أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/global_files/author-no-image.jpg?v=1

الجوهرة صالح القزلان

على مهلٍ.. وجدت الحياة

في محطة انتظار عابرة، بين ضجيج المسافرين وصمت الغرباء، جلست امرأة بجانبي لم أكن أعرفها، لكنها حملت معها حكاية أعرفها جيدًا. أخبرتني أنها انتقلت حديثًا من الرياض إلى المنطقة الشرقية، وأن شيئًا ما بداخلها تغيّر لم تستطع تفسيره في البداية. قالت إنها سابقًا تركض دون الوصول، تتسابق مع الزمن، حتى أصبح جهازها العصبي، على حد وصفها، يعمل طوال الوقت. أما هنا، عندما انتقلت إلى المدينة؛ بدأت تصل إلى عملها في دقائق، تُنجز مهامها دون أن تبتلعها الزحام، وتعود إلى منزلها ولا يزال في يومها متسع للوقت؛ لا للهواية فحسب، بل لصمتٍ لم تكن تُدرك أنها تفتقده. «مدينة الهدوء والسكينة»، هذا ما قالته لي، وهذا الهدوء أعادني إلى نفسي قليلًا، فما لم تخبرني به تلك المرأة بالكلمات، لكنها أيقظته داخلي، هو أنها كانت تصف من غير أن تسمّي: فن العيش البطيء.


هذا الفن ليس كسلًا ولا تباطؤًا عن الحياة، بل هو إعلاء للكيف على حساب الكم. يقول كونفوشيوس: «لا يهم مدى بطئك، طالما أنك لا تتوقف». وفي هذا القول حكمة من يعرف أن الرحلة لا تُقاس بالمسافة المقطوعة في وقت قياسي، بل بالثبات على الطريق. أما غاندي فيذهب لوعي أبعد قليلًا في قوله: «هناك أكثر في الحياة من مجرد زيادة سرعتها» كأنه يطرح تساؤلًا يقول: إلى أين نركض، وماذا نخسر في الطريق إلى هناك؟


فالعيش البطيء، في جوهره، دعوة للتحرر من قلقين متلازمين: خوف من مستقبل لم يأتِ بعد، وحسرة على ماضٍ لن يعود. إنه دعوة للعيش «هنا والآن»، بلا سواهما. حين يقول إيكهارت تول: «الحاضر هو كل ما نملكه على الإطلاق». وكأنه يذكّرنا أن كل ما نمتلكه حقًا محصور في هذه اللحظة، وما عداها ما هو إلا وهم صنعناه بأنفسنا. ويزيد على ذلك لاو تزو قائلًا: «إذا كنت مكتئبًا فأنت تعيش في الماضي، وإذا كنت قلقًا فأنت تعيش في المستقبل، وإذا كنت في سلام فأنت تعيش في الحاضر». فالسلام، إذن، ليس غيابًا للمشاعر، بل حضورٌ تام في اللحظة أي «الحاضر». وما أجمل ما قاله مارك توين تنبيهًا لنا من عادة سرقت منّا اللحظة: «لا تدع الأمس يستهلك الكثير من اليوم».


وهنا أدركت، من ذلك الحديث العابر، أن المكان وحده لا يصنع السلام، وأن تغيير المدينة ليس هو الحل، بل هو أسلوب حياة.


فكم من إنسانٍ انتقل من الضجيج إلى الهدوء، وحمل ضجيجه معه. الحقيقة أعمق من الجغرافيا: أن تكون أنت من يزرع ثقافة العيش البطيء، حتى في مدينة يغلب عليها الإيقاع المتسارع. فليست العبرة أن تجد المكان الهادئ، بل إن تكون أنت الهدوء أينما كنت. فكن أول من يغرس ثقافة العيش البطيء في وسط وعي جمعي لا يدرك قيمة الحضور، كُن دائمًا هنا والآن.. فأنا على مهلٍ.. وجدت الحياة.

منذ 8 ساعات

حين تختار الله.. تتغير قواعد اللعبة

هناك لحظة خفية، لا يعيشها إلا من جرّب العمل بإخلاص، لحظة يلتفت فيها القلب إلى السماء قبل أن تمتد الأيدي إلى العمل. لحظة، تنقلب الموازين في الداخل.. فتتغير «إعدادات اللعبة». يصبح الطريق الذي كان متعثراً أكثر سلاسة، وتتحوّل العقد إلى خيوط منسابة، وكأن اليسر يختارنا حين نختار الله.

حين تراعي الله في عملك، لا تعود المعادلة ولعبة الحياة كما كانت. تتبدل المشاعر تجاه العطاء، فيغدو الإحسان عادة القلب قبل أن يكون فعل الجوارح، وتصبح المساعدة خيطاً من نور يمتد منك ليضيء مساحات الآخرين. لم تعد خدمة الناس مهمةً تُؤدى، بل رسالة تسكنك قبل أن تُجسّدها.

وعند هذه اللحظة، يذوب الحاجز بينك وبين العالم أجمع.. فتصبح جزءاً من نبضه، وإيقاع خيره، وكأنك تغرس شجرة طيبة في أرض مُباركة؛ أصلها ثابت في أعماقك، وفرعها في السماء، يتجسّد بها جوهر وجودك بالحياة. حينها تدرك أن كل لحظة إحسان هي إسهام لنفسك.. وللآخرين، وأن ما تمنحه للعالم يعود إليك في صورة أعمق مما تتخيل.

في الختام، يبقى السؤال حاضراً في أعماق دواخلك: كيف تُصبح إسهاماً لنفسك وللآخرين؟
00:05 | 2-09-2025

ما لا تنطقه الألسنة.. تبوح به الثقافات

في زمنٍ تتداخل فيه العوالم وتتقاطع، لم تعد اللغة وحدها كافية لخلق التفاهم. لم يعد مجدياً أن تترجم الكلمة وتظن أن المعنى قد وصل، فالمعاني لم تعد تسكن المفردات فقط، بل تسكن السياقات، والإشارات، والنبرة التي تُقال بها الكلمة، وحتى في الصمت الذي يليها.

نحن نعيش في عالم متشابك، لا يشبه بعضه بعضاً. ما يبدو بديهياً في ثقافة، قد يكون غريباً أو حتى مستفزاً في ثقافة أخرى. كلمةٌ عابرة في بيئة ما، قد تحمل دلالات ثقيلة في بيئة ثانية. وهنا، تظهر الحاجة الملحة إلى ما يتجاوز الترجمة الحرفية، إلى الترجمة التي تفكّك رموز الثقافة، وتُعيد شرحها بلغة الآخر، دون أن تفقد جوهرها.

لم نعد نترجم للّغة، بل نترجم للثقافة. وهذا ما بدأت تدركه بعمق مؤسسات اليوم، خصوصاً الجهات التي تتحرك في المساحات العابرة للحدود، مثل وزارة الثقافة، التي لم تكتفِ بأن «تُعرّف» العالم بثقافتنا، بل بدأت تشرحها، تفسّرها، وتُعيد روايتها بما يكفل فهمها في سياقها الحقيقي، ومعناها الأصيل، على نحوٍ لا يُفقدها صلتها بجذورها.

الفرق بين النقل وإيصال المعنى، هو الفارق بين من يُلقي خطاباً بلغة أجنبية، وبين من يُلقيه بلغة أجنبية ويُحسَنُ إيصال روحه ليجعل معناه محسوساً كما لو قيل بلغته الأم. وبين من يقدّم طبقاً من الطعام كما هو، وبين من يشرح لك طقوس إعداده، وأسباب مكوناته، وقصته في الذاكرة الشعبية وسياقه الثقافي.

تُدرك المؤسسات الثقافية اليوم أن دورها لا يقتصر على الترويج لمظاهر الثقافة، بل على توسيع مساحة الفهم بين الشعوب، تقريب المسافات، وبناء الجسور، فهي لا تنقل العناصر الثقافية كما هي فحسب، بل تعمل على شرح سياقاتها، وتفسير رموزها، وتقديمها بما يعكس معناها الحقيقي. وهنا تتجلّى قيمة من يملك وعياً مزدوجاً: يفهم ثقافته جيداً، ويفهم ثقافة الآخر بنفس القدر. يُجيد التعبير عن ثقافته كما هي، ويُحسن مخاطبة الآخر بلغته ومنظومته الثقافية والفكرية.

وهؤلاء ليسوا مجرد مترجمين لغويين.. بل هم رُسل للثقافة. يَعبُرون بالمعاني بين العوالم، ويفككون الالتباسات، ويجعلون الاختلاف مفهوماً لا مرفوضاً. وربما هذا هو التحدي الحقيقي اليوم: ألّا نظن أن الوصول للجماهير بالضرورة يعني إيصال المعنى، وأن الحضور يعني التأثير. فكم من رسالة عبرت القارات، لكنها لم تُفهَم لأنها لم تُترجم ثقافياً. وكم من خطاب لامس القلوب، لأنه لم يكتفِ بالكلمات، بل أدرك كيف يُعيد تشكيل وبناء المعنى.

في النهاية، نحن لا نعيش فقط عصر التواصل، بل عصر ترجمة ما وراء اللغات، حيث يُنقَل المعنى بكل ما فيه من شعور، وسياق، وهوية. وهذه ليست ترجمة تُنتجها الحروف، بل وعيٌ يُبصر ما لا تقوله الكلمات.

فما لا تنطقه الألسنة.. تبوح به الثقافات.
00:03 | 17-07-2025

متى يكون الصراع محفزاً لنمو الأعمال؟

في بيئات العمل، لا يكون كل اختلاف بالضرورة مشكلة، فوجود تباين في الآراء، أو تقاطع في المصالح والأولويات، أو حتى توتر خفي في العلاقات المهنية ليس أمراً مستغرَباً في أي مؤسسة تنمو وتتطوّر. بل على العكس، قد يكون غياب هذه الظواهر هو الإشارة الأولى إلى أن شيئاً ما لا يعمل كما ينبغي.

كثير من المؤسسات تسعى إلى خلق انسجامٍ مطلق، ظنّاً منها أن الهدوء مرادف للاستقرار، وأن انعدام الخلاف علامة تدل على النضج الإداري. لكن الواقع يقول غير ذلك؛ فالهدوء أحياناً يخفي تحته جموداً، والاتفاق المفرط قد لا يكون ناتجاً عن انسجام حقيقي، بل قد يدل على غياب الحوار البنّاء، أو تحفظٍ غير مُعلن، أو حتى خوفٍ من الاصطدام.

ومع مرور الوقت، تبدأ المنظومة في فقدان حيويّتها ومرونتها الديناميكية تدريجيّاً، حتى وإن بدت على السطح مستقرة. ومن هذه النقطة تحديداً، تتسلّل إلى المشهد نظرية كثيراً ما غابت عن الأضواء رغم عمقها، تُعرف بـ«نظرية الصراع».

تنظر هذه النظرية إلى الخلاف بوصفه ظاهرة طبيعية، بل وضرورية في كثير من الأحيان. لكنها لا تتعامل مع «الصراع» ككتلة واحدة، بل تُجزّئه إلى ثلاثة مستويات: صراع منخفض قد يُخمد الحافز والإنتاجية، وصراع مرتفع قد يُربك الاستقرار وسير العمل، وبينهما المستوى المتوسط، حيث تتجلّى المساحة المثلى، والمتوازنة، التي يُدار فيها الصراع بوعي ليُصبح محرّكاً للإبداع والنمو.

حين يكون الصراع في أدنى مستوياته، تسود السطحية في الحوار. لا اعتراضات، لا نقاشات، لا أسئلة جوهرية. الموظفون لا يعارضون ليس اقتناعاً، بل لأنهم لا يجدون جدوى من الكلام. ومع الوقت، يتحول الفريق إلى خط إنتاج بلا شغف، يُنفّذ المطلوب فحسب.

أما حين يتحرّك الصراع إلى المستوى المتوسط، تظهر المساحة التي تتحرك فيها الفرق بمرونة. يُسمَح بالاختلاف، ويُصغى للتنوع، وتُختبر الأفكار قبل أن تُعتمد. هنا، يُصبح الصراع أداة تُحفّز على الإبداع، وتُعمّق الأفكار، وتُعزّز جودة اتخاذ القرار.

لكن إن تجاوز الصراع هذا الحد، فإنه يتحوّل من نقاشٍ وحوارٍ بنّاء إلى حالة من الاستنزاف. يبدأ بتوتّر العلاقات، ويُربك فرق العمل، ويزرع الشكوك بدل الثقة. في هذا المستوى، ينحرف النقاش نحو دوافع شخصية، متجاهلاً جوهر العمل الفعلي. وفي هذه الحالة، لا تنهار المنظمات فوراً، لكنها تبدأ بالتآكل بشكل تدريجي. تبهت روح التعاون بين الفرق، ويكثر الانشغال بالردود لا الحلول، وتتحوّل الاجتماعات إلى معارك صامتة. وكل ذلك يُنهك الأداء دون أن يظهر مباشرة على السطح.

لهذا، لا يُفترض بالمؤسسات أن تخشى الصراع، بل أن تُجيد قراءته، وأن تفهم متى يكون غيابه خطراً، ومتى يكون حضوره مؤشّر خلل. وأن تُدرك أن التحدّي لا يكمن في منع الخلاف، بل في كيفية توجيهه ليعمل لصالح الفريق لا ضده.

في نهاية المطاف، يشبه الصراع شعلة في غرفة مغلقة إن أُهملت خمدت وأطفأت معها دفء الأفكار، وإن تُركت بلا تهوية اشتعلت حتى تحرق كل من فيها. لكن في المساحة بين الانطفاء والاحتراق ثمّة منطقة لا يراها إلا القادة الذين يديرون الصراع بحكمة، ويُحسنون توجيهه ليكون أداة محفّزة لنمو الأعمال.

فالصراع ليس عدوّاً بطبيعته، ولا صديقاً بالضرورة، بل طاقة حيوية تتشكّل بحسب من يوجّهها، وكيف يُدار مسارها. قد يدفع نحو ابتكار ونمو حقيقي، أو يُنهك الفرق في متاهات لا تنتهي. وبين هذا وذاك تظل الإجابة في يد كل مؤسسة: هل ستجعل من الصراع منطلقاً للنمو؟ أم بوابةً للانهيار؟
00:04 | 2-06-2025