مع استمرار الأخبار السلبية المتعلقة بمضيق هرمز وباب المندب والتبعيات العسكرية لها، تزداد معدلات القلق والتوتر، وعندما نعلم أن هذا المشهد ليس معزولاً عن أحداث أخرى مهمة ومتلاحقة ندرك وقتها أننا أمام عالم يشهد تحوّلاً عميقاً ومؤثراً. فمع التداعيات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة (وهذه التكلفة المرتفعة لم تعد تخضع لمعايير اقتصادية تحكمها بل هي واقعياً باتت خارج السيطرة) وهو ما يفسر خروج المظاهرات الهائلة في الكثير من المدن الفرنسية وعدد غير قليل من المدن الأوروبية الأخرى والتي شهدت أعمالاً مرعبة من الفوضى والشغب والتدمير. وصراعات دول كبرى تدير معاركها دول أصغر بالوكالة. وتساعدهم في ذلك تقنية مفترسة متوحشة تخدم جيوش الظلام ومرتزقة الشر. ونحن مطالبون بتصديق ظاهر المشهد دون تمعن أو تفحص أو تفكر أو تدبر. لست هنا في معرض التثبت بفكرة عاطفية أو موقف تقليدي معين ولكني أؤمن بحرية الفكر والمعتقد والتعبير أصلاً لإنسانية البشر وبالتالي يصبح لزاماً علينا أن نعرف ما يدور حولنا لإدراك ما لنا وما علينا، وأن نعي تماماً وعلى بينة من نهادن ولماذا ومن نواجه ولماذا وإلا صارت قطيعاً من السائمة قدره بين عصا الراعي وسكينه. لأن الإمعان الممنهج لتغييب العقل من قبل قوى الظلام العالمية الكبرى والوصول بالناس إلى الدهشة البلهاء والصدمة المستدامة والمفضية إلى شلل عظيم وعجز دائم هي أفعال عدوانية لا يمكن التخفيف في تسميتها أو الترخص في التعامل معها. وعليه فإن القراءة النقدية للأحداث الجارية في العالم نافلة رجاء للعقل الراجي للوصول إلى الحقيقة بل بات ملزماً إلزامياً وجودياً، لأن في ذلك كسراً واضحاً لطوق الغربة عن العقل وفيها مغادرة لدرب استعذاب العجز، وفيها، وهذا الأهم، الاستقالة من حالة الدهشة السرمدية. اليوم وفي ظل وجود قنوات المعرفة اللامحدودة والتي تقدّم لك بحار المعلومات قبل أن يرتد إليك بصرك وبالتالي يصبح الجهل اختياراً والغيبوبة والدهشة قراراً. الغيبوبة والدهشة ليستا قدراً حتمياً تاريخياً ولا موقعاً تاريخياً أو وظيفة مفروضة ولا هي مخرج قانوني أو عذر شرعي عنوانه العذر بالدهشة كالعذر بالجهل. وهذه لعمري رمال متحركة وبرك موحلة الانزلاق فيها أشبه بالموت السريري وهي مسألة لن تدركها جماهير اندهشت بما تردده بوقة المحاسيب والأنصار في المدرجات وخارجها. وتبقى دوماً الدهشة ما هي إلا تجليات الغفلة المؤجلة، وكما قيل قديماً إن التاريخ لا يحمي المغفلين، فالتاريخ لا يرحم المندهشين.