدّراتها وعدم انتهاك سيادتها، ربما تتحمّل كثيراً ويطول صبرها وهي تحاول تفادي خيارات لا تريدها، لكنها لا تتردد في اتخاذها عندما تستنفد كل الوسائل الأخرى. ومع كل ذلك نأمل أن تفهم إيران الرسالة الأخيرة جيداً وتستوعب جديتها، وفي نفس الوقت على المجتمع الدولي المسارعة في تفعيل قرار مجلس الأمن رقم 2817 الذي طالب إيران بوقف هجماتها فوراً والامتناع عن تهديد الدول المجاورة، والذي حظي بدعم 136 دولة عضو في الأمم المتحدة، فالوضع لا يحتمل التسويف؛ لأن المنطقة باتجاه خطر غير مسبوق إذا لم يتم تداركه.

00:04 | 20-03-2026

دول الخليج.. الخطر الوجودي والمصير المشترك

تمر دول مجلس التعاون الخليجي الآن بأقسى التجارب وأصعب الاختبارات في تأريخها منذ تأسيس المجلس قبل 45 عاماً. شهدت هذه الدول بعض الأزمات السابقة نتيجة حروب وتقلبات سياسية في محيطها تسبّبت في تهديدات أمنية لها لكنها ليست بمستوى الخطر الكبير الذي يعمّها الآن جميعاً في وقت واحد، الذي تمثله الهجمات العدوانية الإيرانية الكثيفة منذ بدء المواجهة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي أكدت الحقد الدفين تجاه هذه الدول، والشر المضمر الذي يفوق ما قد ظهر، الذي تبيّته إيران لها.

والخطر لا يتمثل في الجانب الإيراني فحسب وإنما أيضاً، وبخطورة أكبر، أن ما يحدث هو أحد تمظهرات صراع أكبر شرس لإعادة تشكيل جيوسياسي في أكثر من منطقة على خارطة العالم، تمثل منطقة الخليج أهمها نتيجة موقعها الجغرافي الحساس، ومخزونها الضخم من حقول النفط والغاز التي تمثل حصة كبيرة من الاحتياج العالمي، وبالتالي فإن الحرب التي تدور الآن، ويتطاير أكثر شررها على دول الخليج، ربما تكون مجرد بداية لمخطط إستراتيجي طويل المدى وأكثر خطورة، يحتاج إلى الانتباه الشديد والاستعداد التام الذي يتطلب بالضرورة موقفاً خليجياً موحداً، واتفاقاً على المصلحة العليا لجميع دوله، وتنحية كل القضايا والملفات الجانبية التي تتخللها خلافات في وجهات النظر، والتركيز على المصير المشترك وما يواجهه من خطر وجودي غير مسبوق.

ومن الأخبار المبشّرة في هذه الظروف الحرجة ما نشرته وسائل الإعلام في اليومين الماضيين عن اتصالات كثيفة أجرتها الرياض مع عواصم خليجية وعربية لتكثيف التشاور والتنسيق حيال «الاعتداءات الإيرانية الجبانة» التي طالت البلدان الست، والتي أكدت من خلالها أن أمن الخليج كل لا يتجزأ، كما تؤكد في الوقت ذاته حرص الرياض على ترسيخ موقف خليجي موحد قادر على حماية أمن المنطقة واستقرارها في ظل المتغيّرات الراهنة. وقد تمّت هذه الاتصالات على مستوى القيادات السياسية والأمنية والعسكرية، وهي مستمرة لتحقيق أهدافها وغاياتها المنشودة.

لقد أثبتت هذه الأزمة بالذات أن دول الخليج كتلة عضوية واحدة، فقد امتدت الجسور سريعاً بينها، براً وبحراً وجواً، في شكل فريد من أشكال التكامل، واستطاعت أن تكون نموذجاً مبهراً في دعم بعضها البعض. ولذلك فإننا نتطلع أن تكون هذه المرحلة المفصلية بداية جديدة تمثل الاستعداد الجمعي لمواجهة أخطار الحاضر ومفاجآت المستقبل.

00:04 | 19-03-2026