-A +A
مي خالد
Mayk_O_O@

بثت قناة تلفاز على اليوتيوب حلقة وثائقية رائعة كالعادة بعنوان «ليه الناس تسمع شيلات؟» قدموا فيها ملخّصا لتاريخ الأغنية السعودية منذ مؤسسها طارق عبدالحكيم وحتى الشيلات في الوقت الحاضر. ذكروا فيه بعض المقارنات البسيطة التي روّجت للشيلات على حساب الأغنية، لكن فاتتهم ملاحظة مهمة وهي أن الأغنية السعودية أرستقراطية فأشهر شعراء الأغنية السعودية وأغزرهم إنتاجا أمراء كما جاء في الوثائقي: الأمير خالد الفيصل وبدر بن عبدالمحسن وعبدالله الفيصل والسامر أو وجهاء مثل سعود الشربتلي وغيره.

بينما شعراء الشيلات مواطنون بسطاء وبعضهم قدماء الشعراء في الجزيرة العربية ممن أوشكت قصائدهم أن تندثر دون توثيقها. وهذه وظيفة ثقافية عظيمة تقوم بها الشيلات وليس الأغاني التي يتحكم فيها رأس المال وقنوات العرض.

كما أن الموسيقى في ثقافتنا كسعوديين حرام. والشيلات تحايلت على المحرم وعلى العيب الاجتماعي أيضا. فالغناء للقينات والجواري و«الطقاقات» وليس للرجال.. بينما الشيلات الحماسية غير المائعة للرجال «طوال الشوارب».

ومن ناحية المواضيع، فالأغنية السعودية ليس لديها إلا موضوع واحد وهو الحب والتغزل بالمحبوب والتألم لفراقه والسعادة بوصاله وانتظار مواعيده... إلخ

بينما الشيلات مواضيعها لا حصر لها، تبدأ بامتداح أشخاص عاديين يملكون قطعانا من الإبل أو حتى لا يملكون إلا مواقف الرجال التي تمتدح من كرم وفزعة.

وإعلان الولاء القبلي للوطن الواحد وللحكومة.

إلى غرض الحماسة في حروب الوطن أو للهويات الفرعية.. قبلية ومناطقية (بعضها وهو قليل ينتقص من الآخرين لكن الأغلبية تعلن احترامها لباقي القبائل والمناطق) إلى موضوع الترحيب بالضيوف والاحتفاء بهم. إلى الحكم والمواعظ والحث على مكارم الأخلاق. وهذه موضوعات معدومة في الأغنية السعودية. فهل سمع أحدكم أغنية سعودية فيها معنى بهذا الروعة:

أحد(ن) ينام وحط راسه بكمه ** وأحد(ن) تخم النوم عينه وتخطيه

وأحد(ن) يحاول بالردى بنت عمه ** وأحد(ن) يحاول ستر عذرا عوانيه

وهناك مواضيع رقيقة كشيلات الشوق للأبناء أو العتب على الشقيق والجماعة، وفي بعضها تورد أسماء الأمهات والأخوات والبنات دون الاعتبار لغرابة ذلك في مجتمعنا. حتى أني شاهدت البارحة شيلة عن شفاء الأم «نورة» مع فيديو كليب لطيف لأم الشاعر وهي تتمشى ببرقعها دون عباءة في البر وقد اخضرّت الأرض بعد المطر.

بالنسبة للجملة اللحنية في الشيلات فمعروفة سلفا لأن كلمات الشيلة سيدة الموقف وتحمل طروقها وألحانها معها. ولا تحتاج لملحن كالأغنية التي في بعض الأحيان يوضع لحنها ثم تنسج عليه الكلمات. بل منشد الشيلة يستطيع تأديتها وتسجيلها بسهولة، خاصة أن أوزان الشعر الشعبي وطروقه محددة ومعروفة، وهذه البساطة أحد أسباب كثرة الشيلات الجيدة التي يحب الناس سماعها.

من يرفضون الشيلات لأسباب ذائقتهم الضيقة التي تفضل سماع فيروز ومحمد عبدالوهاب وتكره أن تسمع الشيلات على سبيل الانتقاص الثقافي لها، أتوقع أنهم هم الأشخاص الذين يكرهون سماع أصواتهم في التسجيل. لأن الشيلات هي صوت الشارع في السعودية الآن.

ومن العجائب أن مطربين سعوديين كبارا يعيدون تأدية بعض الشيلات بأصواتهم بعد أن تشتهر! ويتكاسلون عن المشاركة والتطوير أو ربما يخجلون.

May_khaled@hotmail.com