لو طرحنا سؤالاً يجول في خواطرنا بماذا تقاس الحياة؟ وما معيار الثراء؟ فالإجابة ستختلف باختلاف ثقافة ووعي من يتصدّر ويتصدّى لها؛ بحكم أن للحياة معنى وقيمة لا يدركهما كل أحد، وللأنفس ثراؤها، الذي لا يوازيه ثراء، ومن صفات إطراء الاستثنائي (كريم نَفْس) وحياة البشر ليست حياة بالمعنى الدِّلالي والجمال بالمُطلق بل تخضع للنسبيّة، فالبعض يعيش حياة كلاسيكية، يشارك غيره هموم الأكل والشرب والنوم والعمل، وحياته وقف على همّ نفسه، والبعض أكسير حياته في حياة وسعادة وسلامة من حوله؛ فتغدو حياته حيوات، بعدد من يضفي عليهم من نفسه الكريمة بما تمثّلته من القِيَم والمبادئ، المتجليّة في قناعاته وسلوكه وتصرفاته، ما أثرى أيامه بما تبناه من مواقف قلّ نظيرها، ولا يستطيعها إلا من ألجم الأنانية بلجام البذل والعطاء، وأشرك المجتمع في خيره، لا عن نظرياتٍ شكليّة، بل من اعتناق جوهريّ.

لا تعلّم أرقى الجامعات كيف يغدو الإنسان (نبيلاً كريماً شهماً)، فالنبلُ والكرم والشهامة (جين وراثي)، أو كروموسومات في نواة، يصطفي الله بها من علِم أزلاً في قلوبهم خيرا، ثم يُكفلهم مبكراً حضن ورعاية والدين أخيار؛ يُنمّون فيهم بذرة الإحسان، ومكارم الأخلاق، كما يهبهم من الذريّة صفوةً يعزّزون ويراعون السيرة والمسيرة بما يحبّه ويرضاه أهل السماء وأهل الأرض، وشتان بين تغدو بهم ومعهم الحياة، أنقى وأرق وأرقى بإكسابهم الثراء معاني من كرم سيرتهم وأخلاقهم، وبين من تغدو الحياة عليهم عبئا أو تغدو بهم عبثا، ومن يتحوّل الثراء على أيديهم إلى نقمة وإشقاء.

في حياتنا نرى من يكسو المال وقاراً، لأنه يشعر بأنه في الحياة قيمة غير مطروحة للسوم، وهناك من يهبهم المال سعراً أو ثمناً شأن سلع الأسواق القائمة على حظوظ (إن قام حظه باع له واشترى له، وإن نام حظه لا شرى له ولا باع)، والعطاء يختلف باختلاف ثقافة وصحة عقل ونفسية المُعطي، فهو ليس نتاج امتلاء وشبع، بل تعبير عن إرادة امتنان للرحمن وللأوطان، باعثها المحبة والرغبة في مد أواصر الخير، انطلاقاً من شعور بالمسؤولية دون طلبٍ من أحد أو توجيه، وتأسيساً على عمق الروابط الاجتماعية والإنسانية غير المتكلّفة، إضافة إلى طموح يستهدف تعميم الخير في المجتمع؛ ليعمّ ويتنامى، ما يعزّز التواصل الإيجابي مع الأجيال، ومن المُكلف جداً على الإنسان أن ينجح في التعبير عن امتنانه إن لم يُرِدْ ويُحبّ، يحُبّ نفسه، وأسرته، ومجتمعه، ووطنه ويريد إسعاد البشرية جمعاء.

ليس المال هو الذي صنع شخصية رجل الأعمال سعيد العنقري، بل هو الذي صنع المال وأدبه وهذب نوازعه الطبيعية التي يستهجنها بتذكّر السنوات الشاقة، وتذكير من حوله بسيرته وسيرة أبيه رحمه الله، بما فيها من دروس صقلت جوهر الروح وكتب لها ذو العرش في الصدور قبولاً. ولذا كان من السهل عليه أن يتحكّم في شرَه الثروة وشرورها، بأدوات منطقيّة وإنسانية وثقافية نابعة من فلسفة لا تتوفر لأي موسر؛ فالعنقري وازن بين شخصيته المثقفة، النخبوية، وبين الشخصية الاجتماعية القريبة من الناس، وبين سيّد المال الذي خبر وعاش وعايش نماذج فتحت قلبه وثقافته ووعيه على تاريخ الأمم وسلوكيات الشعوب، عبر قراءته لهم باللغات والكلمات وبالعلاقات والصداقات، فاكتشف مبكّراً معنى الوجود أمام العدم، وقيمة الحضور إزاء الغياب، فكان التمدّن والتحضّر وكانت الأنسنة.

منذ وعيت على اسم (العنقري) وعيت على مشاريع تنموية، وخلال نصف قرن، لا يُذكر اسمه إلا مقترناً بمشروعٍ أو مبادرة أو عطاء، ما يؤكد على أن شخصه الكريم مُغرمٌ بالوفاء للمكان والإنسان، ولذا اتجه نحو مأسسة العمل الخيري الاجتماعي والثقافي والتطوعي لتحقيق الاستدامة، ولم تكن الاتفاقيات التي وقعتها مؤسسة سعيد العنقري، بالأمس القريب مع التجمع الصحي في الباحة لإنشاء مركز سعيد العنقري لغسيل الكلى وعلاج الأورام المجهز بأكثر من أربعين سريراً يستفيد منها 400 مريض، وما كراسي الزيتون واللوز التي أسّسها في جامعة الباحة، والجمعية التنموية التموينية، وإتمام مبنى النادي الأدبي، والشراكات مع جمعية أدبي الباحة وفرع جمعية الثقافة، وأعمال دون وفوق ذلك بمبالغ مليونية لا يعلمها إلا الله، إلا تأكيداً على أنه (واحدٌ كأَلْف) كما قال ابن دريد الأزدي (وَالناسُ أَلفٌ مِنهُمُ كَواحِدٍ، وَواحِدٌ كَالأَلفِ إِن أَمرٌ عَنا؛ وَلِلفَتى مِن مالِهِ ما قَدَّمَتْ؛ يَداهُ بين أهله لا ما اِقتَنى، وَإِنَّما المَرءُ حَديثٌ بَعدَهُ، فَكُن حَديثاً حَسَناً لِمَن وَعى).

تلويحة: إذا كان تأثير الكثير من المثقفين في مجتمعاتهم بالأقوال، فإن أثر المثقف (أبو سامي) أفعال خالدة، وأعمال جليلة، ومواقف غاية في التهذيب معروفاً أو عِرفاناً، علماً بأن العنقري يفوق شرائح مثقفة؛ قراءةً وتحليلاً واستيعاب معطيات وتحوّلات وسلوكيات ومدّ يدّ. وإن قيل؛ تمدحه لأنه اختارك ضمن أصدقائه، قلتُ؛ تلك تهمةٌ أُثبتها، وذاك شرفٌ أدّعيه.