«الميراث» حق شرعي ونظامي، تولى الله قسمته بنفسه في سورة النساء، فتأخير القِسمة يؤدي إلى تشعب الورثة، وتداخل الملكيات، وتراكم الإيرادات والمصروفات، والخلافات الأسرية، فتتحول التركة من حق يُحسم بسهولة إلى نزاع يمتد لسنوات.

فالمادة (627) من نظام المعاملات المدنية، قررت أن حق كل شريك على الشيوع في طلب القسمة ما لم يوجد مانع معتبر، والمادة (628) نصت على القسمة عند امتناع بقية الشركاء، ومؤدى ذلك: إن رفض بعض الورثة لا يمنحهم سلطة إبقاء حقوق الآخرين معلقة، فتعذر الاتفاق لا يلغي القسمة، وإنما ينقلها من المسار الرضائي إلى المسار القضائي.

وكل عام يمر دون قسمة الميراث يضيف للتركة مشكلة جديدة؛ فقد يتوفى أحد الورثة وينتقل نصيبه لورثته، وهو ما يعرف عند الفقهاء بـ«المناسخات»، ومن ثمَّ تتغير قيمة الأصول، وتتراكم الإيجارات والأرباح والمصروفات، وعند ذلك لا يعود السؤال: كيف نقسم التركة؟ بل: من استحق؟ ومن انتفع؟ ومن قبض الإيرادات؟ ومن تحمل النفقات؟ فتتحول تركة محدودة الأطراف إلى شبكة متداخلة من الحقوق.

وتكمن المشكلة – حينئذٍ - في أن استمرار الشيوع يجعل كل انتفاع أو إدارة أو تأجير أو صيانة مجالاً محتملاً للخلاف، وهذا أمر مشاهد في المحاكم، لذلك، فإنّ إنهاء شيوع التركة بين الجميع في الوقت المناسب لا يحسم نزاعاً قائماً فقط، بل يمنع نزاعات لم تبدأ بعد.

وأما ما يتحجج به من وجود ديون أو التزامات على التركة فلا يبرر تركها معلقة، بل حصر أصولها والتزاماتها بصورة دقيقة، وقد عالجت المادة (630) من نظام المعاملات المدنية، ظهور الدين على الميت بعد القسمة وطرق علاجها، بما يؤكد أن القسمة عملية قانونية ومالية منظمة، وليست مجرد توزيع للأموال، فالطريق الصحيح هو كشف المركز المالي للتركة ثم تصفية الحقوق وقسمتها.

والمسار الأمثل يبدأ بحصر الورثة وأصول التركة وديونها، ثم تحديد الأنصبة ومحاولة القسمة بالتراضي، فإن تعذر الاتفاق، بقي طريق القسمة القضائية متاحاً وفق النظام وطبيعة المال، وقد أتاحت وزارة العدل خدمات ومسارات إلكترونية لتنظيم إجراءات التركات وتسهيل قسمتها يمكن الاستفادة منها بكل سهولة.

إن بقاء المال دون قسمة يثير مع الوقت خلافات فتنتقل هذه الخلافات لاحقاً إلى أبناء الورثة، فالقسمة العادلة لا تقطع صلة الرحم، بل تفصل بين الحقوق قبل أن تختلط بالعلاقات الأسرية.