بين المنع والعطاء حكمة إلهية؛ فيها دفع للبلاء، واختبار للذات، وتهذيب للنفس. فكما هو العطاء مكافأة تجزى، وغاية المُنى، وتحقيق للمطالب؛ فالمنع ليس دائماً عقوبة، بل حماية من ضرر خفي، أو توجيهاً إلى طريق أفضل.

وتلخص حقيقة الرضا والتسليم مقولة عطاء الله السكندري: «متى رزق الله العبد الفهم لسر المنع، علم أن حرمان ما يشتهيه هو قمة العطاء الذي يحميه من شر قد يجلبه له ذلك الشيء».

وفي صرف السوء عن العبد؛ يقول الحسن البصري: «لا تَكرَهِ الملمَّاتِ الواقعة، والبلايا الحادثةَ؛ فلَرُبَّ أمرٍ تكرهُه فيه نجاتُك، ولَرُبَّ أمرٍ ترجوه فيه عَطَبُك».

ومن أعظم هذه الحكم الابتلاء والاختبار؛ كما جاء في قصة الخضر والغلام الذي قتله، خشية على أبَوَيه أن يحملهما حُبُّه على متابعته في الكُفْر فيكون فيه هلاكهما ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾.

لذا قضاء الله للمؤمن في ما يكره خيرٌ له من قضائه في ما يُحِب؛ فكان المنع وسيلة لاختبار صبر العبد ورضاه بما قسم الله، ليتبين مدى صدق إيمانه وتسليمه لقضاء الله وقدره.

إن الله سبحانه وتعالى يعلم ما لا نعلم، ويرى ما لا نرى، ومن حسن الإيمان أن يثق الإنسان بحكمة الله، فيرضى بقضائه وقدره، ويعلم أن الخير في ما اختاره الله له، فكل ما يقدره الله لعباده المؤمنين يحمل في طياته رحمةً وحكمة، سواء ظهر ذلك فوراً أم بعد حين.

أخيراً

إن أغلق الله باباً في وجهك، فلا تيأس؛ فقد يكون خلف ذلك الباب المغلق خير لا تراه الآن، وسيأتي يوم تدرك فيه أن المنع كان أجمل أنواع العطاء، فليس كل ما نفقده خسارة، وليس كل ما نحصل عليه مكسباً.