يتساءل كثيرون حول العالم اليوم: كيف تمكّن الحوثيون من السيطرة على أجزاء من اليمن؟ وكيف استطاعت جماعة إمامية أن تعود إلى واجهة المشهد السياسي بعد عقود من قيام الجمهورية وسقوط نظام الإمامة الذي حكم البلاد لقرون؟ والأهم، كيف ستكون نهاية هذه الجماعة وفقدانها سيطرتها على أجزاء من اليمن؟
إن التعرف على أدوات إنهاء سيطرة جماعة الحوثي على أجزاء في اليمن تتطلب بالضرورة أولاً معرفة أدوات سيطرته ومرتكزاتها، وعند قراءة التاريخ اليمني، نجد أن صعود الإمامة وانحسارها تكررا مرات عديدة. وفي كل مرة تقريباً كانت تعود بالأدوات ذاتها، مهما اختلفت الأسماء والظروف.
لم تتوسع الإمامة تاريخياً في أوقات قوة اليمنيين ووحدتهم، بل في لحظات الانقسام والصراع بينهم، فكلما اشتدت الخلافات السياسية أو القبلية أو المناطقية، وجدت الإمامة فرصة للتسلل إلى المشهد وتقديم نفسها باعتبارها الحل أو الوسيط أو البديل القادر على إنهاء الفوضى. لكنها ما تلبث بعد تثبيت أقدامها أن تتحوّل من وسيط إلى طرف مهيمن، ومن شريك إلى سلطة تحتكر القرار وتقصي الآخرين، ولهذا يمكن القول إن البيئة المثالية لتمدد المشروع الإمامي كانت دائماً الفتنة والانقسام، بينما كانت الوحدة الوطنية والوعي المشترك أكبر عائق أمامه.
تعتمد الإمامة أيضاً في سيطرتها على توظيف الدين لمنح المشروع السياسي مبرراته وأسباب تفوقه واستفراده، فعبر التاريخ سعت الإمامة إلى تقديم نفسها بوصفها امتداداً للإرادة الإلهية، ولعل أخطر ما في هذا النهج أنه لا يكتفي بتبرير السلطة، بل يمنحها حصانة أخلاقية وسياسية تجعل مساءلتها أو انتقادها أمراً بالغ الصعوبة في نظر كثير من الناس، كما أنه يغلق باب المشاركة نهائياً، مقدماً شروطاً حصرية تعلق بالدين والانتساب السلالي، في أسلوب حكم إقصائي بصورة كاملة يستند على فكر الاستعلاء والاصطفاء وعلى الفكرة الإبليسية «أنا خير منه».
كما يعتمد استمرار السيطرة بشكل رئيسي على الصراع الدائم والحروب المتواصلة، فالحرب بالنسبة للمشروع الإمامي ليست مجرد نتيجة للأزمات، بل هي وسيلة للحفاظ على النفوذ وتوسيع السيطرة. ففي أجواء الحرب يصبح تجنيد المقاتلين وجمع الأموال وقمع المعارضين أكثر سهولة، ويكشف التاريخ اليمني عن سلسلة طويلة من الصراعات التي ارتبطت بمراحل تمدد الإمامة أو بصراعات الأئمة في ما بينهم.
إن فهم هذه المرتكزات ضرورة لفهم حتمية نهاية سيطرة هذه الجماعة، وكيفية هذه النهاية وانحسار المشروع الإمامي، فالأدوات المذكورة لتسلط الإمامة تؤكد لنا أن العمل لإنهاء سيطرة جماعة الحوثي لا بد أن ينطلق من منطلقين رئيسيين؛ أولاً ببناء الوعي، فالوعي هو الذي يمنع تكرار الأخطاء، ولهذا فإن المعركة الأهم تبقى معركة فكرية وثقافية قبل أن تكون عسكرية أو سياسية. معركة تُعنى بكشف الأكاذيب التي يستند إليها الحوثي وكشف حقيقته وتحصين شباب اليمن والمنطقة بأكملها من محاولاته العبث بعواطفهم واستغلال قضايا الأمة لمكاسب فئوية ضيقة، وثانياً باسترداد الدولة اليمنية واستعادتها لوظيفتها الطبيعية كاملة، واحتكارها للقوة وتمثيلها للجميع، ومن المهم الإشارة إلى أن الدولة اليمنية تمضي في خطوات مهمة نحو هذا الهدف بدعم واهتمام من المملكة العربية السعودية في ما وصفه فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي بالشراكة الإستراتيجية.
إن فهم جماعة الحوثي وأدواتها أصبح أمراً ملحاً خاصة مع تحول جماعة الحوثي من تهديد محلي إلى تهديد إقليمي وأيضاً دولي، فالجماعة أصبحت خطراً ملموساً على أمن المنطقة، وعلى حركة الملاحة الدولية، وعلى التوازنات الإقليمية. ولذلك فإن فهم طبيعتها الفكرية والسياسية لم يعد شأناً يمنياً فحسب، بل قضية تتعلق بالأمن القومي العربي تتطلب فهماً أوسع لمسبباتها وسبل العمل على مواجهتها.



