عاش اليمني على مر التاريخ عزيزاً على أرضه، يغذي نفسه من خيرات واحاته وسهوله الخصبة، مستنداً إلى حضارة عريقة قامت على البناء والاعتماد على الذات بعرق الجبين. غير أن مأجورين عملوا على إذكاء الصراعات الداخلية، وما صاحبها من تدخلات خارجية وتوظيف سياسي وعسكري، مما أضعف المسار التنموي وعطّل عجلة الإنتاج، محولاً الحقول الزراعية إلى ميادين للحرب، وهو ما هدد الاستقرار والأمن الغذائي، وقطع سبل العيش ومصادر الرزق عن ملايين المزارعين والحرفيين.


وفي الوقت الذي كان فيه اليمن بأشد الحاجة إلى حماية موارده الطبيعية وبناء مؤسساته، وجد أبناؤه أنفسهم أمام واقع مؤلم تتراجع فيه فرص العيش، وتضيق مجالات العمل، وينحسر فيه التعليم والرعاية الصحية، لتتقدم لغة السلاح على لغة البناء، إن صورة المزارع اليمني وهو يقف بأسى على حافة مدرجه الزراعي -الذي كان قبل سيطرة الحوثي يفيض بالمحاصيل- تختصر المأساة بأكملها، إذ ينظر إلى أرضه ويتساءل بألم عن مستقبل أبنائه في ظل غياب المدارس وتدني الخدمات، بعد أن استُبدل بصوت المعلم والمزارع دويُّ رصاصٍ ينطلق من مدافع يحملها أطفالٌ قُصَّر لا يدركون فداحة ما يُدفعون إليه. فالأصل أن اليمن ليس أرضاً فقيرة بالموارد أو شحيحة بالكفاءات، بل هو بلد يمتلك مقومات التميز بتنوعه الجغرافي والبشري الفريد القادر على قيادة نهضته، لولا أن النزاعات وأدت رغد العيش وأهدرت المقومات وأنهكت المؤسسات.


أدى هذا الواقع إلى إغراق البلاد في دمار تنموي وتصحر فكري يزرع في العقول قبول الصراع بوصفه قدراً محتوماً. وحين يُستبدل المعول التنموي بالخطاب السياسي والشعارات التعبوية التي تحشد العواطف دون تقديم مسار واضح نحو التعليم والعمل، يتوجب التساؤل عن الحصيلة الفعلية لهذه الخطابات، وعن مصير البسطاء الذين يُطلب منهم وحدهم دفع الثمن.


وفي هذا السياق، تبقى فلسطين قضية عادلة لا تحتمل المزايدة، ولا توظيف آلام شعبها لتبرير الصراعات والإرهاب الإقليمي. فالدفاع عن حقوق الفلسطينيين لا يتعارض إطلاقاً مع حماية المجتمعات العربية من الدمار، ولا يبرر تحويل الخلاف السياسي إلى كراهية جماعية. وقد أثبتت تجارب المنطقة أن الخطابات التصعيدية والوعود بالمواجهة لا تحمي الشعوب ما لم تقترن بحساب دقيق للعواقب وبناء المؤسسات وصون الاقتصاد. وما شهده لبنان من أزمات متعاقبة ونزوح للسكان بسبب مغامرات حسن نصر الله وحزبه الإجرامي، يتقاطع تماماً اليوم مع عبد الملك الحوثي وتهوره الممقوت، ليرسّخ حقيقة أن الشعارات مهما علت لا تعوض الناس عن بيوتهم وأعمالهم واستقرارهم.


وتزداد خطورة هذا المسار التدميري عندما تمتد آثاره إلى الأطفال، لينشأ بعضهم على شعارات العداء بدلاً من قيم المعرفة والتسامح. إن نقد سياسات الدول حق مشروع، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى كراهية للشعوب أو الأديان؛ فالطفل الذي يتعلم كيف يزرع ويقرأ ويبتكر أقدر على خدمة وطنه من طفل لا يتلقى سوى ثقافة الصراع. فالأصل أن اليمن بأشد الحاجة إلى جيل يتقن العلم والمهنة ويستعيد الثقة بمستقبله، لا إلى أجيال تُستنزف طاقاتها في معارك الميليشيات التي لا تنتهي.


ومن هنا، يبرز السؤال الجوهري عن جدوى إهدار الموارد في الصراع، في وقتٍ يحتاج فيه اليمن إلى المدارس والمستشفيات وفرص العمل. إن تسليح الجماعات المسلحة -ومن ذلك الدعم الإيراني لجماعة الحوثي- لا يلبّي احتياجات الأسرة اليمنية، كما أن استهداف المدن والمنشآت الحيوية في المملكة العربية السعودية لا يمكن تبريره بشعارات التضامن، بل يفاقم التوتر ويقوض الاستقرار الإقليمي. وهو ما يتطلب التمييز الحاسم بين الشعب اليمني وتطلعاته المشروعة، وبين ممارسات جماعات مسلحة تضع أمن المنطقة في دائرة الخطر.


وفي مواجهة هذا التدهور، برز الدور السعودي في دعم الاستقرار عبر مسارات إنسانية واقتصادية وتنموية، شملت دعم الموازنة والعملة وتأهيل البنية التحتية. والغاية من هذا الدعم ليست إبقاء اليمن معتمداً على المساعدات، بل تمكين الإنسان اليمني من العودة للإنتاج والاعتماد على الذات، مما يظهر الفارق الجليّ بين مسارٍ يستنزف مقومات الحياة، وآخر يسعى لصونها وترسيخ التنمية.


فالعلاقة بين اليمن والمملكة تتجاوز الظروف الطارئة، إذ تستند إلى تاريخ وجوار وروابط إنسانية واقتصادية راسخة. وقد أسهمت فرص العمل المتاحة لليمنيين في المملكة في إعالة ملايين الأسر داخل اليمن، لتظل المملكة -عبر المصالح المتبادلة والعمل الكريم- سنداً لجارها وشريكاً حقيقياً في استقراره ونهضته. إن استعادة اليمن لعافيته تتطلب تكامل جهود أبنائه مع دعم أشقائه، وأن تقدم مسارات الزراعة والصناعة والتعليم على حسابات الحرب الضيقة. فالأرض التي تنتظر الماء لا تحتاج إلى خنادق، والمزارع يحتاج إلى سوق آمنة ومصدر مستدام للمياه، والطالب يحتاج إلى مدرسة تفتح له أبواب المعرفة لا إلى خطاب يختزل مستقبله في دوامات العداء.


إن التصحر المادي يمكن مقاومته بالماء والعلم والعمل، أما التصحر الفكري فيبدأ حين يُقنع الناس بأن العداء بديلٌ عن التنمية، وأن الشعارات تغني عن بناء المؤسسات. فالأوطان لا تنهض بتوريث الأحقاد ولا بالصواريخ والخطابات الجوفاء، بل ببناء الإنسان وصون كرامته. وحين يجد المواطن اليمني فرصة كريمة في وطنه وسنداً صادقاً من جيرانه، تتحول اليد التي تزرع الحياة إلى منارة أمل تعيد لليمن خضرته واستقراره وصناعته للمستقبل.