ثمة أحداث رياضية تنتهي بانتهاء المنافسة، وأخرى تتجاوز نتائجها لتصنع حالةً كاملة من الرياضة والثقافة والإعلام والاقتصاد، ومهرجان ولي العهد للهجن ينتمي بوضوح إلى النوع الثاني؛ إذ لم يعد مجرد سباق تتنافس فيه الهجن على الكؤوس والجوائز، بل أصبح مشروعاً لإعادة تقديم موروث أصيل بلغة العصر، مع الاحتفاظ بجذوره في الذاكرة السعودية.


وتتجلى قيمة هذا التحول في الرعاية الكريمة من ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، التي أسهمت في منح رياضة الهجن مساحة استثنائية من الاهتمام والتطوير، ونقلتها من إطار الممارسة التراثية إلى منظومة رياضية أكثر تنظيماً واحترافاً واتصالاً بالمشهد الدولي.


وفي النسخة الثامنة، تتجاوز قيمة الجوائز خمسين مليون ريال، فيما تتسع المنافسات وتتطور، وصولاً إلى إدراج «المزاين» للمرة الأولى، بما يعكس اتساع مفهوم المهرجان وتنوع مكوناته.


لكن قراءة المهرجان لا تكتمل من داخل المضمار وحده؛ فثمة مشهد آخر يتشكل حوله، عنوانه الإعلام وصناعة المحتوى، وهنا تبرز البرامج المصاحبة، مثل «نواميس العرب» و«من الطائف» والبرامج التحليلية والميدانية، التي تنقل الحدث من مجرد مشاهدة السباق إلى فهم تفاصيله وقصصه وشخصياته ومكانه.


وتحديداً، فإن البرامج التحليلية تؤدي وظيفة تتجاوز التغطية؛ فهي تمنح رياضة الهجن لغةً إعلامية متخصصة، وتقرّبها من الجمهور، وتفتح المجال أمام قراءة الأداء والمنافسة والخبرة، بينما تمنح البرامج الميدانية المهرجان وجهه الإنساني، وتستحضر حكايات أهل الهجن وصلتهم بهذا الموروث.


وهنا تبرز الطائف بوصفها أكثر من موقع جغرافي للمنافسات، فالمدينة التي ارتبطت تاريخياً بمواسم الحج والأسواق والحركة التجارية والثقافية، تستضيف اليوم أحد أكبر الأحداث المرتبطة بموروث الهجن، ولذلك فإن حضور الطائف في المهرجان ليس استضافةً مكانية فحسب، بل امتداد طبيعي لعلاقة المكان بالموروث والإنسان.


ومن هذا المنطلق، فإن منطقة مكة المكرمة تؤدي دوراً مهماً في احتضان هذا الحدث الكبير؛ فالمهرجان يضيف إلى المشهد الرياضي والثقافي والسياحي في المنطقة، ويمنح الطائف مساحة جديدة لتقديم إمكاناتها وموروثها، ويجعل من الحدث فرصة لربط الرياضة بالوجهة والمكان والاقتصاد المحلي.


وفي الجانب الرياضي المؤسسي، يأتي دور وزير الرياضة الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل بوصفه المكون الرئيس في منظومة التطوير الرياضي التي احتضنت رياضة الهجن ودعمت نموها ضمن التحول الكبير الذي يشهده القطاع الرياضي السعودي، فنجاح المهرجان لا ينفصل عن بيئة رياضية أصبحت أكثر قدرة على التنظيم والاحتراف وصناعة الأحداث الكبرى.


كما تبرز جهود رئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للهجن الأمير فهد بن جلوي بن عبدالعزيز بن مساعد، عراب تطوير المنظومة في المنافسات والارتقاء بالتنظيم وتوسيع قاعدة المشاركة، بما أسهم في ترسيخ مكانة المهرجان وجعله موعداً رياضياً وتراثياً تتجه إليه الأنظار.


والقراءة الأعمق للمشهد أن المهرجان ينجح عندما لا يجعل التراث منافساً للتحديث، بل مادةً له، فالهجن التي كانت جزءاً من حياة الآباء والأجداد أصبحت اليوم رياضة لها اتحاداتها ومضاميرها وجوائزها وإعلامها وجمهورها، دون أن تفقد دلالتها بوصفها رمزاً من رموز الذاكرة الوطنية.


وهنا تكمن التجربة الأهم: أن يتحول الموروث من شيء نحتفظ به في الذاكرة إلى شيء نمارسه ونطوره ونقدمه للعالم.


إن مهرجان ولي العهد للهجن لا يصنع أبطال الأشواط فقط؛ بل يصنع حول الهجن قصة جديدة، تشترك في صياغتها القيادة، ووزارة الرياضة، والاتحاد السعودي للهجن، ومنطقة مكة المكرمة، ومحافظة الطائف، والإعلام، وأهل الميدان.


وهذه ربما هي القيمة الحقيقية للمهرجان: أنه لا يستعيد الماضي، بل يمنح الماضي فرصة ليشارك في صناعة المستقبل.


Dr_alsharifarh@