لا تُقاسُ رمزيّة الشخص دائماً، بكثرة حضوره، ولا طول أمده في حياة أهله ومعارفه، بل بما يتركه في مجتمعه وبيئته من أثر ونبالة، دون ضجيج ولا إثارة؛ وربما مرّ الذين تركوا فينا أثراً طيّباً، بأيامنا أو بعضها مرور كرام، وبهدوء وتواضع، وإذا كان الروائي يعتني بشخصية بطل أو بطلة عمله؛ ويضفي عليهما جماليات تحببهما للقارئ، أو قبحاً ينفّره منهما وعنهما، ورديفه الشاعر يخلع على مُلهمتِه ما هو فيها وما ليس فيها، فإن المؤرخ موضوعي، أو يُفترضُ فيه أن يكون موضوعيّاً.

عرفنا الشخصيات الأسطورية، وأنها من خلق خيال مجنّح؛ ومنحتنا الأحداث والمواقف فرص التعرّف على الشخصية الرمزيّة، ومن أبرز خصائصها أنها لم تقصد أو تتعمّد أن تغدو رمزيّة؛ بل تجلّت رمزيتها بما تملك من مواهب، وما وهبها الله من خصال ذاتيّة، وقدرات فرديّة؛ وظروف مكانيّة وزمنيّة واجتماعية واقتصادية.

مفهوم الرمزية، ومساحة الرمز، قابلة للتقييم، والتقييم يخضع لمعايير واعتبارات، منها ما هو ثابت ومنها المُتغيّر، وربما مرّت بنا وعلينا شخصيات كارزمية، حجب القُرب منها عن بصائرنا أجمل وأنبل ما فيها، ومن الحماقة ابتغاء عالم بشري بمواصفاتنا؛ إذ إنه بقدر ما تُبتلى بفظاعة وفظاظة علاقات؛ بقدر ما تمنحك الصُّدف أطيافاً وظلالاً بشريّة تطرد عنك سأمك وضجرك.

قادتني الأقدار والمقاصد إلى بيروت صيف 2007، وكنتُ حينها التحقت بفريق عمل صحيفة الحياة في طبعتها السعودية، ولذا وجدتُ ترحاباً كبيراً من الزملاء في مكتب الصحيفة في منطقة (السوليدير) وسط العاصمة اللبنانية الأنيقة جداً في حينها، وتكرموا على ضيفهم بمكتب يمارس فيه الشغف؛ منتشياً بإضافة (بيروت) إلى جوار اسمه؛ على مواد يحررها من المكتب البيروتي، ويحولها لزملاء الثقافة في مكتب الرياض.

وبما أن الخط الهاتفي الدولي متاح؛ اتصلتُ بالشاعر الراحل علي الدميني، لأقول له إنني أتصل به من مكتب الصحيفة اللندنية، وأبلغه سلام عبدو وازن، ومحمد علي فرحات، وطوني فرنسيس؛ ومحمود شقير؛ وكعادة (أبو عادل) في حرصه على مدّ الجسور بين أصدقائه وأحبائه وذوي ودّه، قال لي؛ مُرّ على محمد العليّ تراه عندك؛ وزوّدني برقم هاتفه المنزلي، سألته؛ ايش آخذ معي للرجال هدية؟ فقال خذ معك تمراً!.

لم أكن أعلم أنّ الدميني، مُغرم بسبك وحبك مواقف طريفة بطريقة محببة له وللعلي، وهو يود بحسه الساخر، أن يُدخل البهجة إلى قلب صديقه الأثير، وأنا أخذت التوصية أو الوصيّة على محمل الجد؛ كوننا في شهر شعبان؛ ورمضان على الأبواب، وبما أن موقع السفارة السعودية ليس بعيداً منّي، قصدتهم، وما خاب الظن في موظفين كرام، سألوني: «كم كرتوناً تبغى؟ فقلت: كرتوناً واحداً وكثّر الله خير بلادنا وخيركم».

في اليوم التالي؛ اتصلت على الأستاذ العلي، وعرّفته بنفسي، وأبديتُ له رغبتي بزيارته، فرحّب؛ ثمّ وصّفني بالطريق إليه وصفاً حفظتُ قليلاً منه؛ ونسيتُ أكثره، وحملني سائق تاكسي إلى جبل (برمانا) أنا وكرتون التمر، ولأني ضيّعت؛ دوّخت السائق؛ فطلب أجرته، ونزلني على قارعة الدرب الجبلي، ورغم أن الجوال معي، إلا أنني استحيتُ اتصل بأستاذنا، لأخبره أنني ضعت، إلا أن العجز عن الوصول اضطرني لذلك وأجريتُ اتصالي، فقال؛ خليك مكانك طالع لك.

لحُسن الحظ لم أكن بعيداً عن البيت، وما هي إلا دقائق وإذا بقامته السامقة مقبلة؛ وكما يبدو البدر تجلّى الكبير بثوبه الأبيض من بين مجموعة بنايات شاهقة، سلّمتُ عليه؛ ولاحظ الكرتون، فتبسّم؛ وما أن دخلنا الشقة وقدمت له التمر؛ إلا وجلجلت ضحكاته، وصاح في أم عادل رحمها الله، وقال؛ صاحب الباحة جاء لنا بتمر؛ وما خطر ببالي أنه استبق وصولي باتصال بعلي الدميني ليعرف من هذا الشخص الذي جاء لزيارته.

كنتُ مُقرراً السلام، وطلب حوار صحفي، والانصراف قبل غروب الشمس؛ إلا أن روح وبشاشة مضيفي، أنستني قراري، أو أني طمعتُ بحكم الأريحية في وقتٍ أكثر من الوقت الذي قررته؛ ولم أطمئن إلى كسب ثقته؛ وتوطّد العلاقة؛ إلا عندما لزّم أتغدى معه يوم الجمعة، وقال؛ السائق يوصلك؛ وظهر الجمعة يجيك الفندق ليأتي بك؛ وبالفعل أقبلتُ عليه؛ وعندما فتح الباب؛ قال؛ عساك جبت معاك تمر؟ وهو يضحك ضحكته التي تحلّق بأجنحة البهجة في أرجاء المكان، وكعادة (أبو عادل) لا يكثر الكلام؛ بل اقترح أن أكون أنا المتحدث وهو المستمع!.

تلويحة؛ وفاءً لذكرى (أبو عادل وأبو عادل)؛ أكتبُ اليوم بثقل غير مألوف، وأشعرُ أني متطفّلٌ على الكتابة أو غريبٌ عنها؛ كأني صباحٌ أضاع وجهه، أو بوصلة فقدت وجهتها، أو عصفور استيقظ على جفاف أغصان شجرته العتيقة، وتخشّب حنجرته، وعجزه عن الغِناء، تذكّرتُ ضحى أمس أنّي على موعد اتصالٍ مع محمد العليّ؛ اتصلتُ مرةً، مرتين، ثلاثاً؛ لم يرد، فقلتُ؛ لعلّه حوّل جواله على صامت.