منذ فجر الطليعة والشعب اليمني شريك أصيل في مائدة المواطن السعودي وتنمية الوطن، لقد عمل اليمني في مختلف المجالات التنموية، بل امتد العطاء والعيش المشترك إلى أواصر المصاهرة والقرابة. واليوم تكشر الحرب في اليمن عن وجهها القبيح في مسار ظالم لا يستهدف مجرد المواجهة العسكرية، والصراع التقليدي على السلطة، بل يتعدى ذلك إلى تعطيل كامل لدورة الحياة بما تحمله من عمل وإنتاج وزراعة وغذاء واستقرار اجتماعي. فحين يتقدم الفكر المؤدلج على منطق الدولة المستقرة، ويتحول الخطاب الديني والسياسي إلى أداة للصراع والعداء، لا تقتصر الخسائر على الأرواح فحسب، بل تمتد لتطال الأرض التي تتوقف عن العطاء، والمزارع الذي يفقد قدرته على الإنتاج، والأسرة التي تعجز عن توفير غذائها، والأجيال التي تحرم من فرص الحياة الكريمة.


ولعل من أبرز الجوانب التي تستحق التأمل والتحليل العلمي العلاقة الترابطية بين عمل اليمنيين في المملكة العربية السعودية، وصمود أسرهم في اليمن. فقد عملت أعداد كبيرة من الكوادر والعمالة اليمنية في المملكة على مدى عقود، وأرسلوا مدخراتهم المباشرة إلى أسرهم، فتحولت تلك التدفقات النقدية إلى غذاء، ومسكن وتعليم وعلاج، وإلى رافد للتنمية الزراعية من بذور وأسمدة ومعدات زراعية وتنمية للثروة الحيوانية ومشروعات صغيرة. فالريال الذي يكسبه العامل بعرقه وجهده يتجسد عملاً تنموياً في حقل، أو علفاً لماشية، أو تمويلاً لمزرعة عائلية، يعاد تدويرها للسوق السعودية من منتجات الفواكه والحبوب والخضار، وهكذا ترتبط تحويلات المغترب اليمني ارتباطاً وثيقاً بالأمن الغذائي، واستمرار الإنتاج الزراعي، واستقرار الأسرة والمجتمع، وتنمية الصادرات اليمنية ودفع للقوة الشرائية.


لكن كيف يمكن لهذه الأموال أن تتحول إلى تنمية مستدامة في ظل فرض الحرب والدمار والخراب؟ وكيف يخطط المزارع لموسمه الإنتاجي إذا غاب الأمن، وارتفعت تكاليف الإنتاج، واضطربت سلاسل الإمداد والأسواق؟ إن التنمية التراكمية تتطلب استقراراً تشريعياً وأمنياً، والزراعة تستلزم بيئة آمنة، والأمن الغذائي يعتمد على أرض منتجة وعمل مستمر وأسواق منتظمة. واليمن، بما يمتلكه من موارد بشرية وخبرات زراعية عريقة وتنوع بيئي فريد، يحتاج إلى بيئة مؤسسية تعيد للمزارع القدرة على الإنتاج، وللعامل الأمل في مستقبل أبنائه، وللاقتصاد الوطني فرص التعافي المستدام.


ومن هنا تبرز الضرورة العلمية والفكريّة لنقد الأيديولوجيات السياسية التي توظف الدين، والارتباط العرقي لمنح جماعة بعينها حقاً استثنائياً في الحكم، أو لتبرير إقصاء المكونات الوطنية الأخرى. وفي الحالة الحوثية، يستحق الخطاب الديني والسياسي المُستغل لتبرير الهيمنة والمواجهة دراسة جادة وعميقة في ضوء آثاره التدميرية على مؤسسات الدولة، ومستوى معيشة اليمنيين، وعلاقات اليمن بمحيطه العربي والإقليمي، مع أهمية الفصل بين الممارسات السياسية للجماعة، وعدم تحميل مذهب ديني بأكمله مسؤولية مشروع سياسي فئوي.


وهنا يبرز سؤال جوهري منذ بروز المشروع الحوثي كقوة سياسية وعسكرية، ماذا قدم لمسار التنمية، وكم استثمر في رأس المال البشري اليمني وتعليمه وغذائه ومستقبله؟ هل كانت الأولوية لبناء المدارس والمستشفيات ودعم القطاعات الإنتاجية وخلق فرص العمل، أم لتوسيع النفوذ الخارجي ومواجهة دول الجوار؟ إن استقطاب الأطفال وتجنيدهم، واستغلال حالة الفقر والحاجة للتأثير في عقولهم مقابل مبالغ زهيدة، يمثل استنزافاً خطيراً لمستقبل اليمن الحقيقي. فالعقول التي ينبغي أن تبنى بالمعرفة، والطاقات التي يُفترض أن تنهض بالزراعة والاقتصاد، تُحوّل قسراً إلى وقود للصراع. وأي مشروع سياسي لا يضع الإنسان، والتنمية، والأمن الغذائي في صدارة أولوياته ملزم بأن يجيب على ماذا أضاف إلى حياة اليمنيين، وماذا اقتطع من مستقبل أجيالهم؟


وتستدعي المقارنة التحليلية بين المشهدين اليمني واللبناني التوقف ملياً، حيث يتشابه الدور الوظيفي للحوثيين من جهة، وحزب الله من جهة أخرى في سياق إقليمي تتداخل فيه الشعارات العقائدية، والسياسية مع النفوذ المسلح والارتباطات الخارجية. وقد أظهرت الأزمات المتلاحقة في البلدين الكلفة الباهظة للصراعات الممتدة على مؤسسات الدولة الوطنية، والتعافي الاقتصادي، وفرص التنمية. فاستثارة المشاعر بشعارات الكرامة والتحرير لا تكفي لبناء اقتصاد منتج، ولا لتوفير الأمن الغذائي، ولا لحماية مستقبل الأجيال.


وفي هذا السياق، تثير المواقف العدائية تجاه المملكة العربية السعودية تساؤلات ملحة حول كلفة تحويل علاقات الجوار التاريخية إلى خصومة دائمة. فالمملكة كانت ولا تزال وجهة رئيسة للعمالة اليمنية، ومصدراً رئيساً للدخل الذي تعتمد عليه ملايين الأسر في معيشتها وتعليم أبنائها، بل تعتبر الجامعات السعودية مصادر منح للطلاب المميزين لإكمال مسارات درجاتهم العملية ليشاركوا في البناء العلمي المؤسسي، فيما تسهم التحويلات المالية في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي والزراعة. واستقرار العلاقة بين البلدين يفتح آفاقاً واسعة للتجارة والاستثمار وإعادة الإعمار، بينما ينعكس التصعيد والعداء سلباً على العامل وأسرته، ومزرعته، ومستقبل اليمن وأبنائه.


وقد يتجاوز العداء السياسي حدود الاختلاف الفكري ليتحول إلى تحريض على التخريب وزعزعة الاستقرار، حيث يتبنى الفكر الحوثي دعوات هدامة دون إدراك لتبعاتها الكارثية على أمن المجتمع ومصالحه العليا. فالنقد المسؤول والموضوعي حق مشروع، لكن التحريض لا يصنع إصلاحاً، والدعوة إلى الفوضى لا تبني مستقبلاً. وهنا تتجلى الحكمة ورصانة الموقف السعودي في حماية الأمن الإستراتيجي، والتعامل مع الاستفزازات برصانة واقتدار، وعدم الانجرار وراء المزايدات السياسية.


ويبقى السؤال الأهم: من المستفيد الحقيقي من استمرار هذه الفوضى، ومن المتضرر الأكبر منها، ومن يدعم بقاءها؟ المتضرر الأوضح هو المواطن اليمني، والمزارع الذي تعطلت أرضه، والعامل الذي تقلصت فرص رزقه، والأسرة التي فقدت مقومات الأمن الغذائي. أما المستفيدون فهم شبكات المصالح التي تراكم النفوذ، والمال وتسيطر على الموارد من خلال «اقتصاد الصراع».


إن استعادة اليمن لعافيته تبدأ من الشجاعة ومعارضة ذلك التجييش الخاسر، وإعادة الاعتبار للإنسان وقيمة العمل، وبناء مؤسسات وطنية جامعة، وإبعاد القطاعات الحيوية كالزراعة والغذاء والاقتصاد عن صراعات النفوذ. فتحويلات المغتربين تشكل شريان حياة حيوياً، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن وجود الدولة الناجزة والاستقرار السياسي. فمن يعيد للمزارع قدرته على الإنتاج، وللأسرة أمنها الغذائي، وللعمال أملهم في مستقبل أبنائهم؟ ومن يتحمل المسؤولية التاريخية لإيقاف هذه الحرب كي تعود الأرض إلى عطائها، والتنمية إلى مسارها، والحياة إلى اليمن؟