لم يعد التطوّر الصحي في المملكة شعارًا يُقال، بل واقع يلمسه المريض والطبيب معًا. فخلال سنواتٍ قليلة، وتماشيًا مع رؤية المملكة ٢٠٣٠، انتقلنا من وزارةٍ تُشغّل المستشفيات بنفسها إلى منظومةٍ حديثة تفصل بين التنظيم والتشغيل؛ فصارت وزارة الصحة جهةً منظِّمة ومشرِفة، وتولّت شركة الصحة القابضة —التي تأسست في ٢ يونيو ٢٠٢٢م بموجب قرار مجلس الوزراء رقم ٤٦٩— تشغيل الرعاية عبر عشرين تجمعًا صحيًا تغطي مناطق المملكة. وليست هذه تغييراتٍ على الورق؛ فمتوسط العمر المتوقع ارتفع من أربعةٍ وسبعين عامًا في ٢٠١٦م إلى ما يتجاوز التسعةَ والسبعين اليوم، وهو رقمٌ لا يُشترى بالمال، بل يُبنى بالعمل والتخطيط والصبر. ولمسنا التغيير في سهولة المواعيد، وتوسّع الرعاية الرقمية والصحة الافتراضية، وتقريب الخدمة من المريض في مناطق كانت تُحرَم منها بالأمس. هذا إنجازٌ وطنيٌّ يستحق أن نفخر به ونعترف له، قبل أن نُبدي أيّ ملاحظة.
وفي قلب هذا التحوّل هدفٌ واحد لا يتغيّر ولا ينبغي أن يتغيّر: المريض. المريض بأعلى كفاءةٍ ممكنة، وجودةٍ حقيقية، وإنتاجيةٍ ملموسة لا مرئيةٍ على الشاشات فحسب. كل نظامٍ نبنيه، وكل مؤشرٍ نقيسه، وكل لوحة أداءٍ نُضيئها باللون الأخضر، إنما وُجدت أساسًا لتخدم ذلك الإنسان الراقد على السرير، لا لتخدم التقرير الذي يُرفع عنه. وحين نختلّ في هذه البوصلة، تبدأ المشكلة مهما بدت الأرقام لامعة.
ولأنّ ما لا يُقاس لا يُدار، صار قياس الأداء ركيزةً في منظومتنا، حتى إنّ الشركة القابضة أطلقت منصةً متخصصة لمراقبة أداء التجمعات ومستشفياتها لحظةً بلحظة. وفي تخصّصي، طب العناية المركزة، تتعدّد المؤشرات وتتشعّب: معدّل الوفيات المصحّح للمخاطر، ومتوسط مدة البقاء، وأيام التنفّس الصناعي، ومعدّلات الالتهاب الرئوي المرتبط بالتنفّس، وعدوى الدم المرتبطة بالقساطر الوريدية، ونسبة إعادة الدخول إلى العناية خلال ثمانٍ وأربعين ساعة، ومعدّلات إشغال الأسِرّة ودورانها. وهذه مؤشراتٌ نفيسة حين نفهمها بعمق، خطيرةٌ حين نُسيء فهمها ونتعامل معها كأرقامٍ مجرّدة.
وهنا مربط الفرس. فبعض هذه المؤشرات يُساء تفسيره، ويُبالَغ في الاهتمام به من بعض إدارات المستشفيات حتى تتحوّل الوسيلة إلى غاية. حين يُطالَب القسم بخفض «مدة البقاء» دون النظر إلى شدة الحالات، أو بتحسين «الإشغال» دون فهمٍ لطبيعة العناية المركزة التي تستقبل أعقد المرضى، يقع العبء كاملًا على من هم في الواجهة: الطبيب والممرّض اللذان يقضيان ساعاتٍ إضافية في توثيقٍ يخدم المؤشر لا المريض، ويلاحقان خانةً فارغة في النظام أكثر مما يلاحقان تحسّن حالة مريض. وهذا خطأٌ جسيم؛ فالرقم الذي يُنتزع من سياقه يظلم من يصنعه، ولا يُنصف من يُفترض أن يخدمه.
وأضرب مثالًا من واقعنا اليومي: مريضٌ في العناية المركزة يحتاج إلى بقاء يوم إضافي حتى يستقرّ تنفّسه، لكنّ الضغط على «مدة البقاء» قد يدفع لإخراجه مبكرًا إلى قسمٍ أقلّ عناية، فيتدهور خلال ساعات ويعود إلينا بحالةٍ أصعب، وتكلفةٍ أعلى، ومعاناةٍ أكبر على أهله. هنا لم نخدم المؤشر ولا المريض، بل خدعنا أنفسنا مرتين: مرةً حين جمّلنا الرقم، ومرةً حين ظننّا أننا اختصرنا التكلفة.
ودعوني أقولها بوضوحٍ لا لبس فيه: نستطيع —إن أردنا— أن نُجمّل كل مؤشرٍ على الشاشة دون أن يلمس المريض فرقًا واحدًا. نستطيع أن نُخرِج المريض مبكرًا لنُحسّن «مدة البقاء» فيعود إلينا بعد يومين أسوأ حالًا. ونستطيع أن نُعيد تصنيف الحالات لتبدو أرقامنا أجمل. لوحة الأداء ستُضيء خضراء، والإدارة ستُصفّق، والمريض وحده سيعرف الحقيقة. وحين يصبح المؤشر هدفًا في ذاته، يفقد قيمته كمؤشر — وهي قاعدةٌ يعرفها كل من اشتغل بالإدارة قبل أن يعرفها الأطباء.
من هنا، أوجّه رسالةً صادقة ومحترِمة إلى صنّاع القرار في وزارة الصحة وشركة الصحة القابضة: نحن معكم في الهدف، ومؤمنون بالتحوّل، وفخورون بما تحقّق، لكننا نرجو توازنًا. توازنًا بين بلوغ المؤشر ورعاية من يصنعه بيديه. وهذا التوازن ليس شعارًا يُرفع، بل خطواتٌ عملية يمكن البدء بها اليوم:
أولًا: اختاروا مؤشرات النتائج الحقيقية —كالوفيات المصحّحة للمخاطر وتجربة المريض المُبلّغ عنها— لا المؤشرات السهلة القابلة للتجميل والالتفاف.
ثانيًا: صحّحوا كل مؤشرٍ وفق شدة الحالات، حتى لا يُعاقَب القسم الذي يستقبل الأصعب ويُكافَأ من ينتقي الأسهل.
ثالثًا: اقرنوا كل مؤشر أداءٍ بمؤشرٍ لصحة العاملين: نسبة التمريض إلى المرضى، وساعات العمل، ومعدّلات الاحتراق الوظيفي؛ فاللوحة الخضراء فوق فريقٍ منهَك ليست خضراء في حقيقتها.
رابعًا: خفّفوا عبء التوثيق اليدوي عبر الأنظمة الرقمية التي نملكها ونفخر بها، بحيث تُلتقط البيانات تلقائيًا بدل أن نُثقل بها كاهل من في الواجهة.
خامسًا: أشرِكوا أطباء الميدان في اختيار المؤشرات وتفسيرها، واجعلوها أداة تعلّمٍ وتحسين، لا أداة محاسبةٍ وترهيب.
سادسًا: رسّخوا ثقافة الإبلاغ الآمن؛ فالقسم الذي يُصارح بأخطائه لِيتعلّم منها أنفع من قسمٍ يُخفيها ليحافظ على لون مؤشّره، وينبغي أن يُكافأ على صدقه لا أن يُعاقَب عليه.
إن المريض هو البداية والنهاية، وهو المؤشر الوحيد الذي لا يُجمَّل ولا يُخادَع. فلنقِس ما يهمّه هو حقًّا، ولنحمِ في الوقت ذاته من يقف إلى جواره في أصعب اللحظات وأحلكها. فحين يرتاح المريض ويطمئنّ الطبيب، تكون كل الأرقام قد صدقت، ويكون التحوّل قد بلغ غايته الحقيقية التي وُجد من أجلها. وما دون ذلك، فمؤشراتٌ خضراء على شاشة، ومريضٌ غائبٌ عن المعادلة.


