هناك جملة قصيرة جداً، لكنها ثقيلة على ألسنة بعض الناس: «فلان له فضل عليّ»!

لا أعرف لماذا يخاف البعض من هذه الجملة. هل يعتقد أحدهم أن الاعتراف بفضل الآخرين سيخصم من رصيده في البنك؟ أو يخفض مرتبته الاجتماعية؟ أو يسحب منه بعض الذكاء ويودعه في حساب صاحب الفضل؟!

بعض من عرفناهم يستطيع أن يحدثك ثلاث ساعات عن نفسه، وعن كفاحه ونجاحاته وعبقريته الفذة التي لم تنجب البشرية مثلها منذ اختراع العجلة، لكنه حين تسأله: من ساعدك؟ يصاب فجأة بفقدان الذاكرة! وكأنه استيقظ ذات صباح فوجد أبواب الحياة كلها مفتوحة أمامه.

الحقيقة التي لا يحب هؤلاء سماعها أن لا أحد يصنع نفسه وحده. فخلف كل إنسان ناجح أشخاص ربما لا يعرف الناس أسماءهم، ومن المروءة أن نتذكر هؤلاء. فالاعتراف بفضل الآخرين لا ينتقص من الإنسان، بل يكشف ثقته بنفسه. وحده الشخص المهزوز يتصوّر أن مدح غيره إهانة له، وأن الاعتراف بذكاء منافسه اعتراف بغبائه، وأن الثناء على نجاح شخص آخر يعني إعلان إفلاسه الشخصي!

ولهذا أحب الإنسان الذي يقول ببساطة: فلان أفضل مني في هذا الأمر.

هذه الجملة لا يقولها إلا واثق. والأجمل منها أن تحفظ للناس أفضالهم حتى بعد الخصومة.

قد يكون لك صديق وقف معك عشر سنوات، ثم اختلفتما في السنة الحادية عشرة. هنا يظهر المعدن الحقيقي للإنسان؛ هل يمحو عشر سنوات من المواقف الجميلة بسبب خلاف واحد؟ هل يعيد كتابة التاريخ ليقنع نفسه والناس بأن ذلك الرجل لم يفعل له شيئاً قط؟ للأسف، البعض يفعل ذلك. فإذا أحب شخصاً صنع منه ملاكاً، وإذا اختلف معه اكتشف فجأة أنه شيطان، وهذا ليس إنصافاً، بل طفولة عاطفية.

الرجل الكريم يقول: اختلفنا، وربما لن نعود أصدقاء، لكن له فضل عليّ لا أنكره. بل إن الإنصاف الحقيقي يتجاوز الأصدقاء إلى الخصوم. قد يكون خصمك ذكياً، فقل إنه ذكي. وقد يكون منافسك ناجحاً، فاعترف بنجاحه. وقد يكون من تختلف معه صاحب موقف نبيل، فاشهد له به. وصدقني لن يسقط تاجك!

الناس الكبار لا يحتاجون إلى تصغير الآخرين كي يبدوا كباراً.

وقد علمتني الحياة أن بعض الأفضال لا تأتي في أكياس من المال، ولا في خدمات يمكن قياسها. أحياناً يغيّر حياتك شخص بكلمة. وربما صنع مستقبلك رجل رشحك لفرصة ثم نسي الأمر كله، بينما لم تنسه أنت.

وأحياناً حتى الذين أغلقوا الأبواب في وجوهنا كان لهم فضل من نوع آخر؛ أجبرونا على البحث عن أبواب أفضل.

لهذا أستغرب من الإنسان الذي يصل إلى مكان مرتفع ثم يركل السلم الذي صعد عليه، والأسوأ منه من يقف في الأعلى ويصرخ: لقد وصلت وحدي!

لا يا عزيزي. كلنا صعدنا على أكتاف مواقف وأشخاص وتجارب. وإذا فتشت جيداً في قصة نجاحك ستجد بصمات كثيرة غير بصماتك.

لذلك لا تؤجل الشكر، ولا تبخل بالاعتراف، ولا تنتظر موت أصحاب الفضل لتكتب عنهم قصائد الوفاء وتنشر صورهم القديمة وتخبر الناس كم كانوا عظماء. قلها لهم وهم أحياء. قل لمعلمك: تعلّمت منك. ولصديقك: وقفت معي. ولمن فتح لك باباً: لن أنسى معروفك. وحتى لمن اختلفت معه: اختلفنا، لكن فضلك محفوظ.

فحفظ الجميل ليس ضعفاً، والاعتراف بالفضل لا يخفض مقامك. فحين تقول عن إنسان: «له فضل عليّ» فأنت تخبرنا أكثر عن أخلاقك أنت.

أخيراً، أقول لكل من قرأ كلماتي هذه: «حتى أنت لك فضل عليّ».