في زمن أصبحت فيه حياتنا تمر عبر نافذة صغيرة في هواتفنا، لم تعد العلاقات بعيدة عن المراقبة والتأويل. آخر ظهور والعلامات الزرقاء وحالة الاتصال قد تتحول في لحظة إلى أسئلة وعتاب وربما إلى خصام لا يستحق أن يبدأ. رأى رسالتي ولم يرد وكان متصلاً ولم يكتب وقرأ ما أرسلت ثم مضى. هكذا أصبحنا أحياناً نختصر مشاعر الناس في إشارات إلكترونية ونقيس اهتمامهم بسرعة الاستجابة، وكأن التقنية التي قربت المسافات منحتنا أيضاً حق مراقبة أوقات الآخرين. الحقيقة أن الإنسان أكبر من شاشة وأعمق من إشعار، قد يقرأ رسالتك ولا يملك في تلك اللحظة رغبة في الحديث، وقد يكون مثقلاً بيوم طويل أو منشغلاً بأمر لا نعرفه، وربما فتح هاتفه ثم أغلقه دون أن تكون لديه طاقة لخوض حديث حتى مع أقرب الناس إليه. فليس كل صمت جفاء، ولا كل تأخر تجاهلاً، ولا كل حضور في العالم الافتراضي يعني استعداداً للحوار. وأجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان أن يعيش بوضوح أمام الناس، وأن يكون متصالحاً مع نفسه واثقاً بها، فلا يرهقه ما سيقوله الآخرون، ولا يضطر إلى ترتيب ظهوره واختفائه حتى يتجنب سؤالاً أو عتاباً، فالوضوح راحة، والثقة بالنفس تحرر الإنسان من عبء التبرير الدائم. كن كما أنت ولا تصنع نسخة ترضي هذا وأخرى تتوارى عن ذاك، ولا تجعل هاتفك مساحة للاختباء. فمن يعرف نفسه جيداً لا يخشى أن يراه الآخرون على حقيقته. ومن هنا تبدو ثقافة العذر أجمل من ثقافة المراقبة. أن نحسن الظن قبل أن نصدر الأحكام، وأن نترك للآخر مساحة يعيش فيها يومه دون أن نطالبه بتفسير كل حركة وسكون. فلا داعي لأن يتحول إخفاء آخر ظهور أو تعطيل العلامتين الزرقاوين إلى ستار نحتمي خلفه خشية التأويل. الأجمل أن نصل في علاقاتنا إلى درجة من الوعي تجعل الحضور والغياب أمراً طبيعياً لا يحتاج في كل مرة إلى تفسير. اقرأ حين تستطيع وأجب حين تسمح لك ظروفك واصمت حين تحتاج إلى الصمت. لا تجعل حياتك سلسلة من الاحتياطات حتى لا يغضب هذا أو يسيء ذاك الفهم. وفي المقابل، امنح الآخرين الحق نفسه فلا تفتش في أوقات ظهورهم ولا تعد الدقائق بين القراءة والرد ولا تنسج من صمتهم حكايات ربما لم تخطر في بالهم. لقد منحتنا التقنية قدرة هائلة على الوصول إلى بعضنا، لكنها لم تمنحنا حق امتلاك أوقات بعضنا. أن تكون قريباً لا يعني أن تقتحم، وأن تحب لا يعني أن تراقب، وأن ترى الآخر متصلاً لا يعني أنه أصبح ملزماً بالرد عليك في تلك اللحظة. فالمحبة لا تختصرها علامات زرقاء، والوفاء لا يقاس بسرعة الرد، والتقدير لا تحدده عبارة "متصل الآن". العلاقات الحقيقية أرحب من ذلك لأنها تقوم على الثقة وتحيا بحسن الظن وتحترم مساحة الإنسان وظروفه. عش بوضوح وثق بنفسك واترك للناس أعذارهم، فمن استطاع الرد سيرد ومن لم يستطع فله ظرفه، فالحياة أوسع من شاشة والعلاقات أعمق من إشعار، وما أجمل أن نعيش دون اختباء وأن نترك بيننا مساحة من حسن الظن تكفي للحضور والغياب.