في محطة انتظار عابرة، بين ضجيج المسافرين وصمت الغرباء، جلست امرأة بجانبي لم أكن أعرفها، لكنها حملت معها حكاية أعرفها جيدًا. أخبرتني أنها انتقلت حديثًا من الرياض إلى المنطقة الشرقية، وأن شيئًا ما بداخلها تغيّر لم تستطع تفسيره في البداية. قالت إنها سابقًا تركض دون الوصول، تتسابق مع الزمن، حتى أصبح جهازها العصبي، على حد وصفها، يعمل طوال الوقت. أما هنا، عندما انتقلت إلى المدينة؛ بدأت تصل إلى عملها في دقائق، تُنجز مهامها دون أن تبتلعها الزحام، وتعود إلى منزلها ولا يزال في يومها متسع للوقت؛ لا للهواية فحسب، بل لصمتٍ لم تكن تُدرك أنها تفتقده. «مدينة الهدوء والسكينة»، هذا ما قالته لي، وهذا الهدوء أعادني إلى نفسي قليلًا، فما لم تخبرني به تلك المرأة بالكلمات، لكنها أيقظته داخلي، هو أنها كانت تصف من غير أن تسمّي: فن العيش البطيء.


هذا الفن ليس كسلًا ولا تباطؤًا عن الحياة، بل هو إعلاء للكيف على حساب الكم. يقول كونفوشيوس: «لا يهم مدى بطئك، طالما أنك لا تتوقف». وفي هذا القول حكمة من يعرف أن الرحلة لا تُقاس بالمسافة المقطوعة في وقت قياسي، بل بالثبات على الطريق. أما غاندي فيذهب لوعي أبعد قليلًا في قوله: «هناك أكثر في الحياة من مجرد زيادة سرعتها» كأنه يطرح تساؤلًا يقول: إلى أين نركض، وماذا نخسر في الطريق إلى هناك؟


فالعيش البطيء، في جوهره، دعوة للتحرر من قلقين متلازمين: خوف من مستقبل لم يأتِ بعد، وحسرة على ماضٍ لن يعود. إنه دعوة للعيش «هنا والآن»، بلا سواهما. حين يقول إيكهارت تول: «الحاضر هو كل ما نملكه على الإطلاق». وكأنه يذكّرنا أن كل ما نمتلكه حقًا محصور في هذه اللحظة، وما عداها ما هو إلا وهم صنعناه بأنفسنا. ويزيد على ذلك لاو تزو قائلًا: «إذا كنت مكتئبًا فأنت تعيش في الماضي، وإذا كنت قلقًا فأنت تعيش في المستقبل، وإذا كنت في سلام فأنت تعيش في الحاضر». فالسلام، إذن، ليس غيابًا للمشاعر، بل حضورٌ تام في اللحظة أي «الحاضر». وما أجمل ما قاله مارك توين تنبيهًا لنا من عادة سرقت منّا اللحظة: «لا تدع الأمس يستهلك الكثير من اليوم».


وهنا أدركت، من ذلك الحديث العابر، أن المكان وحده لا يصنع السلام، وأن تغيير المدينة ليس هو الحل، بل هو أسلوب حياة.


فكم من إنسانٍ انتقل من الضجيج إلى الهدوء، وحمل ضجيجه معه. الحقيقة أعمق من الجغرافيا: أن تكون أنت من يزرع ثقافة العيش البطيء، حتى في مدينة يغلب عليها الإيقاع المتسارع. فليست العبرة أن تجد المكان الهادئ، بل إن تكون أنت الهدوء أينما كنت. فكن أول من يغرس ثقافة العيش البطيء في وسط وعي جمعي لا يدرك قيمة الحضور، كُن دائمًا هنا والآن.. فأنا على مهلٍ.. وجدت الحياة.