-A +A
فؤاد مصطفى عزب
صباح العتب يا أبا فيصل.. ككل من قرأك لسنوات، ككل العيون التي كنت تساهم لذكائها بالبريق نهار كل يوم، أعلن عليك اللوم، الحالة التي تمر بها، ليست مستغربة، كل الطيور التي تغرد بحرية تعيشها، كل الشعراء الصادقين يدخلون أحيانا إلى أنفسهم ويغلقون عليها الباب، لكنهم طالما يشعرون بالخطر الذي يحدق بواحة النبض يعودون، أيها العزيز، كلما خسرت الحديقة عصفوراً مغرداً يعودون، تأخر الربيع ألف عام، وأنت عصفور غريد لا يتآمر على القحط، لا يمد يده البيضاء ليصافح العاصفة، أنت كما عرفناك دائما لا تتقن سوى لغة الينبوع، لا تعرف من الفصول إلا فصل الاخضرار، لا تحمل إلى الآخرين إلا براعم الوجدان وشجر العناق، يا شجرتنا المثمرة في هذا اليباس نحتاج مطرك لتقينا من التصحر!

يا أبا فيصل، أعرف تماماً أنك لا تتقن الصمت، وأدرك أنك تلون المسافة بالصراخ، وتكتب كلماتك على سطر الريح، وأنك تقرأنا، وتسمع رجع اشتياقنا في الأثير، وأعرف أنك تلتصق الوقت لتنسج من خيوطه عباءة للكلام الشجي، وأنك توغل في محارات المعنى باحثا كعادتك عن لآلئ الانفجار، وأنك ترتق التصدع بالتأمل، وتهيل على لهب أسئلتنا ماء اليقين، أعرف أن عينيك منارتا مراكبنا التائهة، وكفيك الضفاف التي لم تتوقف عن استقبال نوارس أرواحنا الهائمات، وأنك تخبئ لنا كنز الشوق وأبجدية التواصل، لعلك تنتظر اللحظة المناسبة لتعلن عصيانك على السكوت، لعلك هذه اللحظة تتدفق في زرقة المدى، تكتب هتافك على الغيم، فمتى ستمطر كلماتك في جفاف العروق، متى تعود إلى حديقتنا التي تسأل عنك، لتصير «نافذتك» مجرى لنهر عظيم؟ نحتاجك يا دكتور.. لأنك صرت واحدا من عائلة القلب، لأنك غدوت بالعبارة الشاعرة شراع سفينتنا الضاربة عكس التيار، كلما اغتالوا عندليبا يزداد سرب الغربان ألف غراب، فلا تجعل السواد يسود، نقطة ضوء واحدة تعطي ملامح ساطعة للفجر، قصيدة يخطها قلم هاجسة للآخرين، تقصر من عمر الكراهية، لحظة لقاء بين عاشقين تهشم ألف سياج يحف به الشوك، نحتاج إليك يا أبا فيصل، لأننا قلة نمارس فن الحياة الطيبة.. فما أقلنا لو ابتعدت؟ نحن عشاق الزمن الأخير، الخارجون عن قانون الأسمنت المسلح، والضاربون عرض الحائط بكل قرارات الأجر المشوي، لا نحتاج من كل هذا الكوكب الشاسع الأطراف إلا زاوية حرة للكتابة، لا نرغب إلا بمتر مكعب من الأوكسجين لا تمزقه الأسلاك الشائكة، لا نأمل سوى بصحبة الطير والشمس والفراشات، نحن الراكضون أبدا إلى النهايات السعيدة، ودائما نصل إلى البكاء، كم كسرت أقلامنا الكوارث، وكم قيدت أرواحنا عن النطق القضبان، ودائما تمتد أصابعنا إلى فضاءات الحرية، نشد السماء من ياقتها حتى تسقط في محابرنا النجوم، نلملم الندى عن انكسار الورد ليتشكل في أعماقنا بحر يرتفع موجه كالصراخ، نحن الأكثر صمتا في عالم ثرثار، الأكثر حكمة في كوكب مجنون، نمد إليك أيدينا أيها العزيز، لتجدف معنا، ما أطول تلك الرحلة، وما أعلى النوء، فهل تتركنا في هذا اليم، وفي كلماتك حبال النجاة، وبر الأمان المنتظر؟!

* كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com